السبت 26 سبتمبر 2020
في الصميم

الاستراتيجية الأمنية للحموشي.. بين الثابت والمتغير

الاستراتيجية الأمنية للحموشي.. بين الثابت والمتغير عبد الرحيم أريري

أقدم المكتب المركزي للأبحاث القضائية التابع للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، يوم 10 شتنبر 2020، على تفكيك خلية إرهابية تنتمي لتنظيم "داعش"، كانت تنوي القيام بعمليات تخريبية خطيرة بكل من مدينة تمارة والصخيرات وتيفلت وطنجة. وقبل ذلك بأسبوع عاش المشهد الأمني، في مرحلة أولى، وبالضبط خلال الأسبوع الأخير من شهر غشت، على إيقاع عملية الأيادي النظيفة التي استهدفت تطويق تجارة السلع الفاسدة، ومحاربة بيع الخمور المغشوشة والمهربة. ثم عاش المشهد نفسه، في مرحلة ثانية، إطلاق ما سمي عملية "باخوس" (إله الخمر عند الإغريق) التي استهدفت أحد أباطرة الخمور المسيطر على أسواق عدد من المدن المغربية.

 

هذه العمليات ليست وقائع معزولة، أو ردود فعل طارئة، لكنها منخرطة في خطط متدرجة ترعاها عين يقظة تهدف حماية صحة وأمن وسلامة المغاربة، وصيانة الأمن والاستقرار، ومواجهة كافة أنواع الإرهاب والفساد. والمشترك بينها ليس فقط نجاعة السلوك الأمني في الترصد واليقظة، وليس هو كذلك ثمرة التعاون بين أجهزة الأمن والمخابرات. بل المشترك تحديدا وجود استراتيجية يقودها رجل ميدان وخبرة بناء على ما يمكن تسميته بجدلية الثابت والمتغير في السياسة الأمنية، على أساس أن كلا العنصرين يتكاملان.

 

إن الثابت في وصف حالتنا المغربية الراهنة هو وجود عقيدة مترسخة لدى الأجهزة الأمنية والمخابراتية تفيد أن تظل العين مفتوحة دائما وبيقظة. والمتغير هو ما يطفو على السطح من أحداث طارئة نتيجة تطورات الوضع الاجتماعي، أو بارتباط مع المحيطين الإقليمي والدولي. وبهذا الخصوص نعيش اليوم المتغير متمثلا في الحالة الوبائية التي تهدد سلامة المغاربة ودولا عديدة في العالم. وقد أقرت الدولة المغربية بكل مستوياتها وأجهزتها خططا لتطويق الوباء، معتبرة ذلك أولوية أمنية واجتماعية واقتصادية رغم ما يشوب الأمر من تعثرات موضوعية، أو بسبب تقصير حكومي هنا وهناك. لكن ما يهمنا هو أن الأجهزة الأمنية تتعامل مع الجائحة (المتغير) بدون أن يثنيها ذلك عن استمرار التعامل مع الثابت (حراسة أبناء المملكة في الدوام). وفي هذا الإطار كانت الوقائع التي ذكرنا أعلاه.

 

نتيجة هذه الجدلية بين الثابت والمتغير استطاع عبد اللطيف الحموشي:

أولا: أن يدخل المغرب في الرادار العالمي بالشكل الذي جعل دولا عظمى تخطب ود بلادنا، مستثمرة تجربتنا في مجال مكافحة الإرهاب، والجريمة العابرة للحدود، وفي مجال التعاون الدولي بخصوص مكافحة الهجرة غير الشرعية والاتجار في البشر...

 

ثانيا: استطاع الحموشي كذلك بفضل كفاءة الأجهزة ويقظتها أن "يؤنسن" جهاز الأمن والمخابرات، ويجعله كيانا أليفا لدى المغاربة، على خلاف النظرة العدوانية التي كانت تطبع علاقة المغاربة مع رجال الأمن والمخابرات في العهد السابق.

 

ثالثا: واستطاع الحموشي من جهة ثالثة أن يعزز الممارسة بمبدأ الاستباق، واعتماد المبادرة لا ردود الفعل.

 

رابعا: واستطاع الحموشي إضافة إلى ذلك تحديث الجهاز الأمني وتطويره بالشكل الذي يجعله متناغما مع لغة العصر،  متجاورا مع رهان التحديث المعتمد بالمنطوق الكوني. إن التحديث لا يعني فقط مجال التقنيات والتخابر والتواصل الدولي، أو شكليات الزي والسلوك، ولكنه يعني أساسا تحديث العقلية الأمنية التي صارت تتواصل تفاعليا مع الرأي العام عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

 

وذلك ما حاولنا رصده في غلاف العدد الجديد من أسبوعية "الوطن الآن" (العدد 857)، سواء من خلال الكرونولوجيا التي أنجزناها اعتمادا على جهدنا التوثيقي الخاص، والتي تخص جردا بعمليات تفكيك العمليات الإرهابية، وكذلك من خلال حصيلة الإشادة الدولية بدور المغرب في مكافحة الإرهاب، حيث حظي بلدنا بالتنويه المشهود من أكبر مراكز القرار الدولي، سواء من خلال الأمم المتحدة أو من خلال الاتحاد الأوربي، أو من خلال تطوير التعاون مع الولايات المتحدة وغيرها من الدول العربية والإفريقية والأسيوية، حيث تؤكد كل هذه الدول  على المقاربة الشاملة التي باشرها المغرب ضمن مشاريع الإصلاحات السياسية والاقتصادية والحقوقية، كما تؤكد الحاجة إلى توطيد سبل التعاون الأمني مع مجموعة من البلدان، وعلى رأسها المغرب.

 

بموازاة الإشادة الدولية كان لا بد لغلاف نفس العدد من "الوطن الآن"، أن يستحضر دلالات الزيارة التي قام بها الملك محمد السادس يوم الثلاثاء 24 أبريل 2018 إلى مقر المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، والتي تعكس  "أن أعلى سلطة في البلاد ترسخ مأسسة السياسة الأمنية للمملكة، والكفاءة العالية التي أصبحت عليها أطر أجهزتنا، والمكانة التي يتمتعون بها اليوم، مع ما يعني ذلك من دلالة العناية بأطر وموظفي الجهاز، وتطوير منظومة التكوين في مجال الاستخبار".

 

إن المغرب الذي يطمح في التغلب على شرطه الذاتي تواقا إلى مستقبل الديموقراطية والتحديث يعي بأن مشروع التنمية بمعناه الشامل كل لا يتجزأ. عصبه الأساس أمن المغاربة وحقهم في أن يعيشوا في أمان.

أجهزة الأمن والمخابرات تسعى بعين يقظة، وبالكفاءة والتحديث، إلى أن ترسم طريقنا إلى ذلك الحق، وإلى العيش في أمن وسلام.