الثلاثاء 26 مايو 2020
جالية

"أنفاس بريس" تعيد تركيب سيناريو اعتداء شرطة إقليم الباسك الهمجي على مهاجرين مغربيين بسبب "كورونا"

"أنفاس بريس" تعيد تركيب سيناريو اعتداء شرطة إقليم الباسك الهمجي على مهاجرين مغربيين بسبب "كورونا" مشهد من اعتداء الشرطة الاسبانية على المهاجر المغربي
الزمان: مساء يوم الأحد 29 مارس 2020
المكان: حي (سان فرانسيسكو) بمدينة بلباو عاصمة إقليم الباسك الإسباني.
الموضوع: اعتداء وحشي متعمد مارسته عناصر الشرطة الإقليمية الباسكية في حق مهاجرين مغربيين يقيمان بطريقة شرعية في إسبانيا، بدعوى عدم الالتزام بإجراء الحجر الصحي المنزلي وخرق حالة الطوارئ الصحية المطبقة بسبب تفشي وباء (كورونا) في كامل تراب الجارة الإيبيرية.
جريدة "أنفاس بريس" تابعت التفاصيل الكاملة لهذا الاعتداء الشنيع الذي هز هدوء وسكينة بلباو التي تعيش، كما باقي مدن إسبانيا وكل مدن العالم، على بصيص أمل يقود البشرية إلى إعلان الفوز الكامل على فيروس (كورونا) الفتاك الذي يواصل تمدده في جغرافية القارات الخمس، مخلفا يوميا آلاف القتلى وأعدادا قياسية من الإصابات المؤكدة.
ماذا وقع تحديدا يوم الأحد 29 مارس 2020 في عاصمة إقليم الباسك؟
ما وقع له عنوان واحد: إنها البربرية في أبشع تجلياتها التي يمكن تخيلها في حق مهاجرين شرعيين.
وهنا، تبرز أسئلة مشروعة لا بد من طرحها:
- هل محاربة تفشي الفيروس الشرس وغير المرئي، تمنح لسلطات الأمن في إسبانيا الحق الكامل في إطلاق يدها الطولى لخرق القانون بلا سقف وبلا حدود؟
- ولماذا تم استهداف سيدة وابنها يتحدران من أصول مغربية دون سواهما، وبكل هذا العنف غير المبرر والذي لا يليق بصورة وسمعة الديموقراطية الإسبانية؟
صراخ مشروع، تنديد واسع، شجب منطقي، ورفض عارم لاستباحة الشرطة الإقليمية الباسكية لكرامة الإنسان بدون وجود سبب مقنع، حتى ولو كان الأمر يتعلق بظرف وبائي خطير. هكذا كان المشهد في تلك الليلة السوداء في بلباو التي تنتظر، كباقي مدن العالم، نزول فرج من السماء ينهي عجز مختبرات البحث الطبي عن التوصل إلى إنتاج اللقاح السحري.
لقد اهتزت ساكنة حي (سان فرانسيسكو) الشهير، على وقع حادث اعتداء عنيف على سيدة مغربية وابنها المختل عقليا. وقع الصدمة كان مقززا وقويا على كل الذين عاينوا مباشرة كيف تعاملت الشرطة الإقليمية الباسكية بغطرسة مقيتة وبهمجية غير مبررة على الإطلاق.
لا يستقيم الاتهام إلا بالدليل القاطع غير القابل للطعن في مضمونه. والدليل هنا، بلا أدنى شك، قاطع وغير قابل للتحوير أو للتبرير.
"جريمة الاعتداء" حقيقية 100 في المائة، وليست عملا ينتمي لعالم الخيال العلمي أو من صنع استوديوهات (هوليوود) السينمائية، والدليل يملكه العشرات من المواطنين القاطنين في الحي.
جيران الضحية وابنها، وثقوا بهواتفهم (صوتا وصورة)، من نوافذ وشرفات بيوتهم، "التعامل العنصري الممارس من طرف رجال الشرطة الإقليمية الباسكية في حق مهاجرين ينتميان لبلد جار وصديق" وفق تعبير أحد سكان الحي.
وقد علمت جريدة "أنفاس بريس" من مصادر موثوقة ومتطابقة من عين مكان وقوع الاعتداء أن منسقة المجموعة السكنية لمدينة بلباو القديمة، (سان فرانسيسكو، زابالا)، قامت بـ"عمل توثيقي مهم جدا من خلال جمع شهادات الجيران وشهادات كل الذين عاينوا ما وصفوه بـ "الإستعمال المفرط للعنف والقوة" من طرف شرطة إقليم الباسك، المعروفة بإسم (إرتزينتزا/Ertzaintza)، في بداية شارع (سان فرانسيسكو)، وذلك لمعرفة كيف ولماذا وقع هذا التدخل بهذه الحدة والقسوة؟"
وفقا لهاته الشهادات المصاحبة للعديد من مقاطع الفيديوهات التي صورها جيران الولد وأمه، كما وثقتها منسقة الحي، فقد "أوقفت دورية أمنية شابا وطلبوا منه تقديم ما يملك ما بحوزته. استجاب لطلبهم. بعد ذلك، قال لهم إنه مصاب بمرض عقلي، وأنه متوتر جدا".
وأوضح مضمون الشهادات: "سألته الشرطة عن بعض الحبوب الدوائية. وبعد ذلك، قام بإنزال سرواله لتفتيشه. كذلك طلبوا منه أوراق إثبات الهوية واستجاب لطلبهم. وأكد لهم بأنه يسكن على بعد بضعة أمتار قليلة".
وأضافت منسقة المجموعة السكنية لمدينة بلباو القديمة، أن "مواطنة إسبانية مرت من مكان الواقعة، وأكدت لها بأنها أخبرت الشرطة بأن الشاب كان متواجدا بالمجزرة القريبة من مقر سكنه لاقتناء بعض الحاجيات، لكنهم لم يبالوا بشهادتها وطالبوها بالانصراف فورا".
واسترسلت المنسقة قائلة إن "الشاب، بعد ذلك، اقترب من الشرطي مما أدى بهذا الأخير إلى دفعه بقوة، وأخرج العصا وقام بضربه بعنف. ثم طرحوه على الأرض بعنف، وأوقفوه من أجل اعتقاله. في هاته الأثناء، اقتربت والدته من مكان الحادث".
وتضيف المنسقة في شهاداتها الموثقة "طلبت والدته بعدم اعتقاله لأنه مصاب بمرض عقلي تؤكده شهادة طبية، وأنهما معاً يتوفران على أوراق إقامة قانونية سارية المفعول. وإذا اعتقلوا ولدها، فليعتقلوها هي أيضا. في تلك اللحظة، اتصلت هاتفيا بأحد أقاربها لتدله على مكان وجود بعض الوثائق. بعد ذلك، اقتربت مرة أخرى من رجال الشرطة، لأنهم كانوا بالفعل يتجهون بولدها نحو السيارة، ثم قام شرطي بدفعها بعنف. وبدأوا بضربها بالعصا وألقوها على الأرض".
بعد ذلك، وبحسب الشهادات ذاتها، "وصل إلى مكان الحادث عدد كبير من سيارات الشرطة. وبينما كانت السيدة ملقاة على الرصيف المبلل، قام عدد كبير من رجال الأمن بتصفيدها. وعندما تعرضت المرأة للضرب، بدأ الجيران الذين كانوا يراقبون كل ما يحدث منذ البداية من شرفات ونوافذ المنازل، بالصراخ والتنديد واستنكار مشهد الاعتداء"، انتهت شهادة المنسقة، وهي شهادة تتطابق بشكل حرفي مع كل مقاطع الفيديوهات التي بحوزة الجيران وعدد كبير من سكان حي (سان فرانسيسكو).
ومن المعلوم أن قانون حالة الطوارئ الصحية لا يمنع الشخص المصاب بمرض أو خلل عقلي من الخروج للشارع، ولكن شريطة أن يكون مرفوقاً بشخص سوي وفي كامل قواه الذهنية والبدنية، وذلك بهدف قضاء أمور ضرورية أو ما يسمى بـ"الخروج للضرورة القصوى".
هذا الحادث المؤلم والحاط بآدمية الإنسان المهاجر، يواصل الاستئثار باهتمام منقطع النظير من طرف سكان بلباو خاصة وإقليم الباسك وإسبانيا عموما. فقد وصف عشرات المئات، إن لم نقل الآلاف، من مستعملي وسائل التواصل الاجتماعي ما حصل تلك الليلة بـ"الهمجي" و"العنصري"، وأدانوا بأقوى الكلمات وبأشد العبارات "الاستعمال المفرط للعنف في حق شخصين مسالمين أبديا منذ الوهلة الأولى تجاوبهما مع الشرطة الإقليمية الباسكية".
وفي سياق ردود الفعل المنددة والمستنكرة لهذا الإعتداء، أدان حزب (بيلدو EH bildu)، المعارض وثاني قوة سياسية في برلمان إقليم الباسك، تدخل الشرطة الذي وصفه بـ"غير مبرر على الإطلاق".
وأضاف الحزب في بلاغ نشره على صفحته الرسمية على منصة التغريدات النصية القصيرة (تويتر): "الصور تتحدث عن نفسها، وما وقع اليوم (الأحد 29 مارس 2020) بحي سان فرانسيسكو، لن يبرر ما قامت به الشرطة على الإطلاق. هناك من يحاول الخلط بين حالة الطوارئ الصحية وانتهاك الحقوق الأساسية".
وفي الاتجاه ذاته، استنكرت المنظمات الحقوقية وجمعيات المجتمع المدني الناشطة في بلباو وفي إقليم الباسك تصرفات الشرطة الإقليمية في ذلك اليوم المشؤوم، ولم تتردد في وصفها بـ"السلوك المرفوض والمدان..  حتى ولو كان الجميع يعيش حالة الطوارئ الصحية".
وهكذا، أدانت جمعية (SOS Racismo Bizkaia) التي تعنى بقضايا العنصرية ومحاربة كل أشكال التمييز وكراهية الأجانب، الحادث بأشد العبارات الممكنة. وقالت الجمعية
 في بيان أصدرته إن تدخل عناصر الشرطة الإقليمية ينطبق عليه توصيف "الوحشي".
وعلى الساعة التاسعة من مساء يوم الإثنين (30 مارس 2020) والذي تزامن مع دخول حالة الطوارئ الصحية في المملكة الإسبانية يومها الـ16، وعلى إثر هذا الاعتداء الشنيع، قامت ساكنة بلباو بقرع الأواني من شرفات المنازل تعبيرا عن "تضامنها المبدئي واللامشروط مع الابن المعاق وأمه"، مع التأكيد على ضرورة "معاقبة المعتدين من رجال شرطة الإقليم".
وقد حرص سكان الحي، ومعهم كل ساكنة المدنية، على تمييز تضامنهم الرمزي من حيث التوقيت. فقد اختاروا الساعة التاسعة بدلا من الساعة الثامنة؛ الموعد اليومي الذي يخصصه كل الإسبان لتوجيه تحية العرفان والتقدير لكل الأطباء والممرضين وباقي المتدخلين الصامدين في الميدان يوميا من أجل محاربة وباء (كوفيد 19). 
وأمام إرتفاع منسوب الاحتجاج وضغط الجمعيات الحقوقية المحلية الباسكية، قررت سلطات الإقليم فتح تحقيق شامل لتحديد ملابسات وظروف الاعتداء ومعرفة من أعطى الأمر بالتدخل العنيف.
وفي هذا السياق، من المهم الإشارة إلى أن السلطات الأمنية لكل الأقاليم بما فيها إقليم الباسك، تشتغل في حالة الطوارئ الصحية تحت وصاية وزارة الداخلية الإسبانية بصفتها المسؤولة الأولى عن أي خرق للقانون.
وفي انتظار صدور ردود فعل عن حكومة وبرلمان إقليم الباسك، وأيضا معرفة كيف ستتعاطى الأحزاب السياسية ذات التمثيلية الوطنية مع هذا الحادث المأساوي، استغرب المهاجرون
 المغاربة ومختلف الجاليات المقيمة في شبه الجزيرة الإيبيرية، تطرق القنوات التلفزيونية الإسبانية بشكل خجول ومقتضب جدا لحدث الاعتداء؛ إذ كان من المنتظر أن تخصص البرامج الصباحية المباشرة حيزا واسعا للخبر، وذلك على اعتبار أن مسؤولية رئيس الحكومة المركزية في مدريد، بيدرو سانشيز، قائمة لأن "المؤسسات الأمنية الإقليمية تحت إمرته بحكم قانون حالة الطوارئ الصحية".
وكان التحالف الدولي "بلا حدود للحقوق والحريات" طالب كلا من فرناندو مارلاسكا، وزير الداخلية الإسباني، والمسؤول الأول عن مصالح الشرطة في الباسك بـ"ضرورة فتح تحقيق في اعتداء الشرطة الإقليمية على مهاجرة مغربية وإبنها المصاب بمرض نفسي".
وكانت جريدة "أنفاس بريس" سباقة إلى إثارة هذا الموضوع الحقوقي بامتياز، بعدما نشرت مساء أمس الإثنين (30 مارس 2020) بعض التفاصيل، مشيرة إلى أن "الشاب المغربي المعتدى عليه كان عائدا إلى بيته القريب من مكان الاعتداء بعد شراء بعض الحاجيات من متجر قريب، ثم أوقفه شرطيان وحررا ضده مخالفة بسبب خرق الحظر المنزلي الصحي رغم أنه برر لهما سبب الخروج، وقدم لهما فاتورة المشتريات".
وجاء في خبرنا الأول أنه "عندما بدأ الشاب في الاحتجاج، انهال عليه شرطي بالضرب على الرغم من حضور والدته على وجه السرعة وهي تصرخ: إبني مريض من ذوي الاحتياجات الخاصة، ويتوفر على شهادة طبيب تؤكد مرضه".
وتتابع كل من السفارة المغربية المعتمدة في العاصمة مدريد والقنصلية المغربية في مدينة بلباو، عن كثب أدق تفاصيل ومآلات هذا الإعتداء، وما ستسفر عنه التحقيقات الأمنية لمعرفة حقيقة ما وقع في (حي سان فرانسيسكو)، علما أن السفارة المغربية هي في اتصال دائم ومباشر مع السلطات المركزية الإسبانية من أجل حماية كرامة المهاجرين المغاربة ضد أي تعسف أو شطط في استعمال السلطة.
 
 
بلاغ الإدانة الذي أصدره حزب Bildo