الجمعة 25 سبتمبر 2020
كتاب الرأي

جمال المحافظ: صحافة اليسار موت الأيديولوجيا " ليبراسيون" نموذجا

جمال المحافظ: صحافة اليسار موت الأيديولوجيا " ليبراسيون" نموذجا جمال المحافظ

يطرح خروج صحيفة " لبيراسيون " الفرنسية بداية من شتنبر الجاري من مجموعة " ألتيس "  التي تضم قنوات سمعية بصرية، إشكالية النموذج  الاقتصادي الصحافة، في ظل " موت" الأيديولوجيا، علاقة الصحافة بسلطة  رجال الاعمال من الرأسمالين والشركات التجارية الكبرى المال، علاوة على التحولات التي  تفرضها  الثورة الرقمية، على  السلطة الرابعة أداءا  مهنيا ونشرا .

فقصة "ليبراسيون"  التي  يعود الفضل في تأسسيها  الى الفيلسوف الفرنسي الشهير جان بول سارتر  من أجل "إعطاء الكلمة للشعب"، هي  في الواقع أكثر من قصة صحيفة قررت عند انطلاقتها سنة 1973، بأن لاتكون مقاولة صناعية وتجارية، بل هي  نموذج  هي لمثيلاتها، ساهمت تموجات الحقل السياسي محليا ودوليا، في إعادة هيكلتها وأثرت على خطها التحريري.

صحيفة في ومن الأيديولوجيا من أجل "إعطاء الكلمة للشعب"

تؤرخ هذه الصحيفة الباريسية، أيضا لتجربة طيف هام من الحركة اليسارية، شغل الساحة السياسية والفكرية في أواخر بالستينات والسبعينات، مرحلة العنفوان خاصة مع تداعيات الأحداث الطلابية بفرنسا في ماي 1968 ووصول اليسار بقيادة الحزب الاشتراكي الى سدة الحكم سنة 1981، وفيما بعد مرحلة الانكسارات بعد عودة اليمين للسيطرة على الحياة السياسية، وما رافق المرحلتين من نقاش وجدال، ضجت به وسائل الاعلام المكتوبة والسمعية البصرية، التي وفرت فضاءا  للمفكرين والكتاب لطرح وجهات نظرهم وافكارهم مع التعريف بالانتاجات الفكرية والعلمية. قكان ذلك قبل أن يكتشف رأس المال الذى تصفه النظريات الاقتصادية ب"الجبان"  أهمية الاعلام، ويتحكم  في توجهاته السلطة، والتعامل معه كأي مقاولة صناعية وتجارية.

  وأعلنت "ليبراسيون"، منذ الثالث من شتنبر الجاري، تاريخ اعلانها الانسحاب من مجموعة "  ألتيس "  المالكة للشركة الفرنسية للهاتف الإذاعي SFR والقناة التلفزية الفرنسية للأخبار الوطينة المسترسلة BFMTV و راديو مونتي كارلوRMC ،تقوم " ليبراسيون"، في بيان لها، أنها  أصبحت "  تنتمي الآن إلى صندوق وقف ( هبات) غير ربحي،نظامه الأساسي شبيه إلى حد ما، بالنظام الأساسي للمؤسسة".

 وهكذا، " سيصبح بإمكان القراء  كل يوم، التحقق من حرية تحريرها، التي يعززها هذا الهيكل القانوني  الجديد الذي يضمن للجريدة الاستقلالية المؤسساتية التامة، إزاء كافة السلطات السياسية أو الاقتصادية" يخبر بيان إدارة الجريدة المشتركين الذي تعممه على نسختها الالكترونية.

مساهمة القراء  في ضمان  استقلالية الصحيفة

وبناء على ذلك، قالت ادارة  الصحيفة في بيانها، أن  على " لبيراسيون"، " أن تعتمد أولاً، وقبل كل شيء، على ارتباط قرائها الذين يجب أن يكونوا أكثر عددًا وأكثر وفاء" وذلك " حتى ولو تم منح صندوق الوقف، رأس مال لتمويل السنوات الأولى من المشروع"، موضحة  أن " المنحة لازالت قيد النقاش ما بين ممثلي  المستخدمين ومجموعة آلتس".

ووصفت إدارة " لبيراسيون"، أن مبادرتها بأنها  "عودة إلى الأصول، وللروح التي هيمنت على تأسيسها" متعهدة في هذا الصدد بالعمل على " تقديم كل يوم المزيد من الأخبار التي يتابعها قراؤنا، ويتعاطفون معنا، على أمل أن يكون لدينا كل يوم المزيد من  المتابعين من القراء الذين يحبوننا "مخاطبة  القراء بالقول،  " إننا في حاجة إليكم، لدعم معركتنا، من أجل صحافة مستقلة وملتزمة".

مكر السياسة من صحيفة للحرية الى وسيلة اعلام محافظة

فمنذ سنة  2005، دخلت "ليبراسيون" في "متاهات مختلفة"، بعدما ارتبطت  برجال الأعمال خاصة إدوارد  دو روتشيلد الرأسمالي المصرفي الفرنسي  الذي استحوذ على 37 في المائة من رأسمال الصحيفة، وبذلك تحولت هذه الأخيرة الى وسيلة اعلام "محافظة" بعدما كانت سابقا  تشكل " مرآة اليسار الذي يريد تغيير العالم، وصحافة الحرية، وتواجه الاعلام البورجواوي المتملق والمستكين"، كما قال الكاتب الفرنسي بيير رامبير  في مؤلف  " ليبراسيون من سارتر إلى روتشيلد".

 وأشار  بيير رامبير  الى أن هيئة تحرير الصحيفة، شهدت صراعات، بين "أصحاب الخط الإيديولوجي الماوي المتشدد" وأنصار " الخط المهني الإعلامي" موضحا أن هذا التوتر بدأ بعدما تخلى جان بول سارتر عن إدارة الصحيفة، بسبب المرض، لفائدة سيرج جولي احد الصحافين  العاملين بها.

 وأضاف أن جولي حول  يعد ذلك "ليبراسيون"  الى "صحيفة الرأي اليساري الجديد "، وهو ما يتطلب – في نظر  المدير الجديد - ضرورة أن تغيّر الصحيفة اليسارية خطها التحريري في اتجاه أن تصبح "جريدة إخبارية ديمقراطية كبرى" مؤكدا على ضرورة الانتقال من  " ثقافة  الاحتجاج ومناهضة النظام الرأسمالي، إلى التأقلم والتكيف مع هذا النظام، مع تحديث اليسار، باتجاه قبول ليبراليته".

من مؤسسة  صحفية الى منشأة صناعية ـ تجارية

غير أنه مع وصول اليسار الاشتراكي إلى السلطة بقيادة فرانسوا ميتران سنة 1981، عمل سيرج جولي مرة أخرى على تغيير الخط التحريري للصحيفة، حينما قال " إن الإعلام هو الإيديولوجية الوحيدة التي تهمه"، قبل أن يعلن سنة  2002 بصراحة انحيّازه للاقتصاد الليبرالي وللمنافسة الحرة، عجل  بإدخال "ليبراسيون" في مرحلة جديدة، حولها الى منشأة صناعية ـ تجارية ـ إعلامية، ترجمتها بتسريح  عدد من صحافييها، وفتح صفحاتها للإعلانات التجارية، لضمان مداخيل أكبر .ولاحظ  بيير رامبير  في هذا الصدد، أنه في كل مرة يزداد رأس المال الخاص، كانت الصحيفة، تتعرض لإدخال تعديلات على توجهاتها وبنياتها وطرائق عملها، بدعوى التلاءم مع القوانين الاقتصادية.

فالأزمات الجريدة المالية التي تعانى منها من وقت لآخر من شأنها، أن تفسر المسار الاقتصادي ـ الإعلامي الجديد لها،و أن ذلك لم يكن مرتبطا بمشروع إيديولوجي آخر يختلف كليا على ما قامت عليه أساسا، غير أن  ذلك يكمن في حقيقة الامر بتجديد الليبرالية الفرنسية، حسب مؤلف " ليبراسيون من سارتر إلى روتشيلد".

وفي سنة 2014، كانت  الصحفية،فتحت أبوابها للجمهور الذي تدفق على مقرها، تعبيرا عن الوفاء من القراء والمساهمة في انقاذ "ليبراسيون"  التي كانت تعاني من آنذاك من أزمة حادة بين هيئة التحرير والإدارة التي تسعى إلى إعادة هيكلتها بعد تراجع توزيعها، وهو  ما كان يعني توقفها  تدريجيا عن الطباعة والتحول للنشر الإلكتروني على شبكة الإنترنت.

إعلام ديمقراطي مناهض لتسليع الصحافة  

 وساهم  انتقال " ليبراسيون "من مشروع  "صحافة الحرية" إلى " الصحافة الرأسمالية"، في " تفريغ الذاكرة طوال سنوات من المعركة التي خاضها الصحافيون من أجل إعلام ديمقراطي نزيه وتكريسه"، حسب بيير رامبير، في الوقت الذي يرى الكاتب الفرنسي جان شويبيل، أن الصحافة توجد في المرحلة الراهنة، تحت رحمة " سلطات إقطاعية "  لا تبالى بأي مسؤولة، بل ما يهمهما الا مصالحها وتتصرف طبقها.

فهمها الوحيد " تسليع الصحافة" وفتح صفحاتها للاشهار والإعلانات التجارية بهدف زيادة مواردها المالية،مع الاهتمام بمواضيع الاثار ة والترفيه والتسلية، والأخبار المتفرقة، وهو ما يجعل حرية الصحافة ،تصبح في النهاية مجرد حرية للأعمال التجارية.

بيد أن تراجع الصحافة الورقية، بصفة عامة، يرتبط بعدة عوامل سياسية واقتصادية وثقافية وتقنية، منها بالخصوص الزحف التكنولوجي وتحولات اعتمامات الرأي العام، وضعف المسجل في نسبة المقروئية وهشاشة النموذج الاقتصادي للمنشأة الصحفية وتراجع موارد الإشهار وسرعة انتشار الخبر الالكتروني.

 كما تهم هذه العناصر تحكم الشركات العالمية الكبرى في الاشهار وشبكة الانترنيت، في الوقت الذي يلاحظ، أن الثورة التكنولوجية الحديثة، ساهمت في تكسير احتكار الصحافة لنشر وتعميم المعلومات والأخبار، ومكنت هذه التكنولوجيا كافة الشرائح من الحصول على المعلومات وتعميمها.وتتطلب هذه التحديات التي تواجهها الصحافة الورقية، أولا التفاعل الايجابي مع  التحولات التقنية والمهنية والاندماجها فيها، وثانيا البحث عن السبل الكفيلة بضمان المعالجة المهنية للكم الهائل من المعلومات والمعطيات، وذلك  أخذا بعين الاعتبار الحاجيات الجديدة لجمهور القراء.