الثلاثاء 15 أكتوبر 2019
كتاب الرأي

صافي الدين البدالي: تقارير المجلس الأعلى للحسابات صيحة في واد

صافي الدين البدالي: تقارير المجلس الأعلى للحسابات صيحة في واد صافي الدين البدالي

في الدول الديمقراطية التي تحترم نفسها وشعوبها تقدم الحكومة استقالتها إذا ما اكتشفت أحد المؤسسات الرقابية المالية أو التشريعية فسادا ماليا أو اختلالات في التسيير أو عدم احترام قواعد النزاهة والشفافية في إسناد الصفقات أو المناصب أو وجود لمظاهر الرشوة أو تبديد المال العام؛ تقدم استقالتها وتعتذر للشعب، وتتم متابعة ومحاسبة كل من له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بمظاهر الفساد ونهب المال العام التي تم اكتشافها، وذلك انسجاما مع القواعد الديمقراطية الحقة التي بها تتقوي البلاد وتتقدم وتؤمن مستقبل أجيالها. أما في بلادنا فإننا نعيش العك، وإلا فما هو مصير التقارير الأخيرة للمجلس الأعلى للحسابات التي كشفت تورط مسئولين في نهب وتبديد المال العام والمحسوبية والزبونية في إسناد الصفقات وصرف الميزانيات باعتماد سندات الطلب ولو خارج القانون؟! إرضاء للمقاولات الصديقة، والتوظيفات المشبوهة والتستر على  الموظفين الأشباح!؟

 

كل القطاعات الحكومية التي شملها الافتحاص تحوم حولها شبهات الاختلاس وتبديد المال العام وانعدام الحكامة والشفافية في التسيير والتدبير. فهي تقارير ليست بالاعتباطية، تطغى عليها المزاجية أو التحامل، بل هي تقارير أعدت بمهنية عالية وبمنهجية علمية في تحليل المعطيات واستخراج النتائج.. فهي تقارير لها قوتها المسطرية والقانونية، استمدت خلاصاتها وملاحظاتها من الوثائق ومن  المستندات، وبإعمال مبدأ المقارنة مع القوانين والمراسيم التي تؤطر التسيير والتدبير للشأن العام في البلاد.

 

إن ما عرفته هذه التقارير من ردود أفعال، بالرغم ما تكتسيه من صبغة دستورية، وما كشفت عنه من جرائم مالية ومن غدر ومن تبديد للمال العام، كانت متباينة. فالحكومة واجهتها بالهروب إلى الأمام خوفا منها على انفجار الأغلبية  الحكومية، فالتزمت الصمت وكأن هذه التقارير لا تعنيها ولا تعني المغرب في شيء!! بل وكأنها تعني جزر الواقواق!! أما الأحزاب، خاصة المشاركة في الحكومة، فقد اهتزت غضبا، لأن هذه التقارير همت قطاعات هم مسئولون عنها، فاعتبروها تقارير من أجل المزايدة ومجانبة للصواب، بل أخذ بعضهم يشكك في نتائجها بدل أن يقدم هذا الحزب أو ذاك، الذين يهمهم الأمر استقالته من الحكومة ويحاسب أعضاءه، ويقيل رئيسه كما هو الشأن في الدول الديمقراطية والأحزاب التي تحترم قواعدها وتحترم الشعب .

 

لكن بالنسبة لأحزاب فيدرالية اليسار الديمقراطي، ومعها الرأي العام، فقد اعتبروا ما جاء في هذه التقارير يعكس فشل السياسة الحكومية المبنية على سياسة اقتصاد الريع ونهب المال العام وعدم ربط المسؤولية بالمحاسبة والإفلات من العقاب، وإن صدورها في هذه الظرفية إنما هو محاولة لفت نظر الرأي العام عما تعيشه الجماهير من عسر في العيش ومن تدهور الخدمات الصحية وفشل السياسة التعليمية وضعف القدرة الشرائية وانتشار الجريمة والفوضى، وما يعرفه القضاء من عجز في الحسم في ملفات الفساد المعروضة على محاكم جرائم الأموال؛ كما يعتبرون صدورها في هذا الظرف، إنما هو محاولة لململة المشهد السياسي من ركوضه ومن تأكله.. هي تقارير إذن كصيحة في واد، مثلها مثل آلاف التقارير التي سبق أن صدرت عن المجلس الأعلى للحسابات أو عن مفتشية وزارة الداخلية أو مجلس لمنافسة أوعن اللجان البرلمانية (تقارير عن المحروقات). إن مآل كل هذه التقارير هو الأرشفة ليس إلا. بل حتى ملفات الفساد ونهب المال العام التي أحيلت على القضاء عرفت تلكؤا وبطئا وتأجيلات غير معقولة حفاظا على مصلحة المتابعين ونزولا عند رغبة المتدخلين لصالحهم، حتى أن بعض المحكوم عليهم بالسجن بمراكش تم ترشيحه من طرف حزبه للبرلمان، فأصبح يمثل المغرب في المحافل الدولية التشريعية، كي لا يصل إليه القضاء ولا يطاله تنفيذ الأحكام!!

 

فالذي يتابع في هذا الوطن هو المواطن الذي يطالب بالكرامة وبالحرية وبالحق في الثروة الوطنية وبالعدالة الاجتماعية، فالتقارير ضده جاهزة وتنفذ في حينها دون تردد.

 

- البدالي صافي الدين، فاعل حقوقي وسياسي