الخميس 6 أغسطس 2020
منبر أنفاس

زهير العوري: روتيني اليومي في عالمنا المعاصر

زهير العوري: روتيني اليومي في عالمنا المعاصر زهير العوري

شهد المغرب خلال السنوات الأخيرة العديد من التحولات الثقافية، التي جعلته يظهر بصورة مختلفة، وهذا الامر راجع بطبيعة الحال إلى الحتميات التكنولوجية التي جعلت من المجتمع المغربي مخلتف تماما عما كان عليه في السابق، وذلك بفعل احتكاكه المباشر مع وسائل التكنولوجية الحديثة، التي ساهمت في القلب ذلك البراديغم الثقافي الذي كان يتأسس على ثقافة "حشومة والعار"، والتي كانت بمثابة قانون أخلاقي يستدعي بالضرورة الالتزام بما هو متعارف عليه داخل المجتمع.

 

إلا أنه في الآونة الأخيرة أصبحنا نرى العديد من الفيديوهات التي تحتوي على نساء يعرضن فيه مناطقهن الحساسة بطريقة فرجوية، من أجل جلب انتباه المشاهدين، مع أن هذه الطريقة هي التي أصبحت بإمكانها أن تحصد العديد من المشاهدات اليومية، ويعد هذا النوع من المحتويات أحد أهم الطرق الفعالة في بلوغ الصدارة الأولى من حيث نسبة عدد المشاهدين "TENDANCE"، ولأن الغاية الأساسية ذات طبيعة مادية أصبح الإنسان قادرا على القيام بـأي شيء، في مقابل الحصول على أموال تمكنه من تسيير حياته بشكل طبيعي.. هذا النوع من الفيديوهات التي صارت تحظى بنسبة كبيرة من المتابعين، وهناك من يتفاعل معها بنوع من السخرية والامتعاض، وهناك من يستقبلها بكل أريحية وإعجاب أمام هذا التحول القيمي الذي أصبحنا نلاحظه في السنوات الأخيرة، التي يصعب علينا حصرها بشكل كمي أو كيفي، نظرا لتعدد أشكالها وألوانها الأمر الذي يدفعنا الى التساؤل: أي قيم جديدة لمغرب اليوم؟ خاصة عندما اصبح المواطن المغربي يستمد لغته وقيمه انطلاق من وسائل التكنولوجية الحديثة، والمتمثلة تحديدا في الهواتف الذكية والحواسب الالكترونية، التي جعلت من نفسها الموطن الوحيد الذي لا يمكن للإنسان أن يغادره، وذلك بحكم ما تتيحه هذه الوسائل من إمكانيات في اختراق العديد من الأشياء داخل العالم الواقعي، الذي نعيشه ونسعى الى الهروب منه أحيانا أخرى.. ونتعامل معه على أساس أنه جحيم ينبغي علينا الهروب منه بشكل متعمد، والاكتفاء بالعالم الافتراضي وكأنه هو الملاذ الوحيد الذي لا يمكننا العيش بدونه.. هذا بالإضافة الى لغتنا اليومية التي صارت مشحونة كلها بإيحاءات جنسية، فعلى سبيل المثال عندما أقول لك "عطيها ليا" يتباذر إلى ذهنك أنني أرغب في شيء آخر، ومرد هذا راجع إلى البؤس الجنسي الذي يمكن أن نعتبره كأحد العوامل الخفية التي تحرك هذا المجتمع في المنحى السلبي، دون القيام باي مبادرات تحفيزية يمكنها أن تساهم في بناء مستقبل الأجيال الصاعدة من الناحية التربوية والاخلاقية التي تعد الركن الاساسي الذي من خلاله يمكن للمجتمعات أن تنحو نحو الطريق الصحيح في العديد من المجالات القطاعية، التي نراهن عليها كأحد الأعمدة الأساسية للازدهار الاقتصادي في هذا البلد...

 

كما ينبغي علينا أن نشير كذلك الى أن هناك قصدية متعمدة في تمكين بعض الأشخاص من عرض محتويات كهاته، وذاك من أجل تسليط الضوء على قضايا هامشية، وتفخيم منها وكأنها هي الإشكالية الكبرى التي يعاني منها المغرب، في حين أن "الروتين الحقيقي" هو ما تعيشه المرأة المكافحة داخل القرى والمدن، والتي تتعرض لأبشع انواع الاستغلال من قبل أرباب العمل، ولا أحد استطاع أن يتكلم عن أحوال هؤلاء النسوة اللواتي يبذلن جهودا جبارة ينبغي أن ترفع لهم القبعة، ويحضون باهتمام لازم من قبل الدولة، وذلك من خلال تمكينهم بالعديد من الحقوق التي من شأنها أن ترفع من قيمتهم الاجتماعية داخل المجتمع، من دون أي تمييز أو تقليل من كرامتهم الإنسانية.

 

- زهير العوري، باحث في علم الاجتماع