الخميس 29 أكتوبر 2020
اقتصاد

النهري: تعيينات أعضاء الهيئة الوطنية لضبط الكهرباء خيَّم عليها منطق تقسيم الوزيعة

 
النهري: تعيينات أعضاء الهيئة الوطنية لضبط الكهرباء خيَّم عليها منطق تقسيم الوزيعة حميد النهري

ما زالت قضية التعيين في مناصب المسؤولية بالهيئة الوطنية لضبط الكهرباء المحدثة، مؤخرا، تثير المزيد من التعليقات والانتقادات الساخطة، والتي أجمعت على أن التعيين هيمن عليه منطق الغنيمة والريع.

"أنفاس بريس" ناقشت هذا الملف مع حميد النهري، أستاذ ورئيس شعبة القانون العام بكلية الحقوق  بطنجة، من خلال الحوار التالي:

 

+ ما هي قراءتك لتعيينات أعضاء الهيئة الوطنية لضبط الكهرباء المحدثة أخيرا، خصوصا الأعضاء المعينين من طرف البرلمان، أي من رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين؟

- دعني أوضح لك أن اعتماد هذه المنهجية على صعيد التعيينات في مثل هذه المناصب يتم العمل بها منذ دخول دستور 2011 حيز التنفيذ، بمعنى أن المسألة ليست جديدة، ودائما ما كانت تتميز بالمحاباة والزبونية.

لكن الجديد حاليا هو أن واقعة تعيينات أعضاء الهيئة الوطنية لضبط الكهرباء من طرف رئيسي غرفتي البرلمان، تزامنت مع هذه الظروف الصعبة التي تعيشها بلادنا نتيجة تداعيات جائحة كورونا. الشيء الذي جعلها تخلف استياء واستنكارا من طرف أغلبية المغاربة، بل أكثر من ذلك يمكن اعتبارها بحق استفزازا قاسيا للمواطن المغربي. كما أن هذه الواقعة تكرس أكثر منطق الريع الذي أصبح حاضرا بقوة في سياستنا العمومية فمن جهة على صعيد مؤسسات البرلمان بغرفتيه أصبح هذا الريع يعتبر هو القاعدة وما غير ذلك يعتبر استثناء؛ بل إن هذا الواقع يؤدي إلى عرقلة أي مبادرة للإصلاح.. ومن جهة أخرى على صعيد الاحزاب السياسية، نجد نهج المنطق المعتاد، أي المحاباة والولاءات الحزبية الضيقة.. وفي هذه التعيينات يظهر ذلك بجلاء، خصوصا بالنسبة لتعيينات رئيس مجلس المستشارين الذي لم يكفه تكريس لثقافة الريع والانتهازية في مجلس المستشارين، والتي أدت إلى فضائح أصبحت حديث الجميع؛ نجده اليوم بهذه التعيينات يحاول نقل أزماته التنظيمية التي خلقها داخل حزبه عندما كان (للأسف) أمينا عاما  له، والتي ما زالت عالقة، وتقتضي عدة إجابات تفعيلا لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

وعموما فقراءة بسيطة في التعيينات من هذا المستوى، وبهذا الشكل فقد قارب عددها منذ 2012 إلى اليوم الألف 1000 منصب، كما نجد أن أغلبها تم وفق أسلوب تقسيم الوزيعة والمحاباة. ولعل ما يسجل على هذه التعيينات هو غياب مبدأ تكافؤ الفرص والشفافية والكفاءة، وخصوصا مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

وبلغ التهافت على تقسيم الوزيعة إلى حد الجرأة في خلق مؤسسات وهيئات غير موجودة أصلا في الدستور، والتعامل معها بمنهجية المصلحة الخاصة وبمنطق الريع.

 

+ كيف تقرأ مبالغ التعويضات الكبيرة التي خصصت لأعضاء هذه الهيئة المحدثة، وما كلفتها المالية من تأثير في ظل الأزمة؟

- نعم تم الإعلان عن تعويضات أقل ما يقال عنها أنها خيالية؛ ولأننا نعيش في أزمة، ووزير المالية بمرجعيته المتجاوزة للأسف دائما يصرح أننا نعيش ضائقة مالية خانقة تقتضي التخلي عن مجموعة من النفقات العمومية، مع التركيز بالخصوص على التخلي عن تلك التي تهم بعض القطاعات الاجتماعية. وكمثال على ذلك تصريحاته، سواء خلال مناقشة ميزانية 2020 أو من خلال مناقشة قانون المالية التعديلي واستعماله الفيتو على مجموعة من النفقات سواء العمومية أو الجبائية التي تهم قطاعات أصبحت تفرض نفسها كأولوية وكمفتاح للعدالة الاجتماعية.

وعبارته الشهيرة ستة مجاهيل معقدة والمطلوب حلها وتصريحه دائما بعدم وجود التمويل. ومرة أخرى يمكن القول بضرورة تغيير السياسة المعتمدة فهذه التعويضات الخيالية لمثل هذه المؤسسات الفارغة وهذه الأموال هي خير مثال لحل إشكالية التمويل ببلادنا اليوم، وهي التي يجب البحث عنها واستغلالها في تمويل سياستنا العمومية لتجاوز مخلفات جائحة كورونا.

 

+ أليس مثيرا أن تتزامن هذه التعيينات بتعويضاتها السمينة مع من يقف وراءها، مع تصريح لوزير المالية مؤخرا يقول فيه بصعوبة الإصلاحات الخاصة بالمؤسسات العمومية التي كان ينوي مباشرتها وتعثرت بسبب وجود جيوب المقاومة ضد هذه الإصلاحات؟

- تصريح وزير المالية يكرس، كما أقول دائما، مرجعيته المتجاوزة والتي تقوم على تبريرات واهية؛ وهذه المرة لتبرير تعثر إصلاحات المؤسسات العمومية نجده استعمل مفهوم (جيوب المقاومة).. هذا المفهوم كان قد استعمله الوزير الأول الراحل سي عبد الرحمان اليوسفي، كما استعمل ادريس جطو مفهوما آخر هو (أصحاب المصالح)؛ ونفس المفهوم استعمله عباس الفاسي، أما بنكيران فاستعمل مفهومه الشهير (العفاريت والتماسيح).

إذن تبرير تعثر الإصلاحات دائما بما يرتبط بمفاهيم معينة؛ لكن الجديد حاليا هو أن المفهوم جاء على لسان وزير المالية بنشعبون، وليس على لسان رئيس الحكومة. ولذلك أكثر من معنى.. كما تجدر الإشارة أن أي إصلاح لا بد أن تعترضه مقاومة. والواضح اليوم أن هذه المقاومة في بلادنا لم يعد مقبولا إخفاؤها وراء مفهوم ما، لأن الجميع أصبح يعرفها جيدا؛ ويعرف من وراءها ومن يستفيد منها، بل ويعرف اصحابها بالاسم والصفة.

لذلك لكي يكون الإصلاح هادفا ويحقق نتائج إيجابية يجب أن يكون عمليا وتنفذه حكومة قوية سياسيا وتتوفر على مصداقية شعبية لتنفذه وتدافع عنه.

 

+ الملاحظ أن بعض أحزاب المعارضة احتجت على أحداث هذه الهيئة وتعيينات أعضائها وتعويضاتهم، فما هي في نظرك المبادرات العملية لوقف مثل هذه الممارسات؟

- في الحقيقة، أقل ما يمكن أن تقوم به الدولة هو وقف هذا العبث، لأن في هذه الظرفية الصعبة سيؤدي ذلك إلى زيادة منسوب الاحتقان الاجتماعي، وبالتالي يهدد السلم الاجتماعي.. و يجب أن نكون صرحاء؛ المغرب بلاد الجميع وليس بلدا لطبقة اجتماعية محددة على حساب باقي الطبقات. وفيما يخص منهجية مثل هذه التعيينات التي نتحدث عنها فيجب أن نعترف أن مؤسسة الحكومة ومؤسسة البرلمان فشلتا في تفعيل مقتضيات الدستور. لقد حان الوقت لفتح نقاش صريح بين مختلف الفاعلين بهدف ايجاد صيغة أو منهجية أخرى للتعامل مع مثل هذه القضايا أو إرجاع سلطة التعيين في هذا المستوى إلى المؤسسة الملكية.

فمثل هذه الممارسات يمكن اعتبارها اليوم لعبا بالنار والنتائج ستكون في النهاية وخيمة. فجائحة كورونا عرت بالملموس عن: وضعيتنا الاقتصادية حيث وجدنا أنفسنا أمام اقتصاد هش يتميز بانتشار منطق الريع و الهمزة وتوزيع الغنيمة بين فئات معينة؛ وعلى الصعيد الاجتماعي تزايد عدد المواطنين المحسوبين في دائرة الفقر والهشاشة .وعلى صعيد السياسات العمومية نجد أن الدولة جعلت من جائحة كورونا حالة (بين قوسين)، وعادت إلى نفس الممارسات ورمت بأولويات دروس جائحة كورونا عرض الحائط.

إذن منطق الحذر على صعيد سياستنا العمومية يفرض نفسه في هذه الظرفية الصعبة وتجاوز منطق اللعب بالنار واعتماد إصلاحات عملية حقيقية لفائدة الجميع خيارات لا بديل عنها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وذلك قبل فوات الأوان.