الاثنين 13 يوليو 2020
كتاب الرأي

حسان البلعاوي: معنى قرار برلمان بلجيكا المنادي بفرض عقوبات على إسرائيل

حسان البلعاوي: معنى قرار برلمان بلجيكا المنادي بفرض عقوبات على إسرائيل حسان فتحي البلعاوي
أقدم البرلمان الفيدرالي البلجيكي، فجر يوم الجمعة 26 حزيران (يونيو) 2020، على مقاربة جديدة للقضية الفلسطينية، باعتماده، بأغلبية مريحة، قراراً قدمته المجموعة البرلمانية لحزب الخضر. وبلا شك، فإن أي قرار برلماني، وخاصة في هذه المرحلة، يُدين الاحتلال ويطالب باتخاد إجراءات؛ هو أمر هام. وردود الفعل الفلسطينية المرحبة بهذا القرار تدل على أهميته، وخاصة في هذا التوقيت. لكن هناك بعض الحيثيات الأخرى، من المفيد الإشارة لها لتكوين فهم أعمق لهذا القرار وما يحمل في طياته في الأفق القريب جدّاً.
يدعو القرار الحكومة البلجيكية حرفيّاً إلى اتخاذ التدابير التالية:
1ـ اتخاذ مبادرات مع دول أخرى على مستوى أوروبي ومستوى متعدد الأطراف من أجل ثني إسرائيل عن القيام بضم أراضٍ فلسطينية أو جزء منها.
2ـ لعب دور قيادي على المستوى الأوروبي والمتعدد الأطراف بهدف وضع قائمة لإجراءات مضادة فعالة تهدف إلى الرد بشكل متناسب مع كل ضم إسرائيلي لأراضٍ فلسطينية محتلة.
3ـ  إذا ثبت أن الوصول لإجماع أمر مستحيل داخل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، فإن المطلوب هو بناء تحالف من عدة دول تتقاسم نفس الأفكار، يقوم بتحضير ردود فعل ممكنة، وبتقديم إجابة متناسبة مع كل ضم إسرائيلي.
4ـ اتخاذ ودعم مبادرات مناسبة في المحافل الدولية ذات الصلة، على وجه الخصوص في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، تؤكد على الإجماع الدولي المتعلق بسيادة القانون الدولي والمعايير المتعلقة بالصراع الفلسطيني- الإسرائيلي.
5ـ مشاورة مجلس النواب وإعلامه بشكل نشيط ومنتظم حول تنفيذ الإجراءات المشار إليها في القرار.
بطبيعة الحال، هناك سلسلة من المسوغات القانونية والسياسية في نص القرار، تشير جميعها إلى القانون الدولي والقرارات الأممية الخاصة بالقضية الفلسطينية، وخاصة تلك المنادية بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وقيام دولته المستقلة ورفض الاستيطان وإدانته، بالإضافة إلى توصيات المجالس الأوروبية المختلفة وبيانات الحكومة البلجيكية، التي تسير جميعها في هذا الاتجاه.
وقد نال القرار موافقة 101 نائب، من  أصل 150 نائباً، عدد أعضاء البرلمان، فيما امتنع عن التصويت 39، ولم يصوت أحد ضد القرار، وغاب عشرة نواب.
 
تشكيل البرلمان الفيدرالي  
يسمى البرلمان الفيدرالي، لأن هناك خمسة برلمانات إقليمية بلجيكية تتبع الخمسة أقاليم التي تتكون منها المملكة البلجيكية، ولكل إقليم حكومة وبرلمان، ويتم انتخاب هذا البرلمان بشكل مباشر من الشعب البلجيكي، حيث يصوت المواطن البلجيكي في نفس الوقت لثلاثة مجالس نيابية: برلمان الإقليم الذي يعيش فيه، والبرلمان الفيدرالي الذي يجمع كل البلجيكيين، والبرلمان الأوروبي.
وآخر انتخابات تشريعية تمت في 26 أيار (مايو) 2019 أفرزت في البرلمان الفيدرالي التوجهات السياسية الرئيسية التالية:
اليمين القومي واليمين المتطرف، ويتوزع على حزبين ممثلين بـ 42 مقعداً.
2ـ اليمين الليبرالي المكون من ثلاثة أحزاب، وهو ممثل بـ 38 عضواً.
3ـ اليسار والخضر المكون من ثلاثة أحزاب، وهو ممثل بـ 52 عضواً.
4ـ تيار مسيحي إنساني وفرانكفوني ممثل بحزبين وله سبعة نواب.
وحتى يعتمد أي قرار، يجب أن يحصل على أغلبية من 76 صوتاً، أو أكثر، وبالتالي، فإن أي قرار يقدمه أي حزب من اليسار أو الخضر يجب أن يحصل على موافقة من نواب من اليمين.
 
الحكومة الفيدرالية البلجيكية 
في التاريخ السياسي البلجيكي، هناك أمثلة عديدة تشير إلى صعوبة تشكيل حكومة فيدرالية، والمثال الأخير هو الحكومة الحالية، حيثت لم تنجح المفاوضات بين مختلف الكتل للوصول إلى تشكيل حكومة تعكس الواقع الجديد لمجلس النواب، بعد الانتخابات التشريعية في أيار (مايو) 2019، والحكومة الحالية هي حكومة تسيير أعمال، وتضم ثلاثة أحزاب من اليمين الليبرالي تمتلك 38 نائباً من أصل 150، لذلك، يطلق عليها “حكومة أقلية”، وهي الحكومة التي كانت موجودة قبل الانتخابات.
مع ذلك، ومع جائحة كورونا، منحت الكتل الرئيسية في البرلمان، من يمين ويسار، “سلطات خاصة” لحكومة الأقلية، وصادقت عليها في البرلمان، وبناءً عليه، أدت رئيسة الحكومة صوفي ويليمس القسم أمام ملك البلجيكيين فيليب (هذا لقبه، وليس ملك بلجيكا)، في بداية الأزمة، لكن حددت الأحزاب السياسية أن “السلطات الخاصة” الممنوحة من الكتل السياسية ستنتهي قريباً في 30 حزيران (يونيو)، إلا اذا تم تمديد هذه المُدّة أو الوصول إلى صيغة جديدة. وتجري حاليّاً مفاوضات مكثفة بين الأحزاب للوصول إلى مخرج.
أمام هذا الوضع الخاص، فإن البرلمان يكتسب قوة إضافية لم تكن موجودة في السابق، لأن النواب الذين يمثلون الأحزاب المشكلة للحكومة، هم أقلية في البرلمان، لذلك، يطلق عليها “حكومة أقلية”.
 
التصويت على القرار الخاص بفلسطين
في ظل هذا الواقع السياسي البلجيكي المتشابك، الذي ليس من السهل الوصول من خلاله إلى حكومة عادية مستقرة، أتت المداولات البرلمانية بشأن فلسطين عبر مشروعي قرارين خاصين بفلسطين: الأول مقدم من الحزب الاشتراكي ويدعو بلجيكا إلى الاعتراف بدولة فلسطين، ومشروع آخر مقدم من حزب الخضر، يدعو إلى وضع “قائمة إجراءات معاكسة”، وهي بمعنى آخر “قائمة عقوبات”، كما وضع موقع الإذاعة والتلفزيون البلجيكي، كعنوان في تناوله للقرار وشرح الجلسة البرلمانية الكاملة التي تم التصويت فيها على القرار.
اعتمد القراران في اجتماعين للجنة العلاقات الخارجية للبرلمان البلجيكي قبل أسابيع قليلة، بعد نقاش مستفيض، وسبقت هذين الاجتماعين جلستا استماع منفصلتان للسفيرين الفلسطيني والإسرائيلي في بلجيكا.
نتائج تصويت الجلسة الكاملة للبرلمان الفيدرالي، فجر يوم الجمعة، أظهرت موافقة 101 نائب، وهو عمليّاً ضعف عدد كتلة اليسار والخضر، البالغ -كما سبقت الإشارة إليه- 52 عضواً، مع امتناع 39 عضواً وعدم وجود أي صوت ضد، وهذا مؤشر ذو دلالة بين حالة الاستياء من السياسة الإسرئيلية في كل الأوساط السياسية البلجيكية قاطبة، بما في ذلك المؤيدة تَقليديّاً لها، وإن بدرجات مختلفة.
كيف تم ذلك؟
أدلى نواب اليسار والخضر، البالغ عددهم 52، يُضاف لهم سبعة نواب من التيار المسيحي الديمقراطي والفرانكفوني، بصوتهم لصالح القرار ليصل العدد إلى 59، لكن ذلك لا يكفي لمرور القرار، فأتت جميع أصوات اليمين الليبرالي البالغ عددها 38 لتصب في صالح القرار، وإذا أجريت حِسبة بسيطة، يصل العدد إلى 97 صوتاً، معنى ذلك أن هناك أعضاء من حزب اليمين القوميNVA  صوتوا لصالح القرار، رغم أن قرار الحزب هو الامتناع وليس التصويت ضد، وهذا ليس غريباً لأن هناك انقساماً داخل هذا الحزب، وهو الأول في البرلمان (بـ 24 عضواً)، وهناك نُوّاب من هذا الحزب وقّعوا على عريضة لأكثر من ألف نائب أوروبي يدينون الاستيطان والضم.
لماذا صوّت اليمين مع اليسار والخضر بشأن فلسطين؟
في كواليس المداولات بين كتلة الخضر وكتل أحزاب اليمين الليبرالي، وقبل تقديم الخضر لقرارهم لاجتماع لجنة العلاقات الخارجية، وافق ممثلو الخضر على رفع كلمة واحدة كانت في فقرة في الأصلي لمشروع والقرار، والفقرة هي: اتخاذ مبادرات مع دول أخرى على مستوى أوروبي ومستوى متعدد الأطراف من أجل ثني إسرائيل عن القيام بضم أراضٍ فلسطينية أو جزء منها.
في النص الأصلي، كانت هناك كلمة اتخاذ مبادرات على مستوى بلجيكا وعلى مستوى دول أخرى، وتم رفع كلمة “بلجيكا على”، من أجل ضمان تصويت اليمين الليبرالي لصالح القرار.
ودائماً في الكواليس، قبل يوم واحد، أي الأربعاء مساءً، قبل انعقاد الجلسة العامة للبرلمان الخميس، التي استمرت حتى فجر الجمعة، طلب مسؤول حكومي رفيع، الاجتماع بممثلين عن الخضر وطلب منهم رفع فقرة من نص القرار في المسوغات تشير إلى ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، واتخاذ عقوبات من قبل الاتحاد الأوروبي ضد روسيا في مجالات عديدة وتطالب باتخاذ مقاربة مشابهة تجاه الضم الإسرائيلي، إذ كان هناك رفض قاطع من هذا المسؤول لهذه الفقرة، وطلب حذفها، وإلا، فلن تصوت أحزاب اليمين الليبرالي، وبالتالي، لن يمر القرار. وأمام هذا الموقف، وافق الخضر على رفع هذه الفقرة، ليس فقط لإنجاح القرار وحصوله على أغلبية مريحة، وتحديداً من نواب اليمين الفيدرالي الذين يشكلون الحكومة، ولكن لرفع حظوظ هذا القرار من البرلمان، وهو في نهاية المطاف، توصية غير ملزمة بالتنفيذ بالنسبة للحكومة، في تنفيذه من الحكومة وفي أسرع وقت، وخاصة قبل تاريخ 30 حزيران، تاريخ انتهاء “السلطات الخاصة” الممنوحة للحكومة، وقبل تاريخ 1 تموز (يوليو)، التاريخ المعلن لتنفيذ خطة الضم الإسرائيلية.
 
ما معنى ذلك؟
بإصرار المسؤول الحكومي، رفعت الفقرة المتعلقة بروسيا وجزر القرم، فالحكومة البلجيكية تريد أن تقلل من حدة المواجهة السياسية والدبلوماسية القادمة مع إسرائيل ولوبي الضغط الداخلي في بلجيكا المرتبط بها، وتقدم الحكومة البلجيكية على اتخاذ خطوات في تطبيق قرار البرلمان، الذي تم عمليّاً التفاوض بشأنه معها مباشرة، وقد اختارت أن يتم العمل على المستوى الأوروبي، أو مستوى أوروبي، مع دول تتقاسم نفس الأفكار، وليس على مستوى ثنائي بلجيكي، وهذا ينسجم تماماً مع تحرك الدبلوماسية البلجيكية في إطار تحرك قادة دول الاتحاد الأوروبي في مواجهة قرار الضم.
وإذا أقدمت الحكومة البلجيكية على تبني القرار ومحاولة تطبيقه على مستوى أوروبي، فإنها ستسجل لنفسها علامة على المستوى الأوروبي والدولي.
 
الاعتراف بدولة فلسطين
كان من المقرر مناقشة مشروع قرار مقدم من الحزب الاشتراكي، وتم اعتماده من قبل لجنة العلاقات الخارجية، يدعو إلى اعتراف بلجيكا بدولة فلسطين، ولكن تم سحبه بناء على طلب من  رئيس المجموعة الاشتراكية في بداية جلسة البرلمان، لإحالته من جديد إلى لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان، حيث تقدم حزبMR ، من اليمين الليبرالي، المشارك لحكومة الفيدرالية البلجيكية، وقبل ساعة من بدء الجلسة، باقتراحات تعديل للوصول إلى توافق يقود لحصول هذا المشروع على أغلبية مريحة، قد تقود الحكومة البلجيكية إلى اعتماد هذا القرار.
وقد اضطر الحزب الاشتراكي إلى قبول نقاش هذه المقترحات لاحقاً، وإلا، فإن مصير قراره سيكون الرفض، طبقاً لتمثيل القوى السياسية في البرلمان.
مع العلم أنه كان من الأجدر تقديم طلب التعديلات خلال انعقاد اجتماعات لجنة العلاقات الخارجية، لكن لماذا تم تقديم الطلب قبل ساعة واحدة من بداية الجلسة؟
أحد التفسيرات أن اليمين الليبرالي، أي الحكومة الحالية، معني بالوصول لصيغة مع الحزب الاشتراكي بشأن الاعتراف بدولة فلسطين، ولكن الأسبوع المقبل كما تم الإعلان عنه، أي بعد مرور تاريخ 1 يوليو (تموز)، التاريخ المعلن لبدء إجراءات الضم، الذي -إن تم- سيشكل بداية مقاربة جديدة بلجيكية وأوروبية للقضية الفلسطينية، وملخص هذه المقاربة بداية انتهاء “حصانة” إسرائيل على كافة المستويات.
 
- تنشره "أنفاس بريس" بترخيص من الكاتب الفلسطيني حسان فتحي البلعاوي