السبت 7 ديسمبر 2019
كتاب الرأي

عبد الصمد فلكي: في الرد على من يدعون بعدم دستورية المادة 9 من قانون مالية 2020

عبد الصمد فلكي: في الرد على من يدعون بعدم دستورية المادة 9 من قانون مالية 2020 عبد الصمد فلكي

إن رفض المادة 9 من قانون المالية 2020، وصل إلى أن هناك من دفع بعدم دستوريتها، من منطلق المادة السادسة من دستور 2011، ولا سيما الفقرة الأولى منها، والتي تنص على مبدأ المساواة بين الاشخاص الطبيعيين والاعتباريين وكذا السلطات العمومية، من خلال النص التالي: القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، والجميع أشخاصا ذاتيين واعتباريين، بما فيهم السلطات العمومية متساوون أمامه، وملزمون بالامتثال له، في هذا الإطار.

 

أنا أتساءل، متى لم تكن مؤسسات الدولة ومرافقها غير متساوية في التقاضي مع الأشخاص الاعتبارية الأخرى ومع الأفراد؟ الذي لديه شك في الأمر يمكنه مراجعة أرشيف المحاكم الإدارية وقبلها الغرفة الإدارية. وأعتقد اننا في المغرب لنا باع طويل في هذا المجال، وتجربتنا يقتدى بها في العديد من الحقول القضائية اليافعة بعديد من الدول العربية وغيرها من الأقطار، ولا أحد ينكر تواجد الشخص العمومي في الدعوى الإدارية أو دعوى التعويض في نفس مرتبة الطرف الثاني من القضية، والذي غالبا ما يكون هو المدعي..

 

هناك استثناء عام كل رجال القانون على علم به، هو إعلان هيئة المحكمة بعدم الاختصاص عندما يتعلق الأمر بمقاضاة شخص الملك، ومعلوم أن هذا أمر يستند إلى الاحترام الشديد الواجب لشخصه، وكذا أن الأحكام تصدر باسمه، وبالتالي لا يجوز ولا يتصور حتى بالنسبة لغير متخصص قانوني، أن يتم أمر مقاضاة الملك للاعتبارات السالفة، وهو نفس الأمر بالتحديد عندما نتحدث عن صرح الدولة وهبتها، ومنظورنا لها كفضاء سياسي يضمن لنا المواطنة والاستفادة من شتى الخدمات، والحماية الأمنية والعيش في نظام واستغلال الممتلكات الفردية بكل طمأنينة، لذلك من المخجل جدا أن نقوم بطلب تحقيق مسألة الحجز على أموال وممتلكات الدولة، التي هي أموال وممتلكات كل فرد من المجتمع، وإيقاف كل الأنشطة المرفقية والتنموية، لأجل تنفيذ حكم بالتعويض غالبا يكون مبالغا فيه، هذا مع العلم أن المادة 9 من القانون المالي 2020 ضمت في طياتها كافة الضمانات لتنفيذ الأحكام بالتعويض من طرف مؤسسات الدولة؛ وبالتالي فالدولة تمتثل للقانون.. وهنا أيضا يمكن الرجوع إلى أرشيف القضايا التي صدر فيها حكم ضد الدولة مع أداء التعويض، وتم التنفيذ بدون مشاكل في حدود الإمكانيات المالية للمرفق، وبالتالي لا علاقة للمادة 9 من قانون المالية 2020 بعدم دستوريتها، وأنه على العكس من ذلك فهي تتماشى مع المقتضيات الدستورية بشكل سلس يجعل من صورة المغرب في هذا المجال صورة لامعة بخصوص تنفيذ الأحكام وأداء التعويضات المفروضة بأحكام قضائية.

 

أما ما يتعلق بالمادة 118 من نفس الدستور، فتفاديا للإطالة، فإن حق التقاضي مضمون فعلا لكل الفئات ولم يحدث قط أن منع أحد من هذا الحق، أو منع من الدفاع عن حقوقه ومصالحه التي يحميها القانون، ومحتوى المادة 9 لا يتعارض مع هاته الحقوق القضائية. بالعكس هناك ضمانات متعددة لصيانة حق الأشخاص في تنفيذ الأحكام القضائية لصالحهم بالتعويض المقرر ضد الشخص المعنوي العام، وإذا كانت المادة 126 من الدستور والتي تنص على أن الجميع يجب عليه احترام الأحكام الصادرة عن القضاء، وعلى السلطات العمومية أن تقدم العون والسهر على تنفيذها.

 

هنا انا أتساءل، هل الضمانات الواردة في المادة 9 من القانون المالي 2020، غير كافية ولا تمنح ارتياحا بكون الأحكام القضائية الصادرة بالتعويض ستنفذ وفق مسطرة إدارية محددة بالآجال والزمن؟ أليست ضمانات تصب في إطار تعاون السلطات العمومية وسهرها على التنفيذ؟ أليست للدولة سوابق في مجال التنفيذ بالتعويض كانت إيجابية وتصب في خانة صيانة حقوق الأفراد وتكريس دولة الحق والقانون؟ لماذا يتم إنكار كل هذا، والاصرار على مسألة وجوب الحجز على أموال وممتلكات السلطات العمومية، لضمان تنفيذ الأحكام بالتعويض المبالغ فيه أحيانا، ونسيان المصلحة العامة الواجب الحفاظ على استمراريتها، والتي هي من ضمن انتظارات الشعب؟

 

أعتقد أن الصعوبات الاقتصادية التي تعانيها الدولة والأزمة المالية الخانقة، وحدهما كافيين أن يقنعا المطالبين بتحقيق مسألة الحجز على أموال وممتلكات الدولة، بالكف عن هذا الهراء، يكفي ما نعانيه الآن من صعوبات اقتصادية، والدولة لا ولن تتحمل مزيدا من الوسائل التي ستعصف بمصالحها المالية المتبقية وتفلسها، المادة 9 بها ما يكفي من الضمانات لتنفيذ الاحكام القضائية بالتعويض، ولا مجال لإدخال المادة 138 من الدستور فيها لنعلن أن تطبيقها فيه مس بحقوق وحريات الأفراد.

 

والواقع أن كل الضمانات متوفرة لصيانتها، لا يمكن أن نعلن أن هناك مس بالحقوق والحريات فقط لأننا نرفض التطاول على مؤسسات الدولة بالمطالبة بالحجز على ممتلكاتها وماليتها

 

- عبد الصمد فلكي، إطار عال بوزارة الاقتصاد والمالية، أستاذ زائر بكلية الحقوق السويسي الرباط