الخميس 9 إبريل 2020
كتاب الرأي

خالد فضيل: مهام مرحلة ما بعد وباء " كورونا"

خالد فضيل: مهام مرحلة ما بعد وباء " كورونا" خالد فضيل
لا يختلف اثنان حول الاقتدار الذي أدارت وتدير به قمرة القيادة في المغرب ما نعيشه مع وباء كورونا المتجدد والذي بات تهديدا حقيقيا للجنس البشري فوق هذا الكوكب.
الدولة قرأت بسرعة فائقة تجربتان في مواجهة الوباء  تجربة الصين ومعها كوريا الجنوبية و تجربة إيطاليا ومعها إسبانيا وفرنسا و لعديد من الدول الأوروبية.
في الصين، التي لم تعد تتحدث بعد ماوتسي تونغ سوى لغة الاقتصاد، فضلوا صحة الناس على المصالح الاقتصادية الحيوية والاستراتيجية. وهنا ظهر أمران بالغا الأهمية فيما هو قادم من خيارات: قيمة الدولة ولا شيء سوى الدولة في مجابهة الأخطار واتخاذ القرارات الكبرى و قيمة الإنسان كنه الثورة الثقافية التي مازالت تسري بانسياب في مفاصل الدولة و المجتمع هناك رغم الكثير مما يمكن أن يقال عن التجاوزات في مجال الحريات و الديمقراطية.
  في أوروبا، و بدعوى حقوق الإنسان التي لم تعدو لديهم سوى نصوصا للتدريس بتفاهة وخطابا للتباهي بالتاريخ ومنصة للتعالي على المستعمرات السابقة وملاذا سياسيا لتأديب الخارجين عن قبضة التوازنات الدولية ومصالح أقطابها وتسويات صناع الخرائط الذين لم يعد يسمح لهم وجود أسلحة الدمار الشامل بحسم الكفة في اتجاه دون آخر، بدعوى حقوق الإنسان لم يغلقوا الحدود والمدارس وفضاءات التجمعات وهم في حقيقة الأمر كانوا يركبون خيار عافية الاقتصاد غير مكترثين بسلامة الناس إلى أن بدأت أرقام الضحايا و أعداد المصابين تنهك النظام السياسي النيوليبرالي وتبرز وحشيته أمام العالم. 
المغرب ، ورغم الإكراهات الاقتصادية الكبيرة التي دفعت الملك حد  الإقرار بفشل النموذج التنموي للبلاد ورغم  تكلفة الحظر الصحي الباهظة، لم يتردد لحظة وبادر بسرعة ودقة وكفاءة إلى اتخاذ كل التدابير الكفيلة بتحقيق خروجنا من هذه المحنة بأقل التكاليف البشرية على حساب الاقتصاد برمته. 
  هذا خيار نرفع له القبعات تقديرا لجسارته ويجعلنا نقف باعتزاز و نحن نقرأ على هوياتنا  أننا مغاربة بل و يدفعنا إلى دعوة أبناء جلدتنا الذين  يسخرون من بلادنا/بلادهم لأسباب واهية  ، دعوتهم إلى الوطن أو إلى أن يتفقدوا أفئدتهم التي لا تريد أن تعلم أن الأفضل بصدد أن يصنع هنا في الجنوب وأن الشمال لن يعيش إلا الأسوء مدة عقود بفعل بلوغ نظامه السياسي والاقتصادي والإداري مرحلة الترهل و السقوط . 
 لكن ، لكن يا سادة ، ونحن نفتخر بالمستوى العظيم في تدبير الدولة مرحلة الوباء و بالتضامن الاجتماعي الذي أبان عنه المغاربة وبأطر وأعوان الإدارة الترابية و بالأمن والدرك و القوات المساعدة وبالقائمين على الشأن الصحي الذين كانوا ومازالوا في خطوط التماس مع هذه الجائحة وبمن يسهرون على استمرار المؤن و خدمات المرافق والارتفاق  وبعمال النظافة ودورهم البالغ الأهمية في كل ربوع البلاد وبأغلبية المواطنات والمواطنين الذين التزموا بتوصيات لجنة القيادة ولزموا بيوتهم ، ونحن نفتخر بكل هذا وبكل هؤلاء ، علينا أن نتفق على أن  مغرب ما بعد كورونا لن يكون ،  بكل تأكيد، هو مغرب ما قبل الوباء.
 زمن الإعلام والبرامج والوجوه التافهة انتهى، فلن يقبل المغاربة بعد اليوم بمن كان  وما كان يستخف بهم و يحتقر ذكائهم و يتقاضى أجورا خيالية من ضرائبهم.لا مكان بعد الآن لتلك البلاطوهات التافهة التي تستقدم التافهين ولا لشيخات يعتبرن مؤخراتهن أفضل من مقدمة بن خلدون ولا "لفنانين" حولوا  شبابنا إلى حاملين للوهم والسماجة بدل حمل الحلم والإصرار  وشوهوا سمعتنا خارج التراب وأصبحوا يتصدرون مشهدا غيب فيه العلم والفكر والفلسفة وعلم الاجتماع والعمق والقيم ولا لصحافة تأتي بالسبق من القذارة عوض التعاطي مع المعضلات الكبرى للبلاد والناس. 
زمن الاستخفاف بالبحث العلمي وتيسير  خصوصة الصحة و التعليم  والطاقة قد إنتهى ، على الدولة أن تنفق على العلم والعلماء بنسب معتبرة من الناتج الداخلي الخام  وأن تستعيد  قطاعات  الصحة والتعليم والطاقة وتعمل على إصلاح منظوماتها وأن تمكنها من كل الإمكانيات ولو اقتضى  الأمر  تضحيات مادية من كل الفئات.
لقد تأكد الجميع أن المغاربة أمام القضايا الكبرى يمنحون بسخاء ودون تردد.
 زمن الأحزاب والنقابات والجمعيات التي أصابها الصدأ والكسل وثقافة انتظار السفارات والوزارات والدواوين والضيعات وتخلت عن العمق الفكري للسياسة وعن السند الاجتماعي للممارسة وعن استقلالية القرار وقوة التأطير والاقتراح وباتت عبئا على انتقالنا الديمقراطي وعلى ميزانية الدولة وعلى أداء المؤسسات وعلى ثقة الناس وعلى النقاء الذي نريد أن نستنشقه، زمنها إنتهى وجاء زمن الكفاءات والتطوع والخلق والسواعد والعطاء والإيثار ومنتديات القراءات النقدية للموروث السياسي ومسائلة الحاضر واستشراف المستقبل بنفس النهضة وعصر الأنوار وبكل إبداعات البشر في كافة الحقول.
من يريد أن يغتني فليذهب إلى بورصات القيم والاستثمار والتجارة والمقاولات لا أن يختبأ هو والمصالح والريع والفساد  وراء انتماءات منتقاة حسب مزاج  ورسائل الدولة .هذه أمور قد انتهت حتى قبل الوباء... 
 زمن التردد في حسم قضية العدالة الاجتماعية قد انتهى .فما عاد ممكنا أن يشاهد المغاربة تلك الفوارق المستفزة بين البذخ و الفقر المدقع أو أن يستمروا في انتظار عطف من استأثروا بخيرات البلاد .
لسنا في حاجة لتدابير البر والإحسان بل نريد سياسات عمومية تنتهي من الهشاشة وتضمن العيش الكريم للفقراء وتدمجهم في دورة الإنتاج وتحصن الطبقة الوسطى و تحفزها على الاضطلاع  بمهامها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بعد أن تتحرر من الفردانية ومنطق أنا ومن بعدي الطوفان ، سياسات عمومية تثمن راس المال الوطني و المواطن وتزيح من طريقه لوبيات تحترف شراء ذمة الإدارة و أشياء أخرى  لكي يبقى لديها حق الامتياز في الصفقات والثروة، تثمن الرأسمال الوطني و المواطن وتخرجه من الأبناك ليتحول إلى استثمارات وأوراش تنتج فائض القيمة  والإنصاف الاجتماعي  وتضع ضريبة على الثروة وحدا أقصى للأجور  يجعل فئات المجتمع تلتقي عند كل نداء من  الوطن.
 زمن الرقية الشرعية و ترقب رؤيات شيوخ الجماعات وتودد بركات الزوايا و أوامر حركات الخلافة و جماعات التقوى و التقية و كل من يقحم المشترك في السياسة ويخوصص الإيمان و يريد أن يتوسط بيننا وبين الله و يعبث بمصائر الناس و الأمم بفهم قبيح للدين و الدنيا معا، زمن هؤلاء إنتهى .نحن أنقى منهم و أورع ولا  توجد بين دعواتنا الصادقة والله حجاب.        
زمن الرهان الاقتصادي والتعاون الدولي مع فرنسا يبدو أنه يجب أن يراجع .رئيسها، و في شبه نوبة نيوكولونيالية واستعراض طفولي،  كاد أن يعطينا الأوامر .حس وزيرة السياحة الرفيع قد يكون أعادهم إلى السطر، لكننا سئمنا ريائهم وازدواجيتهم في التعامل معنا وتوزيعهم لأدوار البذخ والكي وطعناتهم الغادرة واعتقادهم أنهم يمسكوننا من قضية الصحراء.هم لا يعلمون، ربما ، أن احترام المغرب لالتزاماته الدولية اتجاه إيجاد تسوية سياسية سقفه مقترح الحكم الذاتي، مقترح الحكم الذاتي الذي كان أرقى عرض كفيل  برفع الحرج عن المنتظم الدولي والحجر عن قضية الصحراء لو كان المنتظم الدولي جادا في الانتهاء من مشكل عمر أكثر من اللازم لأن البعض في الأروقة مازال حبيس منطق معاهدة مالطا و السخف و جلسات احتساء الجعة و السيجار بين المال و السلطة و تجار السلاح في مزارع هنا و هناك على امتداد الولايات التي كنا أول من اعترف باستقلالها وتحول هي من خلال وثائق الحزبين الحاكمين فيها على الدوام ، تحول دون  حسم تصورها لقضية هي قضية وحدة ترابية ولا علاقة لها بشعار الحرب الباردة  عن تقرير المصير . 
 رئيس وزراء إيطاليا استنجد بالاتحاد الأوروبي من أجل إنقاذ نظام صحي هوى من هول الإصابات.كل الحديث الأرعن للرؤساء والوزراء والمساعدات الاجتماعيات، هناك، عن حقوق الإنسان،توارى وخرس وبلع لسانه، وفسحوا المجال لوجههم القبيح و لأنانيتهم المقيتة. أداروا ظهرهم لحليف تقليدي و استراتيجي من قلب أوروبا .ماذا سننتظر منهم  نحن  زمن الشدائد. 
  علينا، على الأقل ، تنويع شركائنا الاقتصاديين وفي العلاقات الدولية علينا أن ننظر نحو الصين و روسيا و الدول الصاعدة كلها ولربما إنجلترا و ألمانيا وكندا بحكم وضوحهم وما ينجزون.  
   خيار إفريقيا موفق رغم بعض المؤاخذات على أن نعيد صياغة علاقتنا مع مصر وسوريا وأن نجد مفاوضات مصالح مع إفريقيا الجنوبية و الجزائر. 
خيار أمريكا اللاتينية مهم كذلك على أن نتحدث بعمق مع كوبا فهي مدخل اللاتينيين.  
  لدي رأي فيما يتعلق بعلاقتنا بإسرائيل أكيد سوف أنال عنه مدفعيات ثقيلة من الشتائم و القذف واللعنات. فليكن.المثل يقول بأن الخطوة الأولى هي  دائما من  تدفع الثمن .
علاقتنا بإسرائيل يجب أن تخرج من دائرة منطق الحلال و الحرام وأسطوانات التخوين وأن نفكر فيها بمنطق احترام اتفاقيات السلام وحقوق الفلسطينيين و مصالحنا. 
غير ذلك سنبقى خائفين من الاقتراب من طابوه صنعه من يتنقلون في أفخم الطائرات والمطارات والفنادق ليتحدثوا عن قتلى وأسرى فلسطين تحت تأثير النبيذ الأحمر الفاخر وابتسامات جمال الشرق الأوسط.   
إذا كان هناك فرنكوفونيون فلا داعي لأن يقلقوا، مصالح المغرب تقتضي إعادة النظر في التحالفات الدولية دون أي مساس بالفركوفونية .
كل الاعتزاز ببلادنا التي ستخرج ، بكل تأكيد ،أكثر صلابة من هذه المحنة وهي تعلم أن الخريطة السياسية و الاقتصادية للعالم  قد تبدلت وأضحت  تستدعي اصطفافات جديدة رؤيا ثورية، براغماتية ، ثاقبة وجادة لعلاقتنا مع العالم .
قد يكون من الحكمة أن يتم إطلاق سراح كافة المعتقلين على  خلفية الاحتجاجات الاجتماعية والصحافيين، قبل انتهاء فترة الحجر الصحي، كمبادرة لتعزيز أجواء وحدة وطنية نراها تتشكل بالأسمنت المسلح هنا والآن ولربما  إلى الأبد. قد يكون قرارا حكيما، عظيما ومترجما لرحابة صدر البلاد إزاء مواطنيها ، سيتذكر أطفالنا والعالم كيف تصالح الدولة أبنائها رغم الجراح و كيف تلتزم بروح اتفاقات قادتنا لتجاوز أذى لحق كافة الأطراف  في غمرة غياب تصور للقواسم المشتركة  يصوغ ويصون مصالح كل المناطق و جميع الفئات .