الجمعة 29 مايو 2020
سياسة

محمد سالم ولد الدخيل يوضح ملابسات تأسيس البوليساريو ويفند روايتها الرسمية

محمد سالم ولد الدخيل يوضح ملابسات تأسيس البوليساريو ويفند روايتها الرسمية الصورة تبرز وجوها وأسماء غالبية أعضاء الخلية التأسيسية الأولى للبوليساريو، ويظهر فيها محمد سالم ولد الدخيل (الثاني من جهة اليمين أسفل الصورة)، شقيه البشير الدخيل، مهمد زيو، أحمد القايد صالح، وبراهيم غالي..
بعد مرور قرابة النصف قرن من الزمن على الأحداث المتناولة، وفي الذكرى الـ 47 لتأسيس البوليساريو، شاهد عيان آخر ينضم للشخصيات المحلية الوازنة التي أدلت بدلوها ليتناول إحدى المراحل التي تحظى بخصوصية وأهمية بالغة بالنسبة لتاريخ المنطقة.
الإرهاصات التي سبقت تأسيس الجبهة بداية سبعينيات القرن الماضي والسياقات المحيطة بها، إلى جانب تفاصيل مؤتمراتها العامة وأهم مخرجاتها، الاتصالات والتدخلات التي عكفت عليها دول المنطقة، والصراعات الداخلية التي كادت تعصف بالبوليساريو..، أحداث في غاية الأهمية، ساهمت بشكل مباشرة في صياغة التطورات اللاحقة طوال عقود من الزمن.
بلغة بسيطة وأسلوب عفوي وشيق، يحكي محمد سالم ولد عبد الله ولد الدخيل، شهادته باعتباره أحد العناصر المؤسسة للبوليساريو، الذين عايشوا كافة الإرهاصات التي سبقت ذلك الحدث المحوري في التاريخ المعاصر لإقليم الصحراء.
لم يكن ولد الدخيل فقط أحد الـ 23 مشارك في مؤتمر الجبهة التأسيسي 1973، بل كان أحد أعضاء الخلية الضيقة التي شكلت النواة التأسيسية الأولى للجبهة، والمتكونة من 11 عنصرا جميعهم ينتمون للاقليم (المستعمرة الاسبانية)، بينهم قيادات في حراك الزملة 1970 تم نفيهم من طرف السلطات الاستعمارية الاسبانية بعيد إطلاق سراحهم إلى موريتانيا، في حين لحقت بهم بقية العناصر قبل عدة أشهر من تاريخ انعقاد المؤتمر التأسيسي للجبهة بمدينة الزويرات الموريتانية.
فبحسب شهادة ولد الدخيل لم يكن من بين عناصر الخلية الأولى إي عنصر ينتمي لطانطان بجنوب المغرب، أو لبقية أماكن تواجدات الصحراويين الأخرى، حيث عكفت خلية التأسيس الأولى على التحضير لوثائق المؤتمر التأسيسي قبل انطلاقتها من مدينة العيون، كما ربطوا الاتصال بالسلطات الموريتانية مباشرة بعد وصولهم إلى موريتانيا، وهيأوا كافة الإجراءات اللوجستيكية، قبل التحاق العناصر الأخرى المنتمية لمناطق خارج الإقليم خاصة من طانطان وتيندوف بداية شهر أبريل من نفس السنة.
ما يضفي المزيد من المصداقية على شهادة ولد الدخيل المسجلة، والتي راجت عبر تطبيقات الاتصال مؤخرا هو أن الرجل لم يسبق له الادلاء بأي تصريح او موقف سياسي منذ مغادرته لمخيمات اللاجئين بتيندوف، وانقطاع صلته بالبوليساريو، بعد عودته لموطنه قبل حوالي ثلاثة عقود الآن (تحديدا 1992).
مصداقية الشهادة تعززها استقلالية الرجل وعدم ارتهانه للمواقف الرسمية، إلى جانب تاريخه النضالي الهام، فضلا عن كونه شاهد عيان عايش كل تفاصيل مرحلة التأسيس، رغم ما طاله من تهميش لاحقا، كاد يصل إلى درجة التجريم من طرف رفاقه وزملائه السابقين بقيادة الجبهة، حتى انتهى به المطاف على الهامش مجردا من أي مهام أو مسؤوليات نهاية ثمانيات القرن الماضي، بعد أن كان مسؤولا على أولى الخلايا التأطيرية بالجبهة ومحافظا سياسيا فيها وعضوا في مكتبها السياسي بداية التأسيس.
في حقيقة الأمر لم يكن الدافع لظهور شخصية بحجم محمد سالم الدخيل بحمولته الرمزية وتاريخه النضالي، عبر تسجيلات تؤرخ لمرحلة حساسة من تاريخ الصحراويين، سوى ردا على القيادي في البوليساريو محمد لمين أحمد، الذي ظهر بدوره قبل مؤخرا على شاشة تلفزيون الجبهة الرسمي لتناول مرحلة مهمة من تاريخها في ذكرى تأسيسها 47، حيث اضطر (ولد أحمد) لأول مرة للحديث عن تفاصيل كانت في عداد التابوهات بالنسبة للبوليساريو في ما مضى من قبيل تزعمه للمحاولة الانقلابية التي نفذتها اللجنة التنفيذية سنة 1974، والتي وصفها محمد لمين بـ"التنازل الطوعي للولي مصطفى السيد عن قيادة الحركة"، إلى جانب حيثيات أخرى كـ"محاولة اغتيال الولي" المزعومة، التي حاول ولد أحمد توظيفها لتبرير الاعتقالات الواسعة التي استهدفت العناصر المنحدرة من التقليم بسبب وقوفهم ضد الانقلاب من خلال اللجنة العسكرية، لكنه وفي سياق تبريراته تلك ذكر شخصيات وازنة من بينها "عائدون" كانت أدبيات البوليساريو تتحاشى الاتيان على ذكرهم، فيما تعمد تجاهل عديد الشخصيات المحورية الأخرى المساهمة في تلك الأحداث.
طبعا تناول ولد أحمد لهذا حيثيات لم يكن من قبيل الصدفة، وإنما جاء كرد فعل على الرواج الكبير لشهادات تاريخية هامة سجلها عديد القيادت السابقة بالبوليساريو مؤخرا، ضمن الحراك الذي دشنه "ضحايا الرشيد" (ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتكبة من طرف البوليساريو)، حيث كشفت بعض القيادات من "العائدين" النقاب عن تفاصيل عديد الأحداث الخطيرة، في مقدمتهم شقيق المتحدث محمد سالم، البشير ولد الدخيل الذي كان يرأس اللجنة العسكرية إبان المحاولة الانقلابية التي نفذتها اللجنة التنفيذية بقيادة محمد لمين ولد أحمد، وأحمد ولد خر الذي كان يشغل منصب نائب رئيس اللجنة العسكرية إبان الانقلاب، الى جانب نور الدين البلال الذي كان يشغل عضوية المكتب السياسي ويرأس في نفس الفترة مكتب الجبهة بتدوف...والعديد من الشخصيات الأخرى الذين تناولوا جميعهم الصراعات الداخلية في ما بين قيادات البوليساريو، والتمردات والتصفيات التي دشنتها إحدى الأجنحة في حق الأخرى، الى جانب التدخلات الخارجية، والعوامل القبلية والمناطقية المتحكمة فيها.
لكن الأهم من بين النقاط التي تمت إثارتها في تلك الشهادات، سياقات دخول الجزائر على خط الصراع الداخلي بالبوليساريو، من خلال استقطابها لعناصر معينة على أسس قبلية وجهوية مرتبطة بمنطقة تيندوف، عن طريق الاستدعاءات الرسمية التي وجهها مكتب الجيش الجزائري أول الأمر لهم بحجة أنهم ذوو أصول جزائرية، قبل ان يتم توظيف ذات العناصر لأحكام السيطرة على البوليساريو وترجيح كفة جناح معين بقيادة البوليساريو، ليترجم صراع الأجنحة الداخلي مبكرا في شكل عمليات استهداف واسعة لمكونات اجتماعية معينة على عدة مراحل، أفضى في نهاية سنوات ثمانينيات القرن الماضي الى انهيار منظومة الجبهة الأمنية و خروج الأمور عن السيطرة خلال أحداث 1988 التي قلبت الجبهة رأسا على عقب.
فبعكس ما يراه محمد لمين ولد أحمد من أن ظهور البوليساريو كقوة جديدة على الساحة الصحراوية كان مرتبطا بالحركة الجنينة التي أسسها سنة 1972 مجموعة من الطلبة الصحراويين الدارسين بالجامعات المغربية، والمنحدرين من مدينة طانطان، الى جانب سياقات قومية وعروبية تعود الى بداية ستينيات القرن الماضي...، فإن محمد سالم ولد الدخيل ينفي كل السياقات التاريخية والفكرية التي وظفها ولد أحمد، ويؤكد أن الحراك السياسي الذي نجم عنه تأسيس البوليساريو نتاج لظروف موضوعية مرتبطة بما هو محلي أساسا (إقليم الصحراء الغربية)، ولا علاقة له بطانطان أو بمناطق جنوب المغرب الأخرى، ولا بالحركة الجنينية التي كان الولي مصطفى السيد ومحمد لمين ولد أحمد من أهم رموزها، ويؤكد المتحدث في هذا السياق على أن تأسيس الجبهة كان امتدادا لحركة بصيري التي توجت بانتفاضة الزملة 1970 بمدينة العيون، قبل أن تتبلور في شكل نقاش سياسي قاد الى تبني الكفاح المسلح كخيار استراتيجي لتحرير إقليم الصحراء الغربية من نير الاستعمار الاسباني.
ويوضح ولد الدخيل في هذا السياق أن من بين أهم العناصر المؤثرة في ذلك الحراك الشباني الصحراوي المحلي، شخصية أجنبية من المعمرين، ذو ميول يسارية ثورية، ساهم الى حد كبير في تأطير الشباب المتحمسين لمجابهة الاستعمار الاسباني فكريا وسياسيا بمدينة العيون، كما تعهد بالإشراف على تدريب الخلية الأولى على السلاح، وبتوفير العديد من الحاجيات اللوجستيكية لهم قبيل التحاقهم برفاقهم المتواجدين بموريتانيا، من العناصر القيادية التي سبق أن ربطت الاتصال بالسطات والأحزاب الموريتانية المتعاطفة مع قضيتهم ومهدت لتنظيم مؤتمر الجبهة التأسيسي.
إلى جانب الظروف الموضوعية المحلية فقد ربط ولد الدخيل في شهادته تأسيس البوليساريو المواقف المعبر عنها من طرف القوى الإقليمية، خاصة المطالب التي عبرت عنها كل من المغرب وموريتانيا، إلى جانب اللقاء التاريخي الذي جمع زعماء دول الجوار موريتانيا، المغرب والجزائر(المختار ولد دداه، الحسن الثاني وبومدين)، والذي عقد بمدينة نواذيب الموريتانية، وبالأخص دخول الزعيم اللبيي الراحل معمر القذافي على خط النزاع، بعد الزيارة التي دشنها إلى موريتانيا، والتي اعتبر المتحدث أنها جاءت كرد على إقصاء القذافي من المشاركة في لقاء نواذيبو، والتصريحات التي أدلى بها خلال نفس الزيارة بمدينة أطار، حين أكد على استعداده لدعم كل الجهود الرامية إلى تحرير الصحراء، إلى جانب ردود الفعل التي أبدتها السلطات الاستعمارية الاسبانية، من قبيل إحصائها لسكان الاقليم، تأسيس مجالس تمثيلية للصحراويين كـ"الجماعة" ومجالس "الكورتيس"، وتقديمها لتعهدات بخصوص التأسيس لحكم محلي بالاقليم مستقبلا.
وفي نفس السياق يشير المتحدث إلى مساهمة القذافي المالية في التأسيس لإطار سياسي يسعى إلى تحرير الصحراء الغربية، من خلال إحداث صندوق لتمويله بتنسيق مع موريتانيا، حيث تدخل وزير خارجية موريتانيا الأسبق حميد ولد مكناس لصالح قريبه محمد ولد الرباني الذي رأس ذات الإطار، فيما ضم بقية قيادات حركة بصيري المتواجدين آنذاك بموريتانيا، وفي مقدمتهم أحمد ولد القايد صالح، قبل أن يقرروا جميعهم الانخراط في الجهود الرامية لتأسيس حركة سياسية جديدة تسعى الى تبني الكفاح المسلح، وهي ما سيطلق عليه لاحقا البوليساريو، ما عدى ولد الرباني فضل عدم الانخراط في الحركة الجديدة.
ولد الدخيل الذي سبق له أن شارك في حرب الرمال 1963 رفقة عشرين شاب من أبناء الإقليم، يوضح سعي الجزائر منذ الوهلة الأولى إلى الدخول على خط النزاع في الصحراء، ضمن محاولاتها لإيجاد موطئ قدم على المحيط الأطلسي وبالتالي فرض أجنداتها، ضمن انخراطها في الحرب الباردة المستعرة آنذاك والاستقطاب الدولية، حيث احتضنت كلا من "حركة المقاومة للرجال الزرق" بزعامة أدوارد موحى المنحدر من أصول صحراوية، والتي كانت تسعى الى تحرير الصحراء الغربية بدعم سياسي جزائري، إلى جانب حركة أخرى اسبانية تسعى إلى تحرير جزر الكناري الاسبانية.
ما يؤكد أيضا مصداقية المتحدث، إنصافه لدور زعيم البوليساريو الراحل محمد عبد العزيز رغم المواقف المنتقدة التي أبداها إزاءه، فبعكس ما ورد في شهادة محمد لمين ولد أحمد، يشير ولد الدخيل إلى الأدوار المحورية التي لعبها محمد عبد العزيز إبان ترؤسه لمكتب تيندوف بعيد تأسيس الجبهة مباشرة، ومساهمته في تغيير وجهة الجزائر نحو دعم البوليساريو وتخليها عن إيدوارد موحى، بعد أن كانت ترفض السماح للمقاتلين الصحراويين بالتمركز وتطاردهم داخل الأراضي الجزائرية، على إثر اجتماع حاسم جمعه بمدير القطاع العسكري للجيش الجزائري بمنطقة تندوف.
التحول الحاسم الذي شهده الموقف الجزائري آنذاك باتجاه دعم البوليساريو وفتح المجال لها للتحرك على الأراضي الجزائرية، سيؤدي بالاستخبارات العسكرية الجزائرية إلى العمل على اختراق صفوف الجبهة على أعلى المستويات، حيث ستجند في بداية الأمر محمد لمين ولد أحمد نفسه اإلى جانب العديد من العناصر القيادية الأخرى، ضمن سعيهم لعزل الولي مصطفى السيد الذي لم يحظى بثقة الجزائر مطلقا، بسبب يقينها بارتباطه بالقذافي وعلاقته الشخصية القوية به.
ورغم نجاح المجموعة الانقلابية التي كان يتزعمها محمد لمين ولد أحمد آنذاك في الاستفراد بالتحضير لمؤتمر الثاني 1974، والعمل على تنظيمه بالجبيلات قرب تيندوف، بعد أن نقلوا مراكز الجبهة الخلفية إلى داخل التراب الجزائري، لأجل التحكم في مخرجات المؤتمر، إلا أنهم فشلوا بالإطاحة بالولي مصطفى السيد، بالرغم من الإنزال المتحكم فيه للعناصر المحسوبة عليهم، والإقصاء الذي مورس في حق المنتمين إلى مناطق داخل الإقليم.
المعسكر المحسوب على الجزائر والمعادي للولي مصطفى السيد داخل اللجنة التنفيذية، لم يقف مكتوف الأيدي، فمباشرة بعد انتهاء أشغال المؤتمر الثاني سيدخل أعضاء اللجنة في اجتماعات مطولة هدفها التحقيق مع الولي نفسه، حول اتهامات وجهت إليه، في مقدمتها اتخاذه لقرارات سياسية هامة أثناء جولاته بالخارج دون الرجوع للجنة التنفيذية، إلى جانب الغموض المشوب بالتحويلات المالية التي تلقتها البوليساريو، وأوجه إنفاقها، ما سيفضى إلى اتخاذ اللجنة قرارا يقضي بعزل الولي مصطفى السيد من مهامه ككاتب عام للجبهة وتعيين محمد لمين ولد أحمد خلفا له.
قرار لم يتم تعميمه على كافة خلايا التنظيم رغم أهميته وخطورته، لكن ما إن تلقفته العناصر المناصرة للولي مصطفى السيد، حتى اعتبرته انقلابا على مخرجات المؤتمر الثاني للجبهة، وهو ما حدا باللجنة العسكرية بقيادة البشير ولد الدخيل وأحمد ولد خر إلى الاتصال بالولي مصطفى السيد وإعلان دعمه والمطالبة بإرجاعه إلى منصبه ككاتب عام للتنظيم.