الأربعاء 21 أكتوبر 2020
كتاب الرأي

إدريس المغلشي: الضرب على الأوتار المجروحة

إدريس المغلشي: الضرب على الأوتار المجروحة إدريس المغلشي

كفاكم استفزازا...! فالنوتات المدعمة لم تعد تطربنا، لأن الفن ليس أولوية في وطن يئن تحت وطأة الحاجة وكثير من الصدمات. الفن لا أحد ينكر دوره في تهذيب الذوق وتأطير المجتمع والمساهمة في رفع منسوب الإحساس بالانتماء للوطن. إنه مجال لا يمكن أن يخرج عن السياق الوطني في انتمائه للمشاعر العامة الناقلة لهموم الناس واللصيقة باهتماماته.

 

الفنان الحقيقي والأصيل بطبعه عفيف، هو الفنان العضوي المرهف الحس الصادق في الخطاب الوجداني والذي يحمل في رصيده حب الناس بلا حدود ولا مقابل ، تأشيرته ما يقدم بوفاء لمساره المهني. تأخذه العزة بالنفس فلا يستجدي أحدا وقد يغادر هذا العالم دون أن يورث أهله درهما. يعيش على الكفاف والقناعة وهو يقدم أغلى ما يملك، إنجازه المفرد الذي يبقى خالدا مهما تكالبت عليه أصوات طفيلية. يبقى شامخا لا يندثر.

 

وهنا لا أقصد بكلامي من يتسللون تحت مسميات عديدة من أجل امتصاص مقدرات الوطن الذي يعيش اختلالا بنيويا في توزيع ثرواته زورا وبهتانا، جيل من الانتهازيين تقدمهم وسائل إعلام متواطئة للمواطن على أنهم  نخبة ومنارة للفكر والثقافة بمساحيق متعددة لا تضمن لهم البقاء لمدة أطول.. لقد صدمتنا إحدى القنوات العمومية في مناسبة سابقة وهي تقوم بروبورتاجات مع سبق إصرار وترصد حول المعيش اليومي لبعض أدعياء الفن وتجار الفرحة ومقرصني حقوق البث التي تأتي على شكل غصة، من طفوا على السطح في ظرف وجيز وأصبحوا يعيشون في قصور بضيعات شاسعة، يطمعون في كل شيء مهما بلغت قيمته "لغرامة من 10 إلى 20 درهم " في زفاف متواضع يضم في أغلبه من الحضور مجموعة من المياومين المتسكعين ينشدون الفرجة بأقل كلفة، لقد سلطوا الضوء في برنامجهم على هدف واحد: كيف يوصلوا فكرة وحيدة وقناعة راسخة  لشبابنا الطموح أن كل هؤلاء النماذج ترفل في  النعم وكل هذا الغنى دون أن يتموا مسارهم في المدرسة وتلقي العلم، إنهم مجموعة من الأميين لا يستطيعون كتابة أسمائهم، ومع ذلك ينعمون وسط أرصدة مالية لا قبل للطلبة والدكاترة المعطلين بها وهم يتلقون أشد الإهانات والتنكيل أمام مؤسسة البرلمان وفي شوارع العاصمة. بينما ينعم الرعاع في مقدرات الوطن. في زمن حكومة مسلوبة الإرادة وغير قادرة على احترام مشاعر الناس، في زمن كورونا والحس التضامني والاقتطاع المغتصب من رواتب المقهورين ولحظة إيقاف كل الحوافز نعيش زمن السفاهة بكل أركانها دون شعور بذرة خجل.

 

أين أنت يا رئيس الحكومة من مشاعر الناس وباقي مكونات الوطن الذين قهرهم العوز والحاجة لدرجة تدفعهم أغلبيتهم لبيع ممتلكاتهم؟

 

إنه زمن النوتات التي تكاثرت حتى أفسدت علينا الذوق ولم نعد قادرين على استيعاب الموقف، لقد أصبحت تشبه لحد بعيد مشانق معلقة على ابواب المدينة وعلى الرؤوس تقرع الأجراس. تأتي في الليل كنعيق غراب ينذر بمذبحة وقعت بتواطؤ بين أفراد عصابة صادرت منا حق الكلام، وكرامة العيش ولم نعد قادرين على استيعاب اللحظة، كم من المآسي بوطني لا تراها العين في زمن أصابها الرمد، لم تعد تبالي بهموم الناس، الرؤية لوحدها فعلا لا تكفي لأن المثل المغربي يقول "الشوف مابرد الجوف".

 

ترقص على جراحنا وأجسادنا المنهكة من ضنك العيش ذئاب وهي تتلذذ بعذاباتنا بشكل سادي قل نظيره. فضيحة تلو فضيحة ومرحلة موسومة بالانتكاسات وتناقض في الخطاب. حكومة لاشعبية وقرارات مدانة لم تراع مكونات الوطن الذي كما تستنفره عمليات التضامن تستفزه مثل هذه السفاهات والتفاهات التي لا تتوقف. فمن ينتظر من الغناء في وقت الشدة أن ينوب عن آهاتنا وأوجاعنا وآلامنا وصرخاتنا، فنخبره أننا لا نجيد سوى عزف أنشودة العزة والكرامة.

 

سمفونية الرجال فسجل يا تاريخ...! أن بعض الأنذال خانتهم قريحة الإبداع والإنصاف فأمطرونا قرارات صاعقة. لن نغفر لكم هذه الزلات.