الأحد 5 يوليو 2020
كتاب الرأي

منعم وحتي: "لابورس"

منعم وحتي: "لابورس"
ليس هناك مصطلح اقتصادي أو مالي أو تدبيري يمكن أن يعبر عن مكنون مفهوم منحة الطلبة، إلا الاسم الدَّارج : "لابورس"، فرنين صوت حروف الكلمة تضمر كل معاني الفرح الطفولي، والسعادة الإنسانية، وبأقصى درجات المثالية التي وردت في ملهاة الحضارات القديمة.
هل تعرف ما معنى، أن يعيش طالب (ة)، شهورا من الحرمان، وفي لحظة مزاجية للكلية والقائمين عليها، ينفحونك كيسا من النقود، كما كان يرمى كيس الدنانير في حضرة شعراء الزمن البائد.. إنه فرح لا يُضَاهَى.. إنه انفتاح لفردوس المُتَعِ المكبوحة أيام القحط..!! 
نتسلم تواصيل الأداء، كأنها تذاكر للفرجة على عرض كوميدي، ستملأه القهقهات لوقت وجيز، لكنه عرض مسرحي استثنائي يبقى موشوما في ذاكرة الفرح.. نستقل الحافلة المهترئة رقم 29، وقلوبنا تخفق بقوة، وكل مرة نتحسس جيوبنا أن التوصيل لازال في مكانه.. ففقدانه يعني بالضرورة خروجا حتميا من نعيم الفرح في ليلة الحي الجامعي.. فلوازم الحفلة معدة سلفا.. والغرفة أنيقة على غير عادتها.. ولا ننتطر إلا "لابورس" اللعينة لاستكمال السهرة الليلية.. 
نتسلم كيس الدنانير وأيدينا ترتعش من هول الحدث، وأصابعنا ترتعد ونحن نعد النقود مثنى وثُلاثَ ورُباع... نوزع المبلغ بين الجوارب وبقية الجيوب.. فخارج البنك جو مُوحِش ومتوحش.. والذئاب يمكن أن تتربص بنا في الخارج لإفساد سهرة اليوم.. فلازال أمامنا مشوار طويل لاقتناء لوازم السهرة..
لقد ارتقينا بعد تسلم "لابورس" لطبقة أرقى، لطبقة أغنى، لطبقة النبلاء، فما عادت الحافلة 29 تملأ عيوننا، إننا أصبحنا من أهل الطاكسي الصغير الأحمر.. ولو للحظةٍ بإرضاء نزوة التسلق الافتراضي.. نقتني مشروباتنا العجيبة (..) وألذ المأكولات وزينة الغرفة.. في محاولة لغسل أمعائنا من تراكم صودا مطعم الحي الجامعي.. وستعوض السيجارة الشقراء النبيلة ذاك التبغ الأسود البروليتاري (طابا نوار) .. نتوجه نحو القلعة الحمراء.. لإحياء ليلة حمراء.. فالحي الجامعي يكتسي طعما مغايرا الليلة.. 
أصوات الغناء والرقص والفرح والمستملحات ملأت الغرفة طيلة الليل، والزوار والضيوف بالعشرات دخولا وخروجا، كأنك أمام ملهى ليلي.. رغم أن الغرفة لا تستوعب بمشقة الأنفس في الحالات العادية إلا 4 أشخاص (هههه التيساع فالخاطر).. فكل مفاهيم المساحة تنتفي لتحل محلها فلسفة الفرح المثالي.. إنها ليلة السعادة عند طلبة الحي الجامعي.. أغاني فيروز تنطلق من غرفةٍ.. لترد عليها من غرفة أخرى عيوط الشاوية.. وتتناغم معها أوتار رويشة من جهة أخرى.. ويحسم الأمر هدير أغاني ليبونيم من الجناح المقابل.. أما تريسي تشاپمان فتحلق فوق الجميع بقيثارتها.. يرافقها جاك بريل ومارسيل خليفة عند حكماء طلبة الحي الجامعي... رغم أن الحكمة لا تستفيق إلا ليلة الغد.. 
روعة سهرة الليلة، أن الرد يأتي أروع من جناح الطالبات، حيث الزغاريد والغناء الشجي لعيوط مزاب واولاد حريز تنطلق من غرف البنات.. وذات خَلْطَتِنا العجيبة لديهن أيضا.. حيث ماريا كاري و إلتون جون يملآن الفضاء.. وأجواء الفرح والموسيقى تملأ المكان.. 
أمام طوفان الفرح الجارف الذي تعم تموجاته عالم الحي الجامعي.. تختفي شرطة الأخلاق وجلادي سلطة الرقابة الاستعبادية.. فالزمن زمن سلطة "لابورس".. ولا سلطة تعلو على سلطة فرحها.. فهو زمن لاسْتِرَاقِ هُنيهاتٍ سعيدةٍ.. تمكننا من المرور لطبقة النبلاء.. وأيضا العبور لمتخيل افتراضي للتوزيع العادل للثروة، حين يقتسم نشوة الفرح والاحتفال من لهم منحة، عفوا "لابورس" مع من هم (هن)  محرومون منها.. ففي الحي لا مجال للأنانيات ولنرجسية احتكار "الثروة" كما خارج أسوار الحي الجامعي.. فالكل سواسية أمام كونية السعادة.. ولو لحظيا.. 
فالليلة خارج الزمن..