الأربعاء 18 سبتمبر 2019
كتاب الرأي

الحسن زهور: صحيح لا تبديل لشرع الله في الإرث! لكن…

الحسن زهور: صحيح لا تبديل لشرع الله في الإرث! لكن… الحسن زهور

بعد أن هدأت الموجة القوية الأولى حول الإرث والشبيهة بتسونام الذي اقترب من الشاطئ المغربي، فخلف رجات حركت البرك الراكدة في العقلية المغربية والتي نسجت فوقها العناكب بيوتها بٱنسجة وهابية و إخوانية، تٱتي الموجة الثانية وهي أقل حدة بعد تغريدة أبنة الرئيس الأمريكي ترامب إثر إشادتها بمشروع قانوني مغربي يتعلق بمساواة الرجل والمرأة في الإنتفاع بالأراضي السلالية.

تغريدة فتحت الباب لدعاة التطرف للتهجم والتكفيركعادتهم، وفي نفس الوقت للنقاش الهادئ من طرف التنويريين لإضاءة العتمات التي يحرسهأ الخوف والترهيب الممارس على الفكر العقلاني المنفتح، وهذا النقاش العقلاني هو ما سيمهد السبيل ولو بعد عدة سنوات ليتسلح المغرب بالشجاعة التي تسلحت بها تونس حين أقدمت على تجديد قانون الإرث لتواكب تونس العصر الحالي.

ردة الفعل إزاء موجة الإرث الجديدة جاءت من أحد شيوخ السلفية والوهابية المتطرفة بالمغرب ممثلا في السيد حسن الكتاني الذي علق كاتبا حول المساواة : "إذا اعتمدت هذه المساواة فلم يعد هناك إسلام بالمغرب".
قبل الرد على منتقدي إصلاح قانون الإرث بالمغرب نبدأ بما كتبه السيد الكتاني لنذكره - لعل الذكرى ستنفعه ليرجع إلى تدينه المغربي- بتدين آبائه و ٱجداده الٱمازيغ الذين أخذوا بجوهر الدين كدين جاء لسعادة الإنسان وليس للحجر عليه (رغم أن الكتاني يقول بأنه وافد من شبه الجزيرة) فلم يطبقوا في أحكامهم قطع اليد أو الرجم أوالقتل بالثأر ...، بل احتكموا إلى أعرافهم وقوانينهم التي تعتمد على العقوبات المالية كما تفعل أوروبا اليوم. فهل انحرف آباؤنا وأجدادنا بتدينهم هذا عن الإسلام يا سي الكتاني؟ أم انهم بهذا الفهم للإسلام نشروا هذا الدين في السودان الإفريقي وفي افريقيا الغربية و نشروه متنورا ومتسامحا، ولم نسمع عنهم تعصبا ولا تطرفا إلى أن جاءت الجحافل الوهابية فغيرت هذا الإسلام المغربي الإفريقي إلى إسلام متطرف تعيش رعبه الآن دول جنوب الصحراء.

لنقل للسيد الكتاني وللذين يولولون ويصرخون خوفا على شرع الله حسب زعمهم من أي تجديد أوإصلاح وخصوصا قانون الإرث - و هو في الحقيقة خوف على مصالحهم وعلى إيديولوجياتهم السياسية المغلفة بالدين: هل إصلاح قانون الإرث بما يتماشى والمجتمع المغربي الحديث هو تغيير لشرع الله؟
أم أنه قراءة متنورة تدخل في ما يطلق عليه الآن " الإسلام صالح لكل زمان و مكان"؟

أي مراعاة الزمان والمكان في التطبيق إسوة بما قام به الخليفة عمر بن الخطاب حين عطل حد السرقة في عام الرمادة؟! وحين عطل حكم الزكاة التي تعطى للمؤلفة قلوبهم رغم حكمها الشرعي الواردة في القرءان، وحين عطل حكم غنائم العراق فلم يفرق أراضيها على الفاتحين حسب الشرع.

ثم يجب أن لا ننسى تديننا المغربي الذي مزج فيها أجدادنا الإسلام بثقافتهم حين عطلوا الحدود و عوضوها بالغرامات المالية و غيرها.
فإذا أصر هؤلاء المتعصبون مما نراه ونسمعه اليوم من التيار الإسلامي السلفي والسياسي على عدم تجديد الأحكام بما فيها قانون الإرث، فماذا سيكون جوابهم لمسلم متطرف يريد شراء "أمة" أو "أمتين"( حسب قناعتهم الدينية) أو أكثر من النساء ومن الفتيات الأيزيديات اللواتي حولهن إرهابيو داعش في سوريا إلى إماء وجواري مما أثار غضب العالم؟  فما موقف الشرع -كما يفهمه المتطرفون - شرع الشيخ ابن تيمية الذي يجعله الوهابيون و السلفيون وغيرهم إماما من أئمتهم؟ وجواب الشيخ أبن تيمية معروف هو " من ٱحل حراما وحرم حلالا فقد كفر" الذي اعتمد عليه إرهابيو داعش في فعلتهم الهمجية تلك.

فمن الذي سيمنع أمثال هؤلاء المتطرفين في بلدنا من استرجاع عصر الإماء والجواري؟ هل الشرع أم القانون؟ الواقع يقول بٱنه القانون و ليس الشرع، القانون الذي يسمونه هم القانون الوضعي هو من يمنعهم من ذلك، و هو الذي يصنف مثل هذه الأعمال ضمن الجرائم ضد الإنسانية.

 وسيجيبنا البعض ممن  أخذ جرعة زائدة من الحماس معتقدا أنه أسندت له حراسة الدين - و ما أكثرهم - بأن عصرنا هذا ليس عصر إماء ولا عبيد و بالتالي لا مندوحة من تعطيل هذا الأمر من الشرع بانتفاء الحاجة إليه نتيجة لتطور المجتمع الإنساني، نجيبه بٱن ما ينطبق على الإماء ينطبق بدوره على الإرث نظرا لتغير المجتمع من مجتمع ذكوري (مقسم الى ذكور لهم الغلبة و إناث مغلوبات على أمرهن، و إلى أحرار وعبيد وإلى خاصة و عامة، وإلى أشراف ورعاع..) إلى مجتمع حديث أي مجتمع المواطنة يتساوى فيه الكل ذكورا وإناثا باعتبارهم مواطنين لهم نفس الحقوق والواجبات. و إذا أضفنا إلى هذه المساواة في المواطنة مساهمة المرأة الفعالة في الانتاج الوطني و المحلي و في تحمل مصاريف الأسرة (إن لم نقل أغلبها في حالة عطالة الزوج). وفي تكوين و تنمية ثروة الأسرة، وهو ما فطن إليه أجدادنا الأمأزيغ حين أدخلوا المرأة كشريك في تكوين الأسرة في ما سمي في فقه النوازل ب " الكد والسعاية". وفي توزيع ثروة الأسرة التي تكونت بعد الزواح وذلك في حالة الطلاق، وهي ما أنكره وينكره السلفيون المغاربة و أدخلوه ضمن البدع حين أدخلوا الأعراف الأمازيغية كذلك ضمن البدع الجاهلية.

لنسر في طريق التنوير لنخرج أمتنا المغربية من وباء التطرف الذي يريد البعض من أبنائها الضالين أن ينتشر لينقضوا على السلطة باسم الدين و الدين منهم براء.