الخميس 29 أكتوبر 2020
كتاب الرأي

عمر أربيب: اغتصاب الطفلات والأطفال.. حتى لا ننسى

 
عمر أربيب: اغتصاب الطفلات والأطفال.. حتى لا ننسى عمر أربيب

بحكم نشاطي الحقوقي، والاهتمام اكثر بقضايا حقوق الطفل، وضمنها الاستغلال الجنسي والاستعمال الاستغلالي للأطفال في المواد الداعرة، والسياحة الجنسية، والاغتصاب وغيرها من أوجه البشاعة التي وصلت حد الاتجار في الاطفال؛ يمكننا القول، إن اغتصاب الطفلات والاطفال ظاهرة أصبح متجذرة في المجتمع، وأن المقاربة الجزرية لهذا الانتهاك الجسيم للمصلحة الفضلى للطفل، غير قادرة لوحدها على وقف العاصفة، ببساطة لأن الاحكام في الكثير من الملفات تكون مخففة، وأحيانا يتم إخلاء سبيل المشتبه فيه لعدم توفر الإثبات في حقه، علما أن وسائل إثبات الاغتصاب تكون متوفرة وأهمها الشهادة أو الخبرة الطبية، ولأنها غير مصحوبة بإجراءات اجتماعية وصحية ونفسية ووقائية أخرى.

 

كمتتبعين ومناهضين للظاهرة، يمكننا أن ننسى ترحيل السياح الخليجيين لبلدانهم بدون متابعة بما فيهم الذين يضبطون مع قاصرات، أو تمتيعهم بالسراح المؤقت دون وضعهم تحت المراقبة القضائية، كحالة الكويتي الذي اغتصب قاصر عمرها أقل من 15 سنة، قد ننسى ملف الفرنسي إرفى الذي صور 15 قاصرا من أطفال الملاح بمراكش واستغلهم جنسيا، وبعث الصور إلى أحد النوادي المشهورة بالتسويق للصور والأشرطة البورنوغرافية، قد ننسى الإدانات المخففة التي لا تتجاوز السنتين لبعض الذين ضبطوا من الأجانب يستغلون قاصرين جنسيا مقابل أكلة في جامع الفنا وقماش. قد ننسى قضية بوديكا في مراكش..

 

قد ننسى العشرات من القضايا يتابع فيها المشتبه فيهم في حالة سراح مؤقت، أو التي يجهل مسارها، قد ننسى قضايا اغتصاب قاصرات وقاصرين في أعمار تتراوح بين أربع و14 سنة استقبلت آبائهم وأمهاتهم وقمنا بكل ما يلزم، وكانت العقوبات خفيفة جدا لا تتعدى شهور.. قد ننسى أنه منذ بداية حالة الطوارئ الصحية عرضنا مجموعة من القضايا على النيابة العامة بواسطة المنصة الخاصة بذلك والمتعلقة بالعنف ضد الأطفال، وللأسف مع الجائحة واشتراطاتها ونوعية المحاكمات لم نستطع المتابعة.

 

لكن لا يمكننا أن ننسى رجلا يدخل مقر جمعيتنا والحزن يسيطر على محياه، ورغم أنه فارع الطول وقوية البنية كان يبدو وهنا منكسرا، قبل أن يبادرنا بالكلام، قفزت من مكاني ودخلنا قاعة أخرى لأني عرفت مسبقا نوعية القضية والانتهاك، لن ننسى أنه بكى وانهار، وأحس بالذنب تجاه طفلته ذات 07 سنوات التي تعرضت لاغتصاب من طرف بقال الحي بدروب المدينة العتيقة، لن ننسى هذه الواقعة لأن الرجل ظلم مرات، الاغتصاب وتلكؤ القضاء في اتخاذ المتعين، ونظرة المجتمع التي تستصغره وتلومه لأنه في نظره قادر على القصاص لبنته بيده، يعني "شرع اليد" نظرا لقوة بدنه .

 

لا يمكننا إطلاقا أن ننسى قضية الطفلة التلميذة اسمهان ذات 11 سنة ، المنحدرة من دوار البرجة بأيت ايمور ضواحي مراكش، والتي تم اغتصابها بعد مغادرتها للمدرسة في طريق العودة لمنزل الأسرة وقتلها بدم بارد.. لن أنسى ببساطة لأن المجرم هو نتاج سياسة جنائية وقضاء متساهل، لأنه كان حديث مغادرة السجن بعد قضاء عقوبة خفيفة إثر اغتصابه طفلة صغيرة في عمر اسمهان. لا يهمني الحكم الذي تلقاه عقب اغتصابه وقتله للبراءة لكن يهمني هنا التساهل القضائي الذي طالما انتقدناه، يهمني إفلاس منظومتنا القيمية، وغياب مؤسسات اجتماعية وثقافية وطبية ونفسية تعنى بحقوق الطفل، وسياسة قادرة على غرس قيم انسانية داخل المجتمع، وقضاء يعي خطورة المس بحقوق الطفل، ويجعلها فوق كل اعتبار، ما يهمني ايضا في هذه القضية ان القضاء لعب دور المساهم في الجريمة بتساهله في المرة الأولى .

 

لن انسى قضية خديجة السويدي بنت بنكرير التي وضعت حدا لحياتها، بعدما ضاقت كل انواع الاغتصاب ونكران العدالة. خديجة اختطفت اغتصبت جماعيا، وتم الاستعانة بكلب لإرهابها وصورت وتم الاعتداء عليها جسديا من طرف 08 أشخاص في مكان مغلق بمنزل ضيق بجماعة نزالة العظم، اعتقلوا وقضت المحكمة في حقهم ب 8 اشهر سجنا، رغم صراخها أمام القاضي وحملها لنذوب العنف الهمجي.. والغريب أنهم عادوا لمطاردة العاملة الكادحة خديجة مرة أخرى، وبعدما لم تستجب أية جهة لتوسلاتها وشكاياتها، قررت سكب البنزين على جسدها وأن تضرم النار فيه، لتفارق الحياة حرقا، وبعد تحركنا كجمعية حقوقية وإصرار والدتها المكلومة على معاقبة الجناة، أعيد فتح الملف من جديد استئنافيا ليتم اعتقال المجرمين وإدانتهم بأحكام ما بين 10 و20 سنة سجنا نافذة.. هل كان على القضاء أن ينتظر أن تضع خديجة نهاية لحياتها ليكون يقرر العقاب؟ هل إنصاف ضحية بعد تضحيتها بقدسية الحياة يعد إنصافا؟ لا اعتقد ذلك...

 

في قضية خديجة التي أخذت أبعادا دولية، حيث واكبتها وسائل الإعلام الخارجية خاصة القنوات التلفزية في عز الصيف، لمسنا أن التأثير والاهتمام الوطني كان ضعيفا للغاية، استحضرنا قضية خديجة لأنه ببساطة لا يمكننا نسيان الانتهاك والجريمة الفظيعة التي طالت الراحلة والمجتمع ولتذكر مطالب والدتها المرأة القروية البسيطة "أريد حق بنتي حتى ترتاح في قبرها، أريد معاقبة المجرمين ولا أرغب في أي تعويض"، كم هي شهمة أم خديجة، والتي بعد صدور الأحكام بالإدانة أحست براحة ضمير وكأنها تخلصت من وزر ثقيل، عانقتنا، فرحت كأنها حققت أمنية أو مستحيلا، عانقتنا عناقا حارا، شكرت هيئة الدفاع بحرارة، وطلبت منا أن نتنقل كضيوف عندها للرحامنة، قائلة "دابا رجع حق خديجة، ونرجع للدوار راسي مرفوع".

لم نستجب لدعوة والدة خديجة ولكننا قمنا بزيارتها بشكل مفاجئ تفاديا لأي تكلف، وزرنا قبر خديجة في مقبرة الدوار.

 

واليوم حين يتم اغتصاب وقتل الطفل عدنان بتلك الوحشية والبشاعة والغدر، قتل يبين مدى انحدار القيم، وتفشي الظاهرة، وضعف الحماية والأمن والسلامة، وانتشار كل مقومات الاغتصاب والقتل والفتك، فإننا نذكر أن الاغتصاب يطال يوميا طفلات وأطفالا، وضمنهم من يتعرض باستمرار الاستغلال الجنسي كالفئات الهشة وبدون مأوى. وهناك من يتعرض للاغتصاب حتى من الأصول، ولا يتم استثناء حتى الطفلات والأطفال حاملي الإعاقة، لنقول إن قضائنا للأسف يتعامل مع الظاهرة خاصة إذا كانت القاصر تتجاوز 14 بمنطق تقليداني وعقلية تلتمس العذر للجاني ويحمل المسؤولية للفتاة، وللأسف مازال القضاء يلجأ الى مسطرة الزواج التي اعتقدنا أنها راحت مع قضية أمينة الفيلالي.

 

حينما نتذكر فإنما لحشد العزائم وللاستمرار في الترافع والفضح من أجل استئصال ظاهرة البيدوفليا من جذورها، وتحميل مؤسسات الدولة التربوية والتعليمية والإعلامية والاجتماعية والأمنية والقضائية مسؤوليتها في محاربة الظاهرة من جذورها وتحييد أسبابها. وأيضا لجعل مكونات المجتمع تفكر وتناضل وتترافع بشكل جدي وضاغط بعيدا عن لغة الانفعالات والتنفيس المرحلي.

 

لا نريد أن ننسى، ما نطمح إليه هو القضاء على اسباب الظاهرة الذي لا يمكن أن يتحقق إلا بالاحترام الفعلي للمصلحة الفضلى للطفل بكل اشتراطاتها وعناوينها المعروفة وآلياتها ومعاييرها، كما حددتها المنظومة الكونية لحقوق الإنسان.

 

- عمر أربيب، فاعل حقوقي، الجمعية المغربية لحقوق الإنسان