الأحد 15 ديسمبر 2019
كتاب الرأي

لزرق: إخضاع أموال الدولة والجماعات للحجز تنفيذا لأحكام قضائية هو تهديد للاستمرار المرفق العمومي

لزرق: إخضاع أموال الدولة والجماعات للحجز تنفيذا لأحكام قضائية هو تهديد للاستمرار المرفق العمومي رشيد لزرق
خلافاً للأصل والقاعدة العامة التي تجيز الحجز على أموال المدين الذي يمتنع عن الوفاء بديونه، فإنه لا يجوز الحجز على أموال المرافق العامة وفاءً لما يتقرر للغير من ديون في مواجهتها، لما يترتب على ذلك من تعطيل للخدمات التي تؤديها.
ويستوي في ذلك أن تتم إدارة المرافق العامة بالطريق المباشر أو أن تتم إدارتها بطريق الالتزام، مع أن أموال المرفق في الحالة الأخيرة تكون مملوكة للملتزم، فقد استقرت أحكام القضاء على أنه لا يجوز الحجز على هذه الأموال تأسيساً على مبدأ دوام استمرار المرافق العامة، ولأن المرافق العامة أياً كان أسلوب أو طريقة إدارتها تخضع للقواعد الضابطة لسير المرافق العامة.
وهكذا فالمادة 9 من مشروع قانون المالية 2020 تقضي بمنع الحجز على أموال وممتلكات الدولة والجماعات الترابية بموجب أحكام قضائية قابلة للتنفيذ؛وهذه المادة اعتقد أنها تأتي إعمالا لنظرية استمرار المرفق العمومي، وأما احتجاج المحامين على الفصل 9 هو تعبير عن مصلحة فئوية؛ أكثر منها انشغال بتنفيذ الأحكام القضائية، لكون المشرع في مجلس النواب حاول التوفيق بين المصالح الفردية و المصلحة العامة في تحديد أجل 90 يوماً لأداء المبالغ موضوع حكم قضائي نهائي قابل للتنفيذ في حدود الإعتمادات المتوفرة خلال السنة المالية المعنية، لكن دون أن تخضع أموال وممتلكات الدولة والجماعات الترابية للحجز لهذه الغاية. وذلك لكون إخضاع أموال الدولة والإدارات العمومية والجماعات الترابية للحجز تنفيذاً لأحكام قضائية قابلة للتنفيذ، هو تهديد للاستمرار المرفق العمومي ولا يمكن بأي حال من الأحوال اعتباره إنكار للعدالة وتعطيل لوظيفة القضاء وللأمر بالتنفيذ الذي يصدر بأمر من أعلى سلطة في البلاد.
كما أن القول بمنح درجة تفضيلية للدولة، فهذا أمر متعارف عليه في القانون والقضاء كترجمة لمبدأ استمرار المرفق العمومي، وليس فيه أي مساس بثقة وبنظام العدالة وذلك، لكون المرافق العامة تقدم الخدمات للأفراد وإشباع حاجات عامة وجوهرية في حياتهم، ومصادرة أملاك الدولة قد يترتب عليه انقطاع هذه الخدمات والتي من شأنها إحداث اضطرابات في عمل المرفق العمومي.
لهذا بات من الضروري ضمان استمرار هذه المرافق وتقديمها للخدمات،ومن أجل ذلك حرص القضاء على تأكيد هذا المبدأ واعتباره من المبادئ الأساسية التي يقوم عليها القانون الإداري ؛ومع أن المشرع يتدخل في كثير من الأحيان لإرساء هذا المبدأ في العديد من مجالات النشاط الإداري، فإن تقريره لا يتطلب نصا تشريعيا؛ لأن طبيعة نشاط المرافق العامة تستدعي الاستمرار والانتظام. ويترتب على تطبيق هذا المبدأ عدة نتائج منها:
تحريم الإضراب، وتنظيم استقالة الموظفين العموميين، ونظرية الموظف الفعلي، ونظرية الظروف الطارئة، وعدم جواز الحجز على أموال المرفق العام.