الثلاثاء 29 سبتمبر 2020
فن وثقافة

العسبي: كيف ومتى دخل الطب الحديث إلى المغرب؟ مستشفيات فرنسية، إسبانية، إنجليزية وإيطالية بطنجة وتطوان منذ 1893 (الحلقة 14)

العسبي: كيف ومتى دخل الطب الحديث إلى المغرب؟ مستشفيات فرنسية، إسبانية، إنجليزية وإيطالية بطنجة وتطوان منذ 1893 (الحلقة 14) المستشفى الفرنسي بطنجة الذي بني سنة 1883 (وفي الإطار لحسن العسبي)

قصة دخول الطب الحديث، مؤسساتيا، إلى مدن الشمال المغربي هي ذات خصوصية مختلفة عن قصة دخوله إلى المنطقة التي احتلتها فرنسا من الأراضي المغربية (وهي قصة ذات شجون أيضا). ذلك أن كبريات المدن هناك، المتمثلة في مدينتي طنجة وتطوان، قد كانتا تابعتين لسلطتين محتلتين مختلفتين. فتطوان كانت عاصمة المنطقة التي احتلتها إسبانيا (سميت المنطقة الخليفية بسبب تعيين خليفة للسلطان بها، يكون أميرا من أبناء عمومته)، فيما كانت طنجة مدينة دولية تقع تحت سلطة تجمع إداري وجمركي وأمني دولي، وبها نائب للسلطان يعين من قبله. بالتالي، فإن قصة دخول الطب الحديث إليهما ذات خصوصية متميزة، تجعل أمر الحسم في الجغرافية الأولى التي ظهرت فيها أول المؤسسات الطبية الحديثة بالمغرب، موضع جدال واختلاف، بين المناطق التي احتلتها فرنسا والمناطق التي احتلتها إسبانيا وبين المنطقة الدولية لطنجة. ولعل الحسم في ذلك، يعود إلى طبيعة الأدوار الخدماتية الطبية لتلك المؤسسات التي أنشئت هنا أو هناك، وهل كانت خدماتها عمومية أم خاصة، أي هل كانت خدماتها مقدمة لكل الساكنة بمحيطها الجغرافي، من مغاربة وأجانب، أم إنها كانت مخصوصة لجنسية دون أخرى.

طنجة.. أول المستشفيات الأوروبية الحديثة بالمغرب

 

الحقيقة، إنه لا يمكن الحسم في ذلك السؤال، من باب الإنصاف للواقعة التاريخية، من دون تحديد أولي للخلفية التاريخية التي حكمت كل تجربة على حدة. وملف مدينة طنجة استثنائي في تاريخ المغرب منذ أقدم العصور، لأنها أول تماس احتكاك لنا كأمة وبلد وحضارة مع الآخر، في الضفة الشمالية للمتوسط بالقارة الأوروبية (حتى نصيبنا من الأسطورة الإغريقية يوجد هناك). وطيلة القرنين 18 و19 كانت طنجة بوابة الديبلوماسية المغربية مع العالم، فيها يقيم السفراء، وبها تبنى السفارات، وهناك يتم التفاوض بين نائب السلطان (بمثابة وزير خارجية للمغرب) مع كل ممثليات الدول الأجنبية. لهذا السبب ظلت تلك الجغرافية المغربية، مجال التجريب الدائم لأشكال التفاعل والتعاون والتعامل والحذر العالي مع تلك القوى الأجنبية، وبعدها تأتي موانئ مدن مغربية أخرى كثيرة (مثل العرائش، المهدية، الرباط، الجديدة، آسفي، الصويرة، أكادير، سيدي إفني، بوجدور). ومنذ أواسط القرن 19، ستظهر بها العديد من المؤسسات الخدماتية الأجنبية، وسيتم بها أيضا تجريب العديد من محاولات التغيير الفلاحي والتجاري والقانوني والجمركي مع المغرب.

 

بالتالي، فإنه من داخل هذه الخصوصية التاريخية والاستراتيجية لطنجة، ستظهر بها مؤسسات خدماتية طبية حديثة، ظلت تنسب لتلك الممثليات الديبلوماسية الأجنبية، من خلال اتفاقيات مع السلطان بعاصمة الدولة المغربية بفاس. وهي المؤسسات التي ظلت مؤطرة بتقديم خدمات صحية لكل الأجانب المقيمين أو العابرين أو الزائرين لطنجة، دون أن تحقق الانفتاح على الساكنة المحلية لأسباب دينية محضة، مرتبطة بصرامة مواجهة الدولة المغربية لحركات التبشير المسيحية. خاصة وأن أغلب تلك المؤسسات الطبية، قد أنجزت من خلال إطارات تدبيرية وتأطيرية مسيحية دينية.

 

لهذا السبب نجد في طنجة تواجدا لأربع مؤسسات طبية أجنبية حديثة: فرنسية، إنجليزية، إسبانية وإيطالية (مع تجربة خاصة لمستشفى مغربي يهودي خاص باليهود المغاربة)، في المسافة الزمنية بين 1893 و1928. وبالإنصاف التاريخي، فإن من بين أقدمها "المستشفى الفرنسي"، ثم مؤسسة مختبر باستور – طنجة الفرنسية أيضا. ولعل المثير في قصة تلك المؤسستين الطبيتين الفرنسيتين، أنهما معا قد ولدتا بسبب جرائم قتل ذهب ضحيتها مواطنان فرنسيان. وقصة ميلاد معهد باستور بعاصمة البوغاز سبق وفصلنا فيها القول من قبل، والآن سنخصص القول لقصة ميلاد "مستشفى فرنسا" بطنجة.

 

شاء القدر العاثر، أن يقتل أمير مغربي، مقيم بطنجة، صيدليا فرنسيا مقيما بالمدينة اسمه "بول راي"، سنة 1867 ميلادية. فتدخل سفير فرنسا بالمغرب لدى السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمان (محمد الرابع العلوي)، طالبا تعويضا رسميا من الدولة المغربية، يتمثل في أمرين: أولا إعدام القاتل، وثانيا منح فرنسا بناية بطنجة لتقيم بها مؤسسة طبية تابعة لها. بعد مفاوضات امتدت لأسابيع، تمت الاستجابة للطلبين معا، حيث تم فعلا تنفيذ حكم الإعدام في القاتل رغم قرابته العائلية مع السلطان، وتم منح فرنسا بناية صغيرة بزنقة الواد بحي دار البارود بطنجة لإقامة مؤسسة طبية فرنسية بها، وأن تمويلها دوريا كل 4 أشهر يتم من ميزانية خزينة الدولة المغربية (حددت القيمة المالية في ألف فرنك فرنسي قديم). فولدت أول مؤسسة طبية أجنبية أوربية فوق التراب المغربي تابعة لوزارة خارجية فرنسا، عين فيها طبيب متقاعد منتم إلى المصالح الطبية الكاثوليكية للصليب الأحمر الفرنسي، عوضه فيه بعد وفاته بالمغرب، طبيب إنجليزي اسمه ميغريس (كان تابعا للمؤسسة الأمريكية "أمريكان بيرديكاريس")، وبعده عين طبيب روسي يتقن اللغة الفرنسية اسمه سبيفاكوف. ومما تؤكد عليه وثيقة هامة للطبيب الفرنسي جورج ديكروب، الذي عمل لسنوات بذات المستشفى، أن مصالح وزارة خارجية فرنسا، ستتقدم إلى السلطان المغربي مولاي الحسن الأول سنة 1892، بطلب نقل تلك المؤسسة الطبية الفرنسية من ذلك البيت الصغير بحي دار البارود، إلى مجال أوسع، بسبب الضغط الذي أصبحت تعانيه أمام العدد الكبير ممن يطلبون خدماته الاستشفائية من الأوروبيين المقيمين بالمدينة. فتمت الاستجابة لذلك الطلب سنة بعد ذلك، حيث شرع في بناء مؤسسة استشفائية جديدة فوق قطعة أرضية من أملاك المخزن بمنطقة مرشان، في منطقة استراتيجية تطل على المضيق الممتد بمائه الأزرق الصافي. وهو المستشفى (اليوم يحمل اسم مستشفى القرطبي)، الذي سيعيش أزهى فترات عطائه الطبي مع مديره الجديد الدكتور فوماي ما بين 1898 و1932، مسنودا بخدمات زميله الدكتور كابانيي، قبل أن يعين هذا الأخير مديرا لمستوصف فرنسي جديد افتتح بطنجة سنة 1901، قرب السوق الكبير بالمدينة القديمة (الذي سيحمل في ما بعد اسم الطبيب الفرنسي الذي توفي بطنجة بسبب إصابته بعدوى الملاريا، الدكتور كو، سنة 1922).

 

كان مستشفى فرنسا بمرشان يضم في بداية العشرينات 75 سريرا طبيا، وقسما للجراحة، وقسما للراديولوجي، وجناحا صغيرا خصص للمرضى المغاربة المسلمين، ابتداء من سنة 1911.

 

لابد من التذكير هنا، على أن السلطان مولاي الحسن الأول سيقرر السماح بإنشاء "مجلس صحي" بطنجة سنة 1874، سنة واحدة بعد توليه الحكم، وفوض تدبيره للأجانب تحت إشراف مباشر من نائبه بالمدينة. بل سيصدر ظهيرا سلطانيا جديدا منظما له سنة 1879، ومنح ذلك المجلس صفة دولية ابتداء سنة 1892. مما سهل عملية تأسيس العديد من المصالح الطبية الأجنبية، التي كان من أقدمها قبل المستشفى الفرنسي، بناية المستشفى الإنجليزي (هوب هاوس)، التي أنشأت سنة 1880 ميلادية من قبل قساوسة إنجليز من مجموعة "الأخوة المسيحية"، والذي كان يديره في بداية القرن العشرين، الدكتور جورج أندرسون والدكتور هوتشينسون دونلوب. ثم المستشفى الإسباني في بنايته الأولى (1915، قبل أن يعاد بناؤه بمنطقة قريبة من مرشان سنة 1941 لا يزال بها إلى اليوم) وبعدهم المستشفى الإيطالي (1928). مع تجربة خاصة لمستشفى للمغاربة اليهود أنشأ سنة 1900، اسمه "مستشفى بنشيمول" (تمت إزالته نهائيا بالجرافات سنة 2010)، وقد كان يديره حينها الدكتور موشي ماني، يساعده الدكتور ألبرت كلاين، فيما بناية مستوصف صغير تابع للمستشفى اليهودي كان يديره الطبيب صامويل ماركيز.

 

تطوان.. قصة حزينة للطب الحديث

رغم ضآلة الإمكانيات المادية للاستعمار الإسباني، مقارنة بحال الاستعمار الفرنسي، والذي انعكس على مستوى ما أنجزه من بنى تحتية بشمال المغرب (طرق وقناطر وموانئ... إلخ)، فإن من المجالات التي بذل فيها مجهود حقيقي ملموس، مجال خلق مؤسسات للطب الحديث. وكان فضاء التنفيذ هو مدينة تطوان بدرجة كبيرة. والسبب في الاقتصار عليها دون غيرها من مدن الشمال، يعود لعوامل تاريخية معروفة في مقدمتها حرب الريف للبطل محمد بن عبد الكريم الخطابي ما بين 1918 و 1926 (الذي أنجز مؤسسات طبية جنينية بالحسيمة والناظور وأجدير)، ثم بعدها الحرب الأهلية الإسبانية ما بين 1936 و1939.

 

بالتالي، فإن ما تجود به بعض المصادر الإسبانية من معلومات، يفيد على أن أول مؤسسة طبية حديثة أنشأت بمدينة تطوان كانت سنة 1893، حين أوصت سيدة إسبانية من عائلة غنية (ومن أوساط دينية كنسية محافظة)، اسمها "النبيلة آديلا بلباو غوميز"، بتحبيس قطعة أرض كانت في ملكية عائلتها منذ حرب تطوان سنة 1860، لبناء مؤسسة طبية مجانية بعد وفاتها سنة 1890. ولقد أشرف الوصي على تلك الوصية المكتوبة، السيد إدواردو ديلكاستيو بينيرو، على إنشاء أول مؤسسة طبية حديثة بتطوان أطلق عليها إسم "مستشفى سان خوصي والقديسة آديلا" بزنقة الملكة فيكتوريا. وهي المؤسسة التي ظلت تقدم خدمات طبية (خاصة في مجال الأمراض الصدرية) للأجانب الأوروبيين المقيمين بتطوان، وتتلقى الأدوية والدعم الطبي من سبتة المحتلة، إلى حدود سنة 1913، حين قررت الإقامة العامة الإسبانية تأميمها وجعلها مؤسسة طبية رسمية تقدم خدمات للجميع مغاربة وأجانب (ستلعب دورا محوريا في معالجة وإسعاف ضحايا العسكر الإسباني أثناء مواجهتهم للهجومات الفعالة والقوية للبطل محمد بن عبد الكريم الخطابي وشقيقه امحمد الخطابي).

 

سيقع تطوير مهم وكبير جدا لذلك المستشفى سنة 1928، حين سيتم تحويله إلى مستشفى عسكري مربع الشكل، بأربع بنايات ضخمة من أربعة طوابق لكل واحدة منها، وبطاقة سريرية غير مسبوقة في كامل المغرب، تتجاوز 750 سريرا. والذي سيعرف باسم "المستشفى العسكري غوميز أولا"، تضمن أيضا مدرسة للتكوين في الطب العسكري وفي التمريض. مثلما تم إنشاء مستوصف بعده ب "باب التوت" (عرف بـ "ديسبنساريو" عند التطوانيين) مهمته تقديم الدواء بالمجان للمرضى الحاملين لوصفات طبية مسلمة من أطباء ذلك المستشفى العسكري. قبل أن يتم إنشاء مستشفى مدني بسانية الرمل في بداية الثلاثينات وبعده مستشفى صغير للعلاجات الأولية بمنطقة بن قريش.

 

لكن للأسف لم تتم المحافظة على هذا الإرث الطبي في تطوان والشمال، حيث تركت تلك البناية الضخمة للمستشفى العسكري للتلف والخراب، تماما مثلما حدث لمستشفى بن صميم قرب إيفران الخاص بالأمراض الصدرية (الذي بنته الحماية الفرنسية). وهذا موضوع آخر على كل حال، أظهرت جائحة كورونا اليوم فداحة تلك القرارات والاختيارات غير المسؤولة في زمن الاستقلال وكم أضعنا فيها من فرص للتطبيب نادرة.

 

(في الحلقة القادمة تقرؤون: "ميلاد 3 مستشفيات عسكرية ومدنية بفاس دفعة واحدة بين 1911 و1912")