الأحد 29 نوفمبر 2020
فن وثقافة

ذاكرة الوطني سي محمد بوراس من "سفر في زمن المقاومة والنضال" (2)

ذاكرة الوطني سي محمد بوراس من "سفر في زمن المقاومة والنضال" (2) مصطفى المتوكل(يمينا) وسي محمد بوراس الفيجيجي (يسارا)

في هذه الحلقات من سيرة رجل وطني ومقاوم ضد الاستعمار، يقدم الأستاذ مصطفى المتوكل لقراء جريدة "أنفاس بريس" محطات مشرقة من حياة الاتحادي الوطني الكبير سي محمد بوراس الفيجيجي ، الذي كان يحمل الوطن في قلبه منذ أن وشمت ذاكرته بحدث استشهاد جده وإصابة والده والدته في مواجهة المستعر الفرنسي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

وقد انتقل إلى عفو الله ورحمته الوطني والمقاوم وأحد مؤسسي حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الوطني الصادق سي محمد بوراس الفيجيجي بمدينة تارودانت يوم الأحد 23 غشت 2020 ، حيث ووري الثرى بالمقبرة الكبرى بباب الخميس قرب رفيقه في الوطنية والنضال عمر المتوكل الساحلي .

في علاقة بهذا المصاب الجلل تنشر "أنفاس بريس" خلاصة تركيبية لحياة الفقيد انطلاقا من  مذكرات الفقيه الفيكيكي التي تحمل عنوان : "سفر في زمن المقاومة والنضال والمنشورة سنة 2015 "

اعتقال واستنطاق وتعذيب...أعقبه تسليم السلاح في "زمن الفوضى" سنة 1956

 في مذكرات سي محمد بوراس الفجيجي ذكر أنه في 1952، بعد اعتقال أعضاء اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال في سياق التضامن والاحتجاج على اغتيال الزعيم النقابي فرحات حشاد تصادف وجود عبد الرحيم بوعبيد مع المجاهد الحنصالي في زنزانة واحدة، وكان بوعبيد من المدافعين عن الحنصالي ..

تكلف بعقد لقاء مع أحرضان الضابط بالجيش الفرنسي بعد وساطة واتصال قام بها  الخطيب والبكاي وتم ذلك يوم 11 يناير 1955 ،وحضر اللقاء سعيد المنوزي واتفقوا على صيغة/طريقة للتواصل بينهم .. كما تم الاتصال مع أحد الأشخاص بعثه المجاهد عبد الكريم الخطابي المتواجد بمصر، وكان موضوع اللقاء المساعدة في أعمال المقاومة بالريف، وكلف بوراس، عباس المسعدي بالإتصال بمرسول الخطابي،  وتبين لهم أن هذا الشخص له علاقة بالمخابرات الفرنسية ..

وتعددت الاتصالات التي يقوم بها الوطني محمد بوراس في إطار توفير ظروف عمل أكثر قوة ومردودية، مع الالتزام الكبير بقواعد السلامة والحذر. وفي علاقة بكل التحركات كان هناك عمل مواز سياسي ونقابي أعقبه ظهور خلاف وتباين في طرق العمل سجله عبد الله إبراهيم على المحجوب بن الصديق.. وفي هذا قال الشهيد إبراهيم الروداني وفق ما وثقه بوراس في مذكرته (ها حنا غدي نشوفو هاذ المحجوب آش غدي يخرج منو) . اعتبارا للمنافسة بين مجموعتين واحدة تدعم المحجوب والثانية تدعم الطيب بن بوعزة، ولقد طلب محمد بوراس من عبد الله إبراهيم أن يتدخل بقيادة حزب الاستقلال لدعم المقاومة لكنهم اعتذروا، وقال لهم عبد الله إبراهيم من الأفضل أن تعتمدوا على أنفسكم ..

في مارس 1955، وفي كمين نصبه الاستعمار الفرنسي بعد وشاية إسباني كان في علاقة تجارية ببيع شاحنته لأحد أعضاء المقاومة ..فاعتقل المقاوم محمد بوراس لينقل إلى الرباط معصوب العينين وتعرض للتعذيب لانتزاع أسرار الملف وأسماء لها صلة بالمقاومة، وبعد أيام حضر الإسباني الواشي ليحكي بمحضر سي محمد بوراس المعصوب العينين الذي ميزه من صوته تفاصيل عملية الشراء والحوارات التي دارت معه، ليتم نقله إلى معتقل الشرطة بالمعاريف بالبيضاء، وتمكن من تسريب معلومات لخارج السجن لإثارة انتباه القيادة بالبيضاء بواسطة أحد ضباط الشرطة المتعامل مع بعض القياديين حتى يغادروا المنطقة لتجنب اعتقالهم ومنهم بوشعيب الدكالي، وسعيد المنوزي، وعباس المسعدي ..

كان محمد بوراس يعلن لهم أثناء التحقيق أسماء لمتعاملين مع الاستعمار على أنه يتعامل معهم، وبعد اطمئنانه لمغادرة القيادة للدار البيضاء، اعترف لهم بأنه يعمل من أجل استقلال المغرب وعودة السلطان من منفاه، وأن ما يقوم  به هو من جنس ما قام به الفرنسيون ضد الاستعمار الألماني، ونفى أن يكون لحزب الإستقلال أية علاقة بالمقاومة دعما أو توجيها.

 كان الاستنطاق يستمر مع بوراس من الثامنة صباحا إلى منتصف الليل.

وبقي على هذه الحال لأكثر من شهر ونصف، ليتم نقله إلى وارزازات مقيدا للتعرف على رجل نفى معرفته به، رغم ترهيبه وتهديده، لينقل مرة أخرى إلى البيضاء ويحال بعد أشهر من التعذيب على قاضي التحقيق بالمحكمة العسكرية. فطالب بحضور محاميه في التحقيق الذي نصحه بقول ما يعرفه، وكان ذلك اليوم هو أول وآخر يوم حضر فيه ذلك المحامي .

 نقل سي محمد بوراس مساء اليوم الأول للتحقيق إلى سجن القنيطرة وكان تعامل القاضي لبقا وذكيا، لا عنف فيه، فقرأ عليه محضر الشرطة ليقوم بوراس بنفي ما يراه يحتاج للنفي ويسكت عن غيره.

 في أحد أيامه بسجن القنيطرة أطل عليه من نافذة الزنزانة الوطني والمقاوم الشاب عبد الفتاح سباطة الذي كان معتقلا أيضا، والذي صدر في حقه حكم بثلاثين سنة، وكان يكلف بأعمال النظافة بالسجن ولم تكن له سابق علاقة مباشرة معه، وهو من زوده بمصحف بطلب منه، و هو أيضا من قام بنقل المعلومات من المقاومة والوطنيين بالخارج إلى الفيجيجي، ومنه إلى الخارج  كما سرب تقريرا يهم المقاوم بن بوبكر، و المعتقلين الآخرين بنفس السجن يخبرهم فيها بأنه لم يفش أي سر ولم يذكر أسمائهم أثناء التعذيب  بالمعتق، وبعد محاولات تم جمعه معهم في جناح واحد حيث كل واحد محبوس في غرفة، كما سربت خلاصة تقريره إلى كل من الفقيه البصري، ومولاي عبد السلام الجبلي اللذين نقلا من سجن غبيلة إلى نفس السجن بالقنيطرة .

 في سياق التحقيقات، عمل قاضي التحقيق على إجراء مقابلة بين محمد بوراس وكل من الفقيه البصري، ومولاي عبد السلام، وقد وضع فوق رأسه طربوشا ورقيا يحجب وجهه ويمكنه عبر ثقب من رؤية من هم أمامه  حتى لا يتعرف عليه من أجلس أمامهم وسئل عن معرفته بهم فنفى. ليتم بعد ذلك إصدار الأوامر بنقله نحو سجن أغبيلة وذلك ما تم، ليجد بالسجن بعد ذلك كلا من حسن العرايشي ،ومحمد منصور ،وبوشعيب الغندور، وعبد القادر عسو، وكلهم محكوم عليهم بالإعدام ..

لقد نظمت عملية هروب كل من البصري وسباطة ولحسن الصغير كللت بالنجاح، وبعد عودة محمد الخامس من المنفى يوم 16 نونبر 1955، وتشكيل حكومة برئاسة البكاي شرع القضاء في إطلاق سراح المعتقلين تباعا من سجن القنيطرة والبعض بسجن أغبيلة، ولم يفرج عن سي محمد بوراس الذي مازال شبه مستثني من التسهيلات التي تقدم للآخرين، وفي  فبراير 1956، نقل باقي المعتقلين ومنهم سي محمد بوراس إلى "فوريان الدار البيضاء" بعين الشق تحت رقابة حراس السجن ..

اقترح المقاوم الوطني سي محمد بوراس على منصور الهروب من المعتقل، فوافق وأخبر آخرين، وتم إخبار بونعيلات خارج السجن بالعملية ليحضر سيارة لنقلهم لينطلقوا فارين، والالتجاء لدار عائلة الورداني بدرب الشرفاء بالدار البيضاء ليلتحق بهم كل من البصري وحسن الأعرج بالبيت ..

وتزامنت هذه المرحلة مع نداء للملك محمد الخامس يطلب فيه من الناس أن يسلموا الأسلحة إن كانت بحوزتهم ..وفي نفس الوقت كان جيش التحرير المغربي يكمل بناءه وتنظيم قواته المتواجد في مناطق جبلية مختلفة استعدادا لاستكمال معركة التحرير حتى طرد المستعمر و الاستقلال التام، مخافة تراجع المستعمر.

لقد أطلق سي محمد بوراس على هذه المرحلة أي 1956 "زمن الفوضى"، حيث بادر البعض في إطار تنفيذ عشوائي لنداء تسليم السلاح للقيام بنصب نقط تفتيش تسببت في فوضى واضطراب وتعسف طال حتى المقاومين الذين لا يعرفهم هؤلاء وكادت تحصل مشكلة مع سي محمد منصور الذي كان محكوما بالإعدام من الفرنسيين، حيث كان يحمل سلاحا واعترضه البعض ولحسن الحظ تعرف عليه واحد من الحاضرين ونبههم ..

هذه الفترة، اضطر معها العديد من المقاومين إلى تغيير هوياتهم ووثائقهم تحسبا للالتقاء برجال الدرك، ليتم الانتقال إلى وجدة بتنظيم وتنسيق من سعيد بونعيلات، ثم إلى الناظور للالتقاء بموقع تجمع أعضاء جيش التحرير والملتحقين به ووجدوا هناك قيادات منهم، التهامي النعمان، واعمر الحريزي، وسعيد ولد الحاج، وكان المسئول عن هذه المنطقة عباس المسعدي وعبد الله الصنهاجي ..

يتبع