الأربعاء 21 أكتوبر 2020
كتاب الرأي

جمال المحافظ : الإعلام والأزمات أفقا للتفكير

جمال المحافظ : الإعلام والأزمات أفقا للتفكير جمال المحافظ
تفرض الأزمات الوبائية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية، تخصصا إعلاميا مهنيا في تدبيرها الأزمات التي يتميز غالبيتها بطبيعتها الفجائية وبالتالى يكون الاستعداد لها متعذرا، مما يفرض التعامل معها ومعالجة آثارها وتداعياتها، بناء على معايير خاصة تكون في الغالب وسائل الإعلام تفتقر إلى التجربة والتكوين الكافيين للتعامل معها.
إلا أن دور الأداء المهني تتعاظم خلال مراحل التي تمر بها الأزمة، على الرغم من غياب تقاليد وتجارب إعلامية، في مجال تدبير الأزمات، حيث أنه إذا كان "إعلام الأزمة" يضطلع - على غرار الإعلام في الأيام الاعتيادية- بدور طلائعي في الإخبار والتوعية والتحسيس، غير أن وظائفه تشهد تطورا ملحوظا، ويفرض تعاملا مختلفا، تبعا للمستوى الذي بلغته الأزمة على مستويي الانتشار والتداعيات.
وتحدد غالبية الدراسات خصائص الأزمة بصفة عامة، في كونها تتميز بالتعقيد التشابك والتداخل الذى يطال عناصرها وأسبابها، وما تخلفه من آثار اقتصادية واجتماعية ونفسية، على كل من تشملهم هذه الأزمة التي تشكل تهديدا مستمرا للمحيط الذي تنتشر فيه.
يقظة إعلامية في ظل الأزمة
وتفرض الأزمة التي تنتشر بفجائية، صعوبة في التحكم في انتشارها، مما يتطلب الإسراع في تطويقها، عبر اعتماد تدابير عاجلة وفعالة، وهو ما يفرض على المستوى الإعلامى والتواصلى، اتخاذ عدد من التدابير والإجراءات منها، نتدرج ضمن "يقظة إعلامية" منها إعادة النظر في البرمجة وإعداد مخططات إعلامية تتلاءم مع المستجدات التي تفرضها صيرورة الأزمة، مع مواصلة وسائل الإعلام لأدوارها في توفير وتقديم المعلومات وتعميمها وتنوير الرأي العام.
غير أنه إذا كان إعلام الأزمة، إعلاما موسميا بالمقارنة مع الإعلام في الأيام العادية، فإنه يتعامل مع الأزمة، وفق تسلسل الأحداث،وذلك ارتباطا بمستوى تأثيرها على فئات المجتمع، وليس على فئة واحدة منه، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الأزمة تتميز بطابع الاستمرارية بالمقارنة مع المعالجة الإعلامية لأحداث ووقائع عابرة.
لقد ارتبط مصطلح الأزمة تاريخيا، بالطب الإغريقى، وكان يقصد به التغيير المفاجئ الذي يحدث في جسم الإنسان، كن سرعان ما انتقل هذا التعريف من المعاجم الطبية، ليدل على التوتر في العلاقات القائمة بين الكنيسة والدولة.غير أنه في القرن 19، تواتر استخدام كلمة الأزمة على المشكلات الخطيرة، واللحظات الحاسمة في العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وفي أواخر الثلاثينات، أصبحت الأزمة تعرف بأنها حدوث خلل خطير ومفاجئ في العلاقات بين العرض والطلب في السلع والخدمات ورؤوس الأموال، إلا أنها بعد ذلك باتت الأزمة تعرف بأنها، هي الظروف والأحداث المفاجئة التي تنطوي على تهديد كبير للاستقرار.
فالأزمة تعبير أيضا عن لحظة حرجة وخطيرة، تتسم بالحسم في موقف يواجه أصحاب القرار، وتتميز بتسارع الأحداث وتختلط معها الأسباب والنتائج، مما يصعب على متخذ القرار السيطرة الكاملة، وتضعه في مأزق الاختيار بين ما يمكن ولا يمكن، أن يتخذ من قرارات صائبة، وهي ما يقع الآن مع حالة فيروس كورونا الذي انتشار في كافة أرجاء العالم وأدى إلى وفات عدد كبير من الأشخاص في مختلف القارات.
البحث العلمى في الإعلام ليس ترفا فكريا
وعلى مستوى الإعلام والاتصال، فإن "الإعلام الأزماتي" يقوم بصفة عامة، بمهمتين الأولى، تتمثل في اطلاع الرأي العام على تطورات ومستجدات الأزمة وتحديد الأطراف المستهدفة والمعنية بها، في حين تتعلق المهمة الثانية بالتوجه إلى الرأي العام، وهو ما يجعل وسائل الإعلام، تتحول إلى القيام بدور الوساطة، مع ضمان نقل الأحداث والمعلومات بفورية ودقة، اعتمادا على مصادر موثوقة، حتى يتمكن الجمهور العريض من فهم أبعاد الأزمة وتطوراتها والتدابير المتخذة للحد من آثارها السلبية.
وتجدر الإشارة إلى أن أدوار وسائل الإعلام، تختلف باختلاف مراحل الأزمة والتي تتراوح بين لحظة البداية التي تقتضى توفير المعلومات اللازمة حول الأزمة والعمل على الرفع من روح التعبئة، فيما تفرض المرحلة الثانية التي تكون فيه الأزمة قد بلغت أوجها، على الإعلام القيام بأدوار مختلفة منها الإسهام في ضمان الاستقرار والمساهمة في التماسك الاجتماعي، والتنبيه إلى خطورة السلوكيات السلبية. فدور وسائل الإعلام والاتصال، لا يتوقف فقط عند التحكم في الأزمة والتغلب عليها،بل يواصل دوره في التحسيس والتوعية للتخفيف من آثارها واستخلاص الدروس المستقاة منها.
لقد أظهرت تداعيات جائحة فيروس كورنا، من جديد الحاجة الماسة إلى إعادة الاعتبار للبحث العلمي في المجالات والتخصصات المختلفة بدء بالعلوم الحقة وأيضا العلوم الإنسانية ومنها الإعلام والاتصال، وذلك بالرفع من ميزانيته البحث وتشجيع الباحثين والمختصين، عوض التعامل مع البحث العلمي بنظرة نمطية قاصرة، وكأنه مجرد ترف فكري. إن ما أظهرته وسائل الإعلام من مجهود مهني واضح في تناول فيروس كوفيد 19، مكنها من استعادة زمام المبادرة وتحقيق التصالح المطلوب مع الرأي العام، والتفاعل إيجابا مع التدابير والإجراءات الاحترازية المتخذة للحد من انتشار هذا الفيروس القاتل واسترجاع قيم التضامن المجتمعي.
وعلى غرار لجنة اليقظة الاقتصادية التي تم تشكيلها بمجرد اكتشاف أول حالة للإصابة بفيروس كورونا بالمغرب، كان من المفيد جدا، تأسيس على هامشها لجنة لليقظة في الإعلام والتواصل، تضم خبراء ومختصين،خاصة يعد أن بينت جائحة كوفيد 19، أهمية الإعلام الحاسمة في المساهمة من الحد من انتشارها وتداعياتها السلبية على المجتمع الذي لن يعود بالضرورة - كما كان قبل زمن كورونا- وستتغير الأولويات خاصة على مستوى العلاقات القائمة بين الدولة والمجتمع.