الخميس 16 يوليو 2020
مجتمع

منعم وحتي: حزب الطليعة.. إلغاء أضحية العيد.. السند الديني والعقلاني

منعم وحتي: حزب الطليعة.. إلغاء أضحية العيد.. السند الديني والعقلاني منعم وحتي يناقش أضحية العيد في زمن كورونا

إن البحث في الأصول التاريخية للأضاحي، تكشف أنها كانت سابقة لظهور الإسلام، وبالغوص في تاريخ الأديان، يتضح أن الديانات الكتابية حتى قبل الإسلام، كانت معروفة أيضا بذبح الأضاحي، تقربا من الله، ويشير الكتاب المقدس عند المسيحيين أن أسرة مريم العذراء قدّمت حمامتين كأضحية عند ميلاد المسيح، كما يعتبر نحر الأضاحي عادة معمولا بها عند المسيحيين الأرمن والأرثودكس، ذات الشيء بالنسبة للديانة اليهودية والتي عرفت أيضا بذبح الأضاحي من أجل المغفرة والثوبة لله، ويمكن أن تكون بكل أنواع الماشية، لكن اكتمال الطقوس الدينية اليهودية القديمة تكون بذبح بقرة حمراء.. وهو نفس مسار الديانات والحضارات القديمة الأخرى، حيث كانت الأضاحي ركنا أساسيا في طقوسها من هندوسية وحضارات الأزتيك والأنكا والقرطاجيين والفراعنة والصينيين، وحتى عند العرب الوثنيين..

 

إن العودة لتأصيل الحكمة من الأضحية، عند المسلمين، كافتداء للنبي إبراهيم الخليل ذبح ابنه اسماعيل، تجد معناها في الآية 37 من سورة الحج: (لَن يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقوَى مِنكُم كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُم لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُم وَبَشِّرِ المُحسِنِينَ)، فالحكمة الخالصة من عيد الأضحى ليست الأضحية في حد ذاتها ولا لحمها ولا دماؤها، ولا هوس الطقوس الدموية ولا اكتناز اللحم ونهم افتراسه، بقدر ما أن كنه هذا الطقس هو التذكر والتفكر في قيم الافتداء، وعمق احترام البشر، وحب بناتنا وأولادنا والتآزر الاجتماعي، ونوع أيضا من الفرح الإنساني بالعيد.. إذن فالحكمة الإنسانية من يوم العيد تتجاوز طقس النحر ذاته، والتهافت على لحم الذبيحة..

 

وعودة للنقاش الدائر حول مقترح حزب الطليعة، لإلغاء أضحية العيد بسبب تضرر البلاد والعباد، من وباء كورونا، نعود أولا لنقاش عقلاني لتعاطي علماء الدين مع إكراه عدم مقدرة الناس على تحمل الأعباء المادية للأضحية، فقد أجمع العلماء على أنه ليس هناك ما يدل على وجوبها، والقول بالوجوب قول ضعيف، وحتى من قالوا بالوجوب اشترطوا ضرورة الغنى.. وسواء سلمنا بأن الأضحية واجبة أو مستحبة، إلا أن رجاحة العقل وإجماع العلماء أكدوا على أنه لا يجب الاستدانة من أجل شراء الأضحية، لأنها ليست واجبة على غير الغني باتفاق العلماء. وحتى ابن تيمية الذي عرف بتشدده، جعل الأمر مخففا وبدون إجبار، حين رفض وقيد مسألة استدانة الناس من أجل أضحية العيد حين قال: "إن كان له وفاء فاستدان ما يضحي به فحسن، ولا يجب عليه أن يفعل ذلك"، يقصد أن السلفات لاقتناء الخروف غير مقبولة ولا يجب الإقدام عليها، خصوصا في هاته الظروف الوبائية العصيبة، التي جعلت أكثر من 5 ملايين أسرة بدون مدخول، وتنتظر دعم الدولة لتستمر في عيشها ولكي تبقى على قيد الحياة، زيادة على أن أزيد من 120 ألف أجير فقدوا عملهم، وانهارت عائلات بأكملها، فكيف يستفيق البعض الآن ضد الشرائع الدينية والإنسانية للتنصب ضد رحمة الدين وتسامحه ومقاصده، لدفع الناس لإجبارية اقتناء خروف العيد ضدا على مقدرتهم وانهيار القدرة الشرائية بشكل مهول.. إنه هراء واستمرار بالمتاجرة بدين المغاربة، وهو يذكرنا بفتاوي بعض الفقهاء الجهلة حين حاولوا فرض فتح المساجد بالقوة مع ذروة اجتياح الوباء لبلادنا.. إنها نفس النعرات المريضة تحاول مرة أخرى فرض أمور لا عقلانية ولا منطقية خارج إرادة وقدرة الأسر المغربية.

 

إذن فموقف حزب الطليعة بإلغاء طقس نحر الأضحية هاته السنة، له سنده الديني والاجتماعي والاقتصادي والإنساني، فنعم لفرحة العيد وإقامة مأدبة بديلة يوم العيد، ولتعم الاحتفالية بتآزرنا لنخرج جميعا من فترة الحجر، بدون أن نحمل المغاربة ما لا طاقة لهم به.. وزيادة في تدقيق مقترح حزب الطليعة، فلما لا يساهم التجار الكبار من رأسماليي ولوبيات قطعان الأغنام في مد الأزقة والحواري بأضحيات العيد، ليكون الاحتفال جماعيا، ولتتحقق الحكمة والمغزى لمفهوم الافتداء والتآزر بين الأسر.. وأيضا بدل خرجات وزير الفلاحة غير الموفقة بزيادة قهر الناس بتبرير فرض اقتنائهم للخرفان، فليضع خطة لتخفيف الضرر عن صغار الكسابة بالبوادي، باقتناء مواشيهم المعدودة على رؤوس الأصابع، ومساعدتهم لكي لا يتضرروا من هاته الأزمة المركبة للوباء والجفاف، فمُعْوِزُو البلد والكسابة الصغار في كفة واحدة، والحل عند لوبيات رأسمال شناقة المواشي، وليس في الجيوب المثقوبة للأسر المغربية.