الجمعة 22 نوفمبر 2019
كتاب الرأي

جمال المحافظ : إلغاء وزارة الاتصال بين الطرح التقني والمطلب الحقوقي

جمال المحافظ : إلغاء وزارة الاتصال بين الطرح التقني والمطلب الحقوقي جمال المحافظ

يبدو أن إلغاء وزارة الاتصال في النسخة الثانية المعدلة من حكومة سعد الدين العثماني التي أعلن عن تشكيلتها في التاسع أكتوبر 2019، مجرد قرار تقني أملته هندسة ترمي تقليص عدد وزراء السلطة التنفيذية أكثر منه استجابة لمطلب المهنيين والحقوقيين الذين ما فتئوا يعبرون عنه خاصة منذ المناظرة الوطنية الأولى للإعلام والاتصال مرورا بتحيين توصياتها سنة 1998 خلال حكومة "التناوب التوافقي" برئاسة عبد الرحمان اليوسفي.

وإذا كانت وزارات الإعلام لم يعد لها موقع في غالبية معظم بلدان العالم، ووجودها يتعارض مع حرية الصحافة والإعلام، كان من المفروض على الحكومة - وكما هو الشأن في اليدان الديمقراطية أو تلك التي في مرحلة الانتقال الديمقراطي - أن يتم اللجوء إلى هذا الإلغاء بعد نقاش عمومي، يشرك فيه المهنيون وأطر وموظفي القطاع عبر منظماتهم وهيئاتهم التمثيلية،وهو الأمر الذي عوض بقرار حكومي "سري" تحكمت في اتخاذه عوامل تقنية في مقدمتها الرغبة في تقليص عدد الوزارات.

غير أنه ما يغيب عن الأذهان، أن مطلب إلغاء وزارة الإعلام وبعدها وزارة الاتصال كان مطلبا مجتمعيا قبل أن يصبح قرارا حكوميا، إذ بالرجوع إلى أدبيات النقابة الوطنية للصحافة المغربية والتوصيات الصادرة عن مؤتمراتها منذ أواسط التسعينات، يمكن الوقوف عن ذلك. كما أن المنظمات الحقوقية كثيرا ما طالبت بإلغاء هذه الوزارة ورفع وصايتها على الحقل الإعلامي ووسائل الإعلام العمومية، والعمل على تفويت اختصاصاتها إلى الهيئات المهنية التمثيلية في إطار التقنين والضبط الذاتيين. 

   إن إحداث المجلس الوطني للصحافة أخيرا وقبله الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري ( الهاكا )وتوجه الإعلام العمومي من وكالة وسمعي بصري نحو " استقلاليته"، جعل صلاحيات الوزارة والوزير " صفرا على اليسار" في مجال تنظيم الصحافة وتقنين الإعلام والتحكم في مساره أيضا.
إلا أن المسألة في جوهرها لا ترتبط في حقيقة الأمر، بإلغاء وزارة الاتصال أو المحافظة عليها؛ ولكن الرهان مرتبط بمدى توفير حريات التعبير والصحافة والإعلام، إذ أنه رغم أهمية هذا الإلغاء،فإنه لا ينبغي أن يقتصر على طابعه الشكلي، وتفويت وتوزيع اختصاصات الوزارة على قطاعات حكومية أخرى، ونقل جزء من هذه الاختصاصات لتنظيمات ربما لازالت عاجزة عن ممارسة مهامها المحددة بالقانون.

إذن إن الإشكالية لا تكمن في إلغاء أو الإبقاء على وزارة ووزير، بقدر ماهي اشكالية مرتبطة بالبيئة العامة السياسية والثقافية والاقتصادية الاجتماعية التي يمارس في ظلها الاعلام والصحافة مهامه في الاخبار والتثقيف والترفيه، ووجود ديمقراطية، باعتبار أن ديمقراطية الاعلام بدون ديمقراطية سياسية حقيقية،"تنتج ظاهرة صوتية ومسخا مشوها"، ناهيك على فقدانهذاالاعلام لأي قدرة على لعب دور في التنمية أو التعبير عن الحريات، كما يعتبر البعض.

 

فعلى الرغم من أن الحق في الإعلام،أضحى حاجة ضرورية في ظل التحولات التكنولوجية والعولمة ولبنة أساسية لتدعيم مبادئ حقوق الإنسان، وأصبحتوسائل التواصل قوة ضاغطة رئيسية، لحماية هذه الحقوق وفرض احترامها وصيانتها.

      إذ أن لا تقدم ولا حماية لحقوق الإنسان، دون التوفر على إعلام حر وصحفيينمسلحين بالكفاءة والنزاهة الفكرية،وهو ما سيمكن من أن يساهمفي بلورة ثقافة جديدة لربح رهانات المستقبل ويمكن بالتالي من تقوية وتوسيع حرية التعبيروالإعلام، على قواعد احترام التعددية وضمان الاستقلالية والاحتكام الى شروط المهنية،مع الارتباط بالمجتمع وبقضاياه الحيوية.

لقد وضع الفضاء الرمزي المسمار الأخير على نعش الرقابة والدعاية التي يمكن أن تدعى وزارات الاعلام وملحقاتها بأنها يمكن القيام بها في ظل مجتمع الاعلام والمعرفة والسماوات المفتوحة، فالفضاء الأزرق، كما هو الشأن بالنسبة للقراءة، لا يمكن أن تخضع للرقابة،كما أنهذا الفضاء " لا يمكن أن يقف على أبوابه حراس".

كاتب صحفي