الاثنين 26 أكتوبر 2020
كتاب الرأي

جمال المحافظ :الأخبار الزائفة بوسائط التواصل بين التقنين والتربية الاعلامية

جمال المحافظ :الأخبار الزائفة بوسائط التواصل بين التقنين والتربية الاعلامية جمال المحافظ
في ظل انتشار فيروس كورونا المستجد تواجه وسائل الاعلام والاتصال ووسائل التواصل الاجتماعي في ظلالثورة الرقمية تحديات متنوعة، من بينها كسر احتكار الاعلاميين، لمجال الاخبار والمعلومات، وأجهزت التكنولوجيات الحديثة على التى راكمها الاعلام من مكتسبات على مر الأجيال وخاصة منها الصحافة المكتوبة التي كانت فاعلة الى وقت قصير في السيطرة على فضاءات التواصل وتشكيل الرأي العام.
واذا كان من إيجابيات التكنولوجيات الحديثة، تمكين مختلف الشرائح الاجتماعية من الحصول على المعلومات بنقرة واحدة على هاتف ذكي أو لوحة الكترونية، وبسهولة فاقت كل التوقعات، فان ذلك فرض على وسائل الاعلام والاتصال، التفاعل الايجابي مع هذه التحولات، عبر البحث عن السبل الكفيلة بضمان معالجة مهنية للسيل الهائل من المعلوماتالتي وفرتها الثورة الرقمية.
ومكنت هذه المتغيرات التقانية، من توسيع هوامش حرية التعبير وفضح الخروقات وتوسيع دائرة التضامن، ونقل مختلف الآراء، والرفع من منسوب الرقابة على السلط، يمارسها الرأي العام، وهو ما كرس بطريقة ما، نوعا من المساواة بين مختلف الفئات الاجتماعية بغض النظر عن مواقعها ومسؤولياتها، فضلا عن تعزيز دور " النضال الالكترونى" في نشر ثقافة حقوق الانسان على نطاق واسع والمساهمة في تكريس قيم الديمقراطية، واختراق أعتى الأنظمة المنغلقة.
غير أن هذا التحول رافقه بالمقابل، إشكالات سلبية عديدة، في مقدمتها ترويج الأخبار الزائفة وعدم احترام الحياة الخاصة للأفراد وممارسة الابتزاز والتضليل، مما يفرض على الفاعلين البحث عن الوسائل القمينة بالحد من التأثيرات السلبية لهذا النوع الجديد من التواصل، على أساس ضمان حرية التعبير والشفافية واحترام الحق في المعلومات، عوض الانزياح المبالغ فيه نحو تغليظ التشريعات والقوانين ومحاولات التقنين والزجر والتحكم في الفضاء الأزرق، أظهرت التجارب المختلفة محدوديته، بل وفشله أيضا.
وعلى مستوى الاعلام والاتصال، ساهمت الثورة الرقمية في افلاس بل وانقراض عدد كبير من وسائل الإعلام التقليدية خاصة منها الصحف الورقية التي وان استمر بعضها في الصدور، فانه يعيش في واقع الأمر "قصة موت غير معلن" ، ونتج عن ذلك، فقدان الآلاف من الصحفيين لوظائفهم، مما قلّص مصادر الأخبار التي كان يحتكرها الاعلام التقليدي من صحافة مكتوبة وراديو وتلفزيون، وهو قلصرغم توسع مساحات حرّية التعبير. من فرص الوصول الى الاخبار الموثوقة
فانتشار الأخبار الزّائفة التي تنتشر أسرع من الاخبار الموثوقة، بالشبكة العنكبوتية، وغياب الضمير السياسي للفاعلين والاتجار بالثورة الرقمية، كلها عوامل ساهمت في" زعزعة منظومة الإعلام الجماهيري وإنهاكها /.. / وتهديد أسس الديمقراطية " حسب أيدن وايت رئيس المنظمة الدولية للصحافة الأخلاقية الذى اعتبر أن الاعلام المقيد بالمعايير الأخلاقية"يعد ضرورة لكسب ثقة الجمهور، اعتبارالأن القيم الأساسية – مثل الدقة والاستقلالية والمعالجة المسؤولة للأخبار - التي تطورت على مدى الـ 150 سنة الماضية، تظل قيما ثابتة وعلى نفس الأهميّة، حتى في هذا العصر الذي تطغى عليه الرقمنة.
إن هذا الأمر دفع البعض الى اقتراح "تأسيس شراكة جديدة" مع جمهور وسائل الإعلام والاتصال وصناع السياسة، لإقناعهم بضرورة تعزيز دور الصحافة الأخلاقية، وباستخدامها كمصدر إلهام لوضع برامج جديدة للتربية على وسائل الاتصال والإعلام. غير أن المشكلة المطروحة في هذا الصدد، تكمن في أنّ الشركات الكبرى للتكنولوجيات الحديثة المهيمنة على سوق وسائل الإعلام والاتصال، تساهمبطريقة أو أخرى في ترويج المعلومات والأخبار، بدون التأكد من مصادرها الموثوقة، لأن ما يهما هو استقطاب أكبر عدد من نقرات المبحرين و" ليكات" في العالم الافتراضي، فضلا عن محاولات السلطة في التأثير على استقلالية وسائط الاتصال.
و للخروج من هكذا وضع هناك من يقترح " حلا وسطا " يتمثل في قيام مؤسسات التكنولوجيات الحديثة، بدور الناشر في هذا العصر الرقمي عبر تشغيل الصحفيين المهنيين الملتزمين بأخلاقيات المهنة، وذلك لمواجهة الخطر الداهم الذى يشكله تسويق المعلومات والأخبار الزائفة، كما يؤكد مخترع شبكة الإنترنت تيم برنرز-لي، الذى حذر سنة 2017 في رسالة مفتوحة، بمناسبة الذكرى 28 لإنشاء الإنترنت من الخطر البالغ الذي يشكله تسويق وتعميم المعلومات الخاطئة والاخبار الزائفة، ومن مغبة وقوع عالم الإنترنت تدريجيا تحت هيمنة الحكومات والشركات الرقمية أيضا.
الا أن العديد من الاسئلة تطرح في هذا السياق،خاصة على مستوى المحتويات ومضامين الرسائل المطلوب التقيد بها، وحدودهما وكذا طرق معالجة الاخبار والمعلومات، وطبيعة التشريعات والقوانين والتنظيمية، ومواثيق تخليق الممارسة الاعلامية والتواصلية، كفيلة بالتصدى لأمواجالأخبار الزائفة التى اعتبرها البعض بأنها أشد فتكا من فيروس كورنا المستجد.
لقد أبانتجائحة فيروس كورونا، الحاجة الماسة والقصوى الى يقظة اعلامية وتواصلية جديدة تمكن الرأي العام من التفاعل ايجابا الاجراءات والتدابير الاحترازية المتخذة للحد من انتشار كوفيد 19 المستجد والتي لاتمثل كل الحل، وانما جزءا من هذا الحل لرفع التحديات الصحية والاقتصادية والاجتماعية والاعلامية التي تطرحها خطورة جائحة فيروس كورونا التي باغتت العالم بانتشارها وخطورتها.
ان الظروف الصعبة التي تجتازها البلاد حاليا، هي فرصة لعلاج الكثير من الانحرافات من بينها ما طال المشهد الاعلامي، " جراء - ما كتبته اليوم الاربعاء احدى الصحف الوطنية بنسختها الالكترونية - التشرميل الذى يختفى وراء الانفتاح الذى أتاحته وسائط التواصل الاجتماعي، لن يكون في بلاغات التوضيح التي تناسلت في الآونة الأخيرة، بل بفرملة بعض المجارى " الاعلامية"، وذلك في ظل "مشهد منفلت تماما لا علاقة له بالإعلام ولا بالصحافة" في زمن " الحاجة الى الخبر اليقين والمعلومة الصحيحة.. عوض الهرولة نحو " البوز" و"الايكات"" حسب الصحيفة ذاتها.