الأربعاء 18 سبتمبر 2019
جالية

ذكرى إنزال الحلفاء: الرئيس الفرنسي يرد الاعتبار لجنود المستعمرات

ذكرى إنزال الحلفاء: الرئيس الفرنسي يرد الاعتبار لجنود المستعمرات الجنود المغاربة الذين شاركوا في الحرب العالمية الثانية لهم اليوم تذكار في المقاطعة السابعة بباريس

"فرنسا تملك في ذاتها جانبا من أفريقيا. يجب أن تكون حياة هؤلاء المقاومين الأفارقة جزءا من حياتنا كمواطنين فرنسيين  ننعم اليوم بالحرية، دون تضحياتهم لما عشنا أحرارا " يقول الرئيس الفرنسي في خطاب بمناسبة الذكرى الـ75 لإنزال بروفانس، ألقاه  إيمانويل ماكرون الخميس الماضي  في بلدة "سان رافييل" قرب مدينة نيس. كرم فيه حنود المستعمرات الفرنسية السابقة  الذين شاركوا مع قوات امريكية وكندية في تحرير هذه المنطقة من الاستعمار النازي.

وحضر الخطاب الرئيسان الإيفواري الحسن واتارا والغيني آلفا كوندي، وعدد من قدماء المحاربين والمقاومين الفرنسيين وغير الفرنسيين الذين شاركوا في الحرب العالمية الثانية.

" لن نجد الكلمات الكافية لكي نعبر لهم عن امتناننا لما قدموه من تضحيات"، اضاف الرئيس الفرنسي الذي شكر كل المحاربين الذين جعلوا العلم الفرنسي بجميع ألوانه يرفرف من جديد"، متمنيا أن تجد هذه الحلقة من التاريخ الفرنسي مكانتها في البلاد.

الجنود المغاربة الذين شاركوا في الحرب العالمية الثانية لهم اليوم تذكار في المقاطعة السابعة بباريس وتم افتتاحه في أكتوبر 2015 هو من اجل الاعتراف بهذه الذاكرة وبهذه المشاركة، ففي العقود الأخيرة لم يكن الحديث  عن الانتصار في هذه  الحرب العالمية الثانية إلا عن دور  الجنود  الأمريكيين وباقي  الحلفاء الغربيين، من خلال  ما تنتجه  سينما هوليود وما يكتب  من طرف هذه البلدان  في كتب التاريخ والأدب  في تجاهل تام تقريبا  للآخرين و أي  اعتراف بما قام  به الاخرون في هذه الحرب من اجل الحرية  سواء المغاربة او الافارقة.

هؤلاء الجنود المغاربة والذين كان يطلق عليهم "الكوم"، تميزوا خاصة ما بين 1942و1944 سواء بتونس، وبعدها في إيطاليا في معركة غاريليانون، حيث تم تحطيم وتجاوز اقوى التحصينات التي انجزها الجيش النازي من اجل منع ولوج الطريق التي تؤدي الى روما. وفي فرنسا قاموا بتحريرباستيا بجزيرة كورسيكا ومرسيليا جنوب فرنسا من الاحتلال النازي تم بعد ذلك دخلوا الى ألمانيا كما هو مكتوب على هذه اللائحة التذكارية، الرئيس الفرنسي ايمانييل ماكرون دعى بهذه المناسبة لعدم نسيان هذه الذاكرة وهذا الدين  تجاه هؤلاء المقاتلين الافارقة  ودعى عمداء المدن والمؤسسات الى الاحتفاء بذاكرتهم وتخليدها في شوارعهم. وهي التفاتة من الرئيس الفرنسي نحو هذه الذاكرة  في محيط فرنسي واوربي يتميز بعودة التيارات السياسية الفاشية الى الواجهة بل  توجد  في عدد من الحكومات الاوربية.

إذا عدنا الى  كتابة تاريخ هذه الفترة إلى الأفلام والكتب  والأعمال حول هذه الفترة تركز على الدور الأمريكي على الخصوص  في هذه الحرب وعلى الحلفاء وتتناسى الجنود القادمين من المغرب وافريقيا وباقي العالم ودورهم في  هذه الحرب والثمن الغالي الذي تم اداؤه من اجل انتصار الحرية.

عند افتتاح هذا التذكار في أكتوبر سنة 2015 ، كنت من الإعلاميين المحضوضين بحضور هذه اللحظة   المتميزة  في العلاقات  التاريخية  بين المغرب وفرنسا والتي حضرها   جنديين رغم تقدمهما الكبير في السن ،عندما اقتربت من  الحاج حمو  موسيك للاطمان على حالته  نظرا لتقدمه الكبير في السن و الذي كان محاطا بعدد من قدماء العسكريين الفرنسيين بجلبابه المغربي الابيض، وكان على  صدره عدد كبير من الاوسمة العسكرية التي  ترمز الى مشاركته في عدد كبير من المعارك المهمة والتي كانت أساسية لربح هذه الحرب سواء في تونس،فرنسا وإيطاليا.

الحاج علي النادي  هو الاخر كان مبتهجا بهذا التكريم الفرنسي، ومازال يتذكر هذه المشاركة العسكرية بعدة جبهات سواء بايطاليا او كورسيكا. هو الاخر لم ينس هذه المعارك رغم مرور عقود. وكانا  بباريس  ليمثلا كل رفاقهم الذين رحلوا او  لم يسمح لهم السن والمرض أحيانا بالحضور وللاحتفاء بهذه الذاكرة.

هذا الاحتفاء أيضا جاء ليعزز العلاقات المغربية الفرنسية هذه الصداقة بين البلدين والتي يعتبر هؤلاء المحاربين رمزا لها ولاستمراريتها.

وقد شارك  في هذا الجحيم حوالي  85 ألف محارب مغربي استجابوا في تلك الفترة لدعوة جلالة المغفور له محمد الخامس وساهموا في انتصار الحلفاء على النازية والفاشية.

واعترافا من فرنسا بهذا الجميل  دعا الجنرال ديغول "العاهل المغربي  إلى فرنسا في عام 1945.... وخلال هذه الزيارة. قام الجنود المغاربة بالاصطفاف حول الشانزليزيه أمام جلالة المغفور له محمد الخامس". داعيا إلى حفظ ذكرى المحاربين "الذين ضحوا بأرواحهم على التراب الهولندي. وتخليد القيم التي ماتوا من أجلها".

الرئيس الفرنسي  السابق فرنسوا هولند عبر عن امتنانه  لهذه المشاركة لجنود  من المغرب العربي عند زيارته  لمسجد باريس  الكبير الذي  ساهم المغرب في بنائه بشكل كبير،  ويعتبر هذا المسجد  اعترافا  من فرنسا ومن مؤسستها العسكرية بمساهمة هؤلاء الجنود المغاربة والمسلمين في الحرب الأولى ، وقال هولند بهذه المناسبة:

"اعتمد الجنرال ديغول عشرة من الضباط والقناصة رفاقا للتحرير؛ وبرز واحد منهم، كان هو الملك محمد الخامس. فقد أراد الجنرال ديغول بهذا اﻻختيار أن يشير إلى أن رجالا قدموا من مختلف أنحاء العالم هم من ساهم في تحرير بلدنا، وأنهم سيبقون رفاقا إلى الأبد."..."صحيح أن هذه النزاعات ولّدت أخوّة السلاح، ويذكّرنا هذا المسجد الكبير بذلك. فقد نمت صلة وثيقة جدا بعد الحرب العالمية الأولى بين الٳسلام والجمهورية، من أجل الدفاع عن سيادة بلدنا وحريته."

"لذلك فٳن تكريم الموتى اليوم يتوجه ٳلى الأحياء أيضا. ٳنه دعوة إلى الاحترام، احترام موتى الأمس الذين قاتلوا من أجلنا، واحترام موتى اليوم من خلال واجبنا بتخصيص مساحات في مقابرنا لأتباع ديانات معيّنة."

بيننا وبين فرنسا دم مشترك، وهذا الاحتفاء بالجنود المغاربة سواء الذي تم بكورسكا مند 5 سنوات، بمسجد باريس مند 4 سنوات وبعدد من البلدان الاوربية، يعبرعن المشترك الذي يجمعنا بالبلدان الاوربية، من اجل التحرر من النازية والفاشية ومن اجل عالم تسوده الحرية والديموقراطية والكرامة والإنسانية. واستجاب لنداء الملك محمد الخامس اثناء الحرب الثانية 85 الف محارب مغربي. وساهمت الدماء المغربية وشجاعة جنوده على انتصار الحلفاء على النازية والفاشية.

الاحتفاء بدور هؤلاء المغاربة الذين ماتوا من اجل الكرامة ومن اجل تحرير الجمهورية الفرنسية، وهذا النصب التدكاري. يذكرنا جميعا  بهذه التضحيات لجنود مغاربة مسلمون ،هو درس اليوم لكل الحركات الفاشية التي تنتعش بفرنسا وباوربا والتي تدعوا الى حرب شاملة مع المسلمين وتدعوا الى صراعات حضارات شامل. نفس هذه الأفكار اليمينية الفاشية دعت الى النازية الى قيادة حرب شاملة في الحرب العالمية الثانية أدت الى موث عشرات الملايين من الضحايا. هذا التكريم وهذا الاحتفاء هو اليوم لتذكير بالقيم الإنسانية المشتركة، ولتذكير ان كل الحركات الفاشية والنازية التي تجعل من كراهية الأجانب ومعاداة الاخر قد فشلت في مسعاها. هذا الاحتفاء هو أيضا لتذكيرالأجيال الشابة بهذا التاريخ المشترك، وبهذه التضحيات الاستثنائية من اجل عالم حر وديموقراطي، عالم الحرية والديموقراطية، خاصة بفرنسا التي تنتعش بها الحركات الفاشية التي تتقدم في الانتخابات ،بل ان أفكار معاداة الإسلام والأخر تحررت بالاعلام، ووجد فيها بعض الإعلاميين والجامعيين رأسمالا لشهرة واصبح بيع الخوف للمواطنين بفرنسا تجارة جد مربحة على حساب هذه الذاكرة المشتركة.