الأحد 31 مايو 2020
كتاب الرأي

محمد سالم عبد الفتاح: كبيرهم الذي علمهم...

محمد سالم عبد الفتاح: كبيرهم الذي علمهم... محمد سالم عبد الفتاح

لعل من بين ما يحسب لحدث تأسيس “حركة صحراويون من أجل السلام” الذي أقيمت لأجله الدنيا ولم تقعد في البوليساريو، إخراجه لعديد القيادات التي لم يكن لمناضلي الجبهة أن يحظوا برؤيتها بهذه الكثافة لولا حالة الهيستيريا والارتباك التي انتباتها نتيجة هذا الحدث الجلل بالنسبة لها.

 

آخر الوجوه العتيقة التي ظهرت على تلفزيون البوليساريو الرسمي، السيد محمد لمين ولد أحمد، أحد كبار منظري الجبهة وقياداتها الديناصورية التي طبعت تاريخها ورسمت توجهاتها وتقلباتها الفكرية، فقد شارك مبكرا في خلاياها التأسيسية وتزعم ما يسمى في أدبيات الجبهة بـ ”الحركة الجنينية” التي ضمت العديد من الطلبة المنتمين لجنوب المغرب، والذين كانوا ينشطون بالجامعات المغربية قبل تأسيس الجبهة، ما يعني أنه حرفيا قد مارس المهام القيادية لنصف قرن من الزمن، قاد خلالها أولى المحاولات الانقلابية التي شهدتها الجبهة بعيد تأسيسها، حين حاول رفقة عناصر اللجنة التنفيذية عزل الولي مصطفى السيد، كما ربط اتصالاته بالدوائر الاستخباراتية الجزائرية مبكرا، ما مكنه من الصمود في وجه كافة المتغيرات السياسية التي عصفت بالكثير من القيادات خلال مساره السياسي الطويل.

 

فخبرة أمين صندوق الجبهة (وزير ماليتها) وتموقعه ضمن قيادتها أهلته لمواجهة التحقيق البوليسي الذي عكف عليه مدير حانوت تلفزيون البوليساريو، فكان أكثر هدوء وأقل تشنجا من سابقيه الذين ظهروا وكأنهم بصدد جلسة تحقيق، فلم ينجر لاستدراج ولد العبيد الذي استطاع الايقاع بضيوفه السابقين في شراك أسئلته التحريضية.

 

فالقيادات الذين سبق أن استدرجهم ولد العبيد إلى التحريض على المعارضين وخاصة على “صحراويون من أجل السلام”، لا يعدو أن يكونوا واجهة يتم التحكم فيها من طرف دوائر قيادية ضيقة من أهم عناصرها محمد لمين أحمد، وهو ما يفسر اختلاف خطاب الأخير عن سابقيه خطري آدوه مسؤول التنظيم السياسي للجبهة، وبشريا بيون وزيرها الأول، واللذين لم تنفعهما لا الرتب ولا الألقاب التي يحملونها قياسا لمجرد مدير تلفزيون، يفترض ان يأتمر بأمرهما، لا أن يوجههما ويمتهنهما ويخرج كلامهما بذلك الاسلوب البوليسي المبتذل الذي ظهرا عليه.

 

من جهته ولد أحمد ورغم نبرته الهادئة الأقل صدامية الا أنه روج لذات الخطاب الإقصائي والاستئصالي الذي تبنته الجبهة منذ تأسيسها، فقد كرر أسطوانة الشعارات المشروخة نفسها، وعزف على إيقاع الانغلاق والاستبداد ذاته، فلم يخلو كلامه من أحكام القيمة الجاهزة والمسبقة المتحاملة على المعارضين، فبحسب ظنه فالوطن حكر عليه وعلى من يوافق هواه، والخيانة علامة مسجلة على مخالفيه، فحتى “إذا كنت وطنيا فلا يوجد أكثر وطنية من الجبهة التي لم يسبق لها أن قامت بشي شين وما عدلت ما هو شي مطابق” يوضح محمد لمين، فهو “غزال يسابق عن نفسه وغيره كلب -أعزكم الله- يسابق لغيره” بحسب حكايته السمجة التي استدل بها على نزاهته.

 

معالي وزير المالية -المنصب غير المعلن رسميا- وبعد أن زكى نفسه دون أن يرف له جفن، فقد أدى ما عليه وأكثر بحسب قوله، وما على الاجيال الصاعدة سوى أن تقتدي به وتحذو حذوه، فقد أقدم على عقد جلسة من جلسات محاكم التفتيش القروسطية على أثير التلفزيون، احتكر من خلالها الوطن والوطنية ووزع أحكام الخيانة على من يشاء، يحاسب نوايا الناس، ويرسم التاريخ وينسجه بالشكل الذي يوافق هواه.

 

الجميع خائن ومندس وعميل ما عدى مناضلي البوليساريو، بحسب ولد أحمد، فالانتماء الى الجبهة “اعتقاد مقدس كقداسة الإسلام”، ومن خرج عن طوع أمرها فهو خائن، “فالجبهة هي الوطن الذي يفتح باب التوبة للخونة” يوضح ولد أحمد، الذي لم يجد من شعار يسبغه على “الوطن” خاصته غير كونه “غفور رحيم” – بماذا يذكركم هذا الشعار تحديدا؟- وأما من غادروا الجبهة وعادوا الى وطنهم الحقيقي فقد ارتكبوا مبيقة تتطلب توبة نصوحا.

 

وقاحة السيد ولد أحمد وصلت به حد تشبيه معارضي الجبهة بالخونة الذين استقطبهم “هولاكو” قبل ان يقدم على تصفيتهم، ولا أدري في هذا الجانب من يقصد بهولاكو تحديدا هل هو المغرب كما يلمح دون تصريح، أم هو الجبهة نفسها التي سبق لها أقدمت على تصفية معارضيها بطرق لا تقل بشاعة عن ما قام به المغرب من انتهاكات، لكن على قاعدة “مول الروح مرموح” سارع ولد أحمد الى تبرئة الجبهة من تهمة قتل معارضيها “فالجبهة تستمع الى الصحراويين ولا تقتلهم” يؤكد أمين صندوق الجبهة.

 

لم يفت السيد ولد أحمد في هذا الصدد التأكيد على إدانة القبلية والتحذير منها، لكنه لم يجد في نفسه من الشجاعة ما يؤهله الى انتقاد واقع المحاصصة القبلية الذي يحكم نظام الجبهة، كما تناسى أن شعار “الممثل الشرعي والوحيد” الذي توظفه القيادة لمواجهة معارضيها، تعتمد لتبريره على “بيعة” تزعم انها تسلمتها من طرف شيوخ القبائل في ما تسميه لقاء “عين بنتلي”، فكيف لها أن تحارب القبلية إذا كانت شرعيتها مبنية عليها، وأما عن ممارساتها فحدث ولا حرج.

 

وأما بخصوص مطالب الاصلاح والتغيير في الجبهة فقد أوضح كبير حراس المعبد أن النقد مرحب به داخل الجبهة فقط، وبشرط ان لا يخرج إلى الاعلام، أما الخروج بالنقد فلا يعدو أن يكون ضربا من ضروب الخيانة، مؤكدا أن “من يخرج عن إطار الجبهة فقد أصبح مروكي” بحسبه، وعبارة “مروكي” في هذا السياق تحيلنا على طرح شعوبي عنصري لا يجد منظر الجبهة التي ترفع شعارات التقديمة والحداثة حرجا من الترويج له.

 

قد تبدو تصريحات محمد لمين ولد أحمد الاقصائية والعنصرية غريبة، لكن غرابتها ستزداد إذا ما راجعنا تاريخه النضالي خاصة قبيل تأسيس البوليساريو، حين كان أهم الوجوه التي خاضت تجربة ما يسمى “الحركة الجنينية”، حيث جال عناصرها الإدارات ومقرات الأحزاب المغربية طلبا للعون بصفتهم طلبة جامعيين مغاربة، ينتمون إلى جنوب المغرب ويريدون تحرير الصحراء وضمها إليه، ولم يكونوا حينها يظهرون أي نية لديهم في تحقيق مشروع الدولة، المشروع الذي باتوا يخونون بموجبه كل مخالف ويروجون لطروحات عنصرية واقصائية في حقه.

 

فيكفي أن نعلم أن السيد محمد لمين ولد أحمد وبحسب شهادته هو نفسه قد طرق صحبة رفاقه في قيادة الجبهة من المنتمين آنذاك لـ ”الحركة الجنينية” باب علال الفاسي صاحب نظرية المغرب الكبير، كما التقوا بإدريس البصري الرجل النافذ وزارة الداخلية المغربية، أما الأغرب فهو ما رفعه ذات العناصر في مظاهرة طانطان سنة 1972 من شعارات أبدوا من خلال الولاء التام للعاهل المغربي الراحل الحسن الثاني، بحسب شهادات من لا يزالون على قيد الحياة من رفاقهم في الحركة الجنينية، بما فيهم أولئك الذي باتوا متعصبين لطرح البوليساريو.

 

عموما تصريحات محمد لمين ولد أحمد الأخيرة جاءت لتؤكد الاستنتاج الذي خلص اليه مؤسسو حركة “صحراويون من أجل السلام” من كون البوليساريو تنظيم مغلق، يرفض أي صوت مخالف، غير قابل لا للإصلاح ولا للتغيير، يطبعه الاستبداد والديكتاتورية، وتغيب فيه كل مظاهر الديمقراطية.

 

خطاب قروسطي متجاوز يعود لحقبة الحرب الباردة، يعجز عن مواكبة تحديات المرحة، ولا يمكن له مسايرة القرن الحادي والعشرين، ويسيء إلى صورة الجبهة، فكيف لحركة ترفع شعارات الحرية وتقرير المصير أن تتبنى هكذا خطاب اقصائي واستئصالي لا يمت لثقافة ولا لطبيعة المجتمع المحلي بصلة.

 

مواقف رسمية صادرة عن الجبهة تعزز رؤية “صحراويون من أجل السلام” وتصورها الراميين إلى إيجاد إطار سياسي جديد حاضن لكل الآراء والتوجهات المعبر عنها من طرف الصحراويين جميعا، خاصة أولئك الذين لا يجدون في البوليساريو تعبيرا عن تطلعاتهم وأحلامهم في واقع وغد أفضل.

 

عموما فمقاربة الحركة لا تعني أنها ستصطدم بالضرورة بالبوليساريو التي نحترمها كفكرة رغم اختلافنا العميق معها، بالرغم من رفضنا التام لها كسلوك وممارسة، ولعل هكذا خيارات ديمقراطية تدخل ضمن حقوقنا المدنية والسياسية الأساسية التي لا قبل لأي كان بمصادرتها، مهما بلغت شعراته ومزايداته ووطنجيته، هي ما سيضمن تحقيق التغيير المنشود الذي نطمح إليه.