الاثنين 28 سبتمبر 2020
كتاب الرأي

عائشة كلاع: مشروع قانون تكميم الأفواه فرصة للوقوف على مكامن الخلل في البيت الاتحادي

عائشة كلاع: مشروع قانون تكميم الأفواه فرصة للوقوف على مكامن الخلل في البيت الاتحادي عائشة كلاع

أثار تسريب مادتين من مشروع القانون رقم 22.20 المتعلق باستعمال شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح والشبكات المماثلة نقاشات مستفيضة وآراء مختلفة تنم عن اختلاف المرجعيات والخلفيات السياسية والفكرية، وكانت هذه الحركية فرصة لفتح نقاش قديم حديث عن وضع حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

 

لم أتفاجأ أن يقدم وزير محسوب على هذا الحزب مشروع قانون يضرب حرية الرأي والتعبير على الأقل في ومادتيه المسربتين، لأن مساره (أي الحزب) في السنوات الأخيرة كانت كلها تنازلات عن ما راكمه مناضلوه من تضحيات لبناء دولة الحق والقانون والمؤسسات، وأصبح حزبا بوزارته اليتيمة في الحكومة ينتظر طلبيات لتقديم الخدمات في المواجهة، ما دام أن أعضاءه لكي لا أقول مناضلوه متمرسون على المواجهة والصراع.

 

لم أتفاجأ من سياسية النعامة التي يمارسها قائدي هذا الحزب وهما كاتبه الأول ورئيس مجلسه الوطني، بتجاهلهما كل ردود الفعل التي نتجت عن هذا التسريب، لأنهما يدركان جيدا أن كل الآليات التنظيمية لإسكات أي صوت معارض قد تم حبكها في مقتضيات قانونية، بل وأن فورة الكثير أو القليل من “تتحاديت” سوف تخمد ببعض الوعود البسيطة.

 

لكن ما فاجأني هو تدوينات ما يسمى ببعض قيادات الحزب وما نشروه على صفحات شبكات التواصل الاجتماعي، الذين استيقظوا فجأة ليجدوا حزبهم ضد الحرية ويجدوا أنفسهم يتوسلون قائديه لعقد اجتماع لاتخاذ قرار ما !!!!

 

مع الأسف غاب هؤلاء القادة عندما تم إفراغ الحزب من مناضليه وأطره وتم تحويله إلى وكالة للضمان الاجتماعي لأبناء وبنات قيادييه، ومركزا لمحاربة الهشاشة الاجتماعية في صفوف الموالين لقيادته، وغابوا عندما تكبد الحزب نتائج كارثية في الانتخابات الأخيرة، وغابوا وغابوا وغابوا

 

للأسف، فقد أصبح الاتحاد الاشتراكي عبارة عن هياكل صورية بدون إطار مرجعي ولا هوية، وهو ما أثر فعلا وبشكل كبير على دوره في المشهد السياسي الوطني، الذي يحتاج إلى تنظيم سياسي قوي بمرجعية فكرية وسياسية تقدم أجوبة واقتراحات منتجة وجريئة لتدبير الشأن العام.

 

إن أزمة الهوية التي أصبح يعيشها الحزب ترتبط بعوامل موضوعية وذاتية، والتي كان الاتحاد في عقود مضت يخرج منها قويا بقرارات بتوجهات سياسية تجيب عن أسئلة كل مرحلة، لأن مناضلي الحزب من مثقفين واقتصاديين ورجال الاجتماع والتاريخ والسياسة مرتبطون بنبض الشارع وكانت لهم القدرة على التحليل والجرأة على اتخاذ القرار، (المؤتمر الاستثنائي 1975 – الانخراط في النضالات النقابية خلال الثمانيات – الاضراب العام 1990 – الانخراط في مرحلة التناوب التوافقي – التصويت على دستور 1996).

 

إن أزمة الهوية هاته تطرح على مناضلي الحزب، وأقول مناضلي الحزب، أن يخلخلوا بركتهم الراكدة لتفادي الأسوأ في المستقبل من جهة ومن جهة أخرى لأن الوطن يحتاج لحزب يساري قوي وقادر على تأطير الشباب والجواب على الأسئلة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية في ظل المتغيرات الدولية والجهوية والإقليمية والوطنية ووفق مرجعية اشتراكية ديمقراطية.

 

فإذا كان ما سرب من مشروع القانون 22.20 قد استفز نضالية البعض وانتماءه الحقيقي لهذا الحزب ولأفكاره واحتراما لتاريخه، فإن مناضليه ملزمون بمناقشة حقيقته للقواعد المؤسسة لخط الحزب السياسي وبتحديث أداته من أجل تعاقد جديد وواضح مع المواطن، أما ما قام به وزير العدل من تبني مشروع قانون يتضمن مسا بحرية الرأي والتعبير وتكبيلها بجزاءات جنائية فما هو إلا تحصيل حاصل ونتيجة طبيعية لواقع الحزب المتردي والذي لن يفيد بقاء أو إقالة الوزير من الحكومة في شيء، فقط كان لابد للسيد وزير العدل الذي تبنى المشروع بعد أن تنصل من أعد لأجلهم، أن يعلم أن الاقتصاد ينتعش ويزدهر في جو الحرية وليس في جو القمع، وأن أصحاب النفوذ المالي الذين أصبح لهم “نفوذ سياسي” كذلك يجب أن يعلموا أن الدولة القوية المتدخلة لها دور مركزي في التنمية الاقتصادية التي لا تتحقق بمجرد إشاعة الحريات الاقتصادية كما يدفع بذلك الليبراليون، بل إنها (أي التنمية الاقتصادية) تتأثر بمحددات ثقافية ومؤسساتية وسياسية ومجتمعية ولا ترتبط بالمحددات الاقتصادية فقط، ولنا في كيفية معالجة أزمة كورونا في مختلف الدول خير دليل على ذلك.

 

وأخيرا يمكن اعتبار أن النقاش الحالي يبقى فرصة جديدة أتيحت لحزب الاتحاد الاشتراكي للوقوف على مكامن الخلل العميق الذي أصابه بتحليل ملموس للواقع الملموس وبنقد ذاتي صريح واستخلاص النتائج التي يمكن اعتبارها مخرجات تحدد هويته وبرنامجه التعاقدي مع المواطن، بدلا من بهرجة المصالحة الفارغة المضمون.

 

- عائشة كلاع، برلمانية اتحادية سابقة، ومحامية