الجمعة 23 أكتوبر 2020
كتاب الرأي

أحمد التومي: دور  الأبناك في محاربة كورونا (3)

أحمد التومي: دور  الأبناك في محاربة كورونا (3) أحمد التومي
أثارت القرارات الاستباقية والبالغة الأهمية  للجنة اليقظة الاقتصادية، خاصة المتعلقة منها، بتأخير استرداد القروض والاستفادة من برنامج "ضمان اوكسجين" لمساعدة المقاولات والأسر المتضررة من جائحة كورونا، جدلا كثيرا. وهذا في نظري راجع أساسا إلى نقص في التواصل بشأنها وتدقيق في تفاصيلها، وهذا، من دون شك، راجع الى الضغط الكبير على الأطر التي كانت تسابق الزمن لتنزيل هذه القرارات.
 إن هذا النقص في التواصل مع المعنيين المباشرين من شركات وموظفي وكالات البنوك في الشبابيك وفِي استقبال الزبناء هو منبع غضب المواطنين واتهامهم للأبناك بأنها تستغل حاجتهم بدل الوقوف بجانبهم في هذه الظروف الصعبة. وكما يقال فالشيطان يسكن في التفاصيل.
كان قرار لجنة اليقظة الاقتصادية المتعلق بامكانية تأجيل سداد القروض البنكية وتلك المتعلقة بقروض الايجار   (leasing) بالنسبة للمقاولات، بطلب منها وبعد دراسة الطلبات ، حتى 30 يونيو دون أداء رسوم أو غرامات. المواطن يفهم أن قبول البنك لطلبه بالتأخير يعني أن العناصر الثلاثة للقرض (القسيمة الشهرية، المدة، سعر الفائدة) تبقى نفسها ولا يطالها أي تغيير. وهذا، حسب فهمي، ليس واضحا في قرار لجنة اليقظة، إذ هذا الأخير يتكلم عن الرسوم والغرامات وليس ما يترتب عن إعادة صياغة القرض لأن أحد عناصره الاساسية (المدة) قد تغير. وللإيضاح، نفترض أن مقاولة صغرى اقترضت مبلغ واحد (1) مليون درهم لمدة 10 سنوات بفائدة سنوية 5%. ستكون القسيمة الشهرية في حدود 10,607درهم. ماذا سيقع في حال قبول طلب تأخير الاسترداد؟
 الحالة الأولى: إذا لم نغير المدة (120 شهرا)، وبعد رسملة القرض بنفس الفائدة، تصبح القسيمة الشهرية الجديدة  10,740 درهم، اأي بفارق 133 درهم للشهر أو بزيادة بنسبة 1.26%.
الحالة الثانية: إذا تم الإبقاء على نفس قيمة القسيمة الشهرية (10,607درهم) وتمت الزيادة في عدد الشهور، آنذاك سيرتفع رأسمال القرض ب 20,801 درهم، بما يعادل قليلا اضافة قسيمتين شهريتين.
وإذا غيرنا قيمة القرض الى 300,000 درهم مع مدة استرداد 5 سنوات، سترتفع القسيمة الشهرية  ب 71 درهما، والقيمة الإجمالية ستزداد ب 4851 درهما. وهكذا. 
 لنقف هنا ونتفق على أن دور البنك في اَي قرض هو دور "التحويل"، إذ أن المبالغ المقرضة الى الأشخاص أو الشركات يفترضها بدوره من بنك المغرب وياخدها من الودائع، وبالتالي يؤدي عنها كذلك فوائد لبنك المغرب و للزبناء المودعين أموالهم عنده، ولا يمكنه التأخر في سدادها. فإذا تمت المحافظة على نفس عناصر القرض، فإن البنك سيتكبد لوحده الأداءات والمصاريف المشار إليها. ولا أشك أن هذا هو سبب التغيير في بعض عناصر القرض كما يتبين من الأمثلة أعلاه. وهذا بالضبط ما كان يجب توضيحه للناس في شكل مذكرات "أسئلة-اجوبة" أو من خلال وكالات الأبناك. 
من زاوية اخرى، لابد من الوقوف عند مسألتين. الأولى أنه من الناحية القانونية الصرفة، لا يمكن للحكومة فرض قرار من هذا النوع على الأبناك، فالقرض البنكي هو اولا عقدة ذات صبغة تجارية خالصة بين المؤسسة البنكية والمقترض، ولا شك أن الوازع الوطني وواجب التضامن في هذا الوقت العصيب هو الذي دفع الأبناك إلى القبول به رغم المخاطرة التي تتضمنها، والتي قد تؤدي، لا قدر الله، الى انهيارها ومعه نظامنا المالي الوطني. فإذا كانت طلبات الاسترداد معقولة وناتجة عن ضرر حقيقي من كوفد-19، وكانت الطلبات في حدود معينة، فالأبناك قد تتحملها، رغم أنه ليس كل الأبناك لها نفس القدرة على التحمل.
 لا ننسى أن عدد الأسر المؤهلة (نظريا) لطلب التأخير قد ترتفع إلى أزيد من خمسة ملايين والشركات (المتضررة) الى حوالي 130 الف. اما اذا تعدت الطلبات الحدود، والحال أنه بغموض المستقبل، قد يلجأ عدد كبير من المقترضين، حتى الدين لم يتكبدوا خسائر جراء الجائحة إلى حدود الْيَوْمَ أو الأفراد الذين لم تنقطع مداخيلهم، الى طلب تأخير السداد، فهذا قد يؤذي سريعا الى الانهيار البنكي ومعه ودائع الزبناء!! علما انه في حال انهيار مؤسسة بنكية معينة، فالقسط المضمون، لودائع كل زبون، لا يتعدى 80,000 درهم. وبالمناسبة، فهنا تتجلى أدوار الرقمنة الشاملة واستعمال تقنيات المعطيات الكبيرة والذكاء الاصطناعي في رصد الأفراد والشركات الدين هم متضررون حقا ومستوى الضرر والدعم المستحق.

 المسألة الثانية أن معدل الديون المعلقة، في السنين الاخيرة، ارتفعت الى 7.5% (ما يعادل 70 مليار درهم) وهوما يمثل الضعف مقارنة مع أوروبا.  فأي صعوبة إضافية في استرداد الديون قد تفاقم هذا الوضع وقد تؤدي إلى توقف عجلة القروض، وخاصة ما يتعلق مثلا ببرنامج "ضمان اوكسجين" وقد يشل الاقتصاد الوطني. وهذا هو الخطر الكبير الذي يجب أن نواجهه بتضامن جميع الأطراف من ابناك وشركات وأفراد، لأن الظروف الحالية قد تكون أكثر قسوة مما نتصور. 
أحمد التومي، نائب برلماني وعضو لجنة المالية والتنمية الاقتصادية
 
 
أتمنى أن تكون هذه المساهمة قد ألقت بعض الضوء على على العلاقة بين الأبناك و زبنائها. كيفما كانت حجية المؤاخذات على نظامنا البنكي، يحق لنا ان نشيد بصلابته وان نفتخر بما أنجزه لخدمة الاقتصاد الوطني. أكثر من هذا، يجب علينا افرادا ومؤسسات على الحفاظ عليه ما أمكن، لأن هذا من المحافظة على أمننا المالي، كم نحن في حاجة إليه بعد الخروج من أزمة كورونا لضمان انطلاقة واعدة لبلدنا، مسلحين بحكمة ملكه وبقيم تظامن شعبه وإبداع شبابه.