الأحد 25 أغسطس 2019
كتاب الرأي

منعم وحتي:بشأن لغة تدريس العلوم

منعم وحتي:بشأن لغة تدريس العلوم منعم وحتي

بدون مزايدات، أنا من أنصار تدريس مواد العلوم والتكنولوجيا : فيزياء، علوم طبيعية، علوم تقنية،.... باللغات الأجنبية القوية.

و في المدارس والجامعات والمعاهد العمومية التي تهم غالبية أبناء المغاربة ومنذ الصغر.

فمن حق أبناء فقراء المغرب أيضا أن يدرسوا العلوم بلغات قوية، والترقي اجتماعيا في سوق الشغل.

وفيما يلي مبرراتي :

اللغة كائن حي، له منحنى حياة، كائن حي اجتماعي، يتغذى من توازنات و صراعات الحركة الاجتماعية٠ و يؤكد التاريخ الدور الحاسم لهيمنة الدول و من خلالها حضارتها، و كذا القبائل و الحسم العسكري في الحروب ، كعاملين محددين في طغيان و هيمنة لغة، اضمحلال أخرى أو حتى ٱنقراضها، دون إغفال عامل التماس بين لغتين و الذي يؤدي إلى تناقحهما بصيغ تبادل الكلمات و التراكيب اللغوية في جسم كل لغة، مما يزكي طرح أن اللغة كائن حي يمكن أن يمر من مرحلة الأوج إلى الاضمحلال٠

إن هذه المقدمة إحالة إلى النقاش الدائر حاليا حول الأفضلية اللغوية داخل فصول الدراسة، و الذي يستهدف رغم أهميته الكبيرة تحويل الرأي العام عن القضية الجوهرية للتعليم و استراتيجية إخراجه من المأزق الذي أدخلته إليه الخطط المخزنية و التي كانت ترمي بالأساس إلى ضرب مجانيته والتَّحَكُّمِ في المُتَعَلِّمِ و تعليبه تحت عباءة الدولة في غياب أي تأسيس لبنية تعليمية منتجة للكفاءة و التطور المعرفي الذي يرقى بالبنى التحتية وتحديثها٠

إن الاستناد على الأساس العلمي بكون اللغة كائنا حيا، يفرض على النقاش الدائر حول المناهج و الطُّرق التعليمية بالمغرب، الارتكاز على اللغات الحية الحامِلة للتطور والتي تُديرُ التكنولوجية الحديثة، حتى لا ننسلخ عن ركب التطور الحديث، لأن التشبث بتاريخانية اللغة التي يمكن أن تكون قد دخلت إلى المتحف، سيُغْرِقُنا لا محالة في تعطيل عجلة تحديث المجتمع، بحُكم أن اللغة وعاء التطور٠

هذه المقاربة لا تعفينا من التفريق بين اللغة الحاملة لعجلة التطور و التحديث من جهة، وكذا لغة التواصل المجتمعي الأكثر شيوعا في المحيط الداخلي من جهة أخرى٠

بناء على هذا النسق تستوجب المرحلة أن تكون اللغات الأجنبية القوية (الكولونيالية) لغات العلم و التعليم، لأنها الحاملة للتطور العلمي٠ في حين تصبح اللغة المحلية لغة التواصل الإداري و المجتمعي، ولا تناقض في ٱزدواجية لغة التواصل المجتمعي داخل التداول اليومي في مقابل لغة التطور العلمي في المؤسسات التعليمية.

إن اللسان المغربي له قدرة هائلة على التكيف و سرعة التمكن من اللغات نظرا لفسيفساء تعدده حضاريا، تاريخيا و عرقيا، وهي نقطة قوة أخطأت ٱختيارات الحُكْم قصدا توظيفها في المشهد التعليمي المغربي٠ِ

فاللغة التي لم تستطع أن تجد مرادفات لحقول سريعة التطور كالمعلوميات وعلوم التشريح والأوبئة والفضاء وعلوم النفس والصيدلة والموسيقى، أكيد أنها ستصبح لغات قديمة لتدريس التاريخ القديم، وستقطع أي علاقة مع التطور البشري، إنها لغات ستدخل للمتحف، كجزء من التاريخ البدائي لتفقد تدريجيا قدرتها التداولية بين الناس.

إن اللغة الفرنسية شعرت مؤخرا بِوَهَنِهَا الشديد مقابل بقية اللغات وخصوصا الإنجليزية، مما دفعها لإيلاء اهتمام بالغ بتطوير لغتها، وأسندت ذلك لمؤسسة سيادية عليا تحت مسمى "الاكاديمية الفرنسية"، حيث أضافت مؤخرا أكثر من 2000 كلمة جديدة وتجدد ذاتها سنوياً، وقد ألغت "الأكسون سيركونفليكس"، وتم تغيير حرف "ف" في مجموعة من الكلمات من "ph" إلى "F"، وحذفت حركة الربط بين الكلمات، إضافة إلى إزالة الحركة التي تسمى "شابو" عن المفردات مثل mûr التي ستكتب مستقبلا mur، أما كلمة oignon فستصبح ognon، وتغيرات أخرى لتصحيح أخطاء إملائية وصعوبات في النطق والكتابة وباستحداث كلمات جديدة.

ليس إذن المشكل باللغة العربية في استحداث مفردات جديدة أو تقويم جديد للغة، بل أن البعض يعتبر اللغة كائنا مقدساً وجامداً، بحيث ليست هناك هيئة علمية أكاديمية من متخصصي اللغة واللسانيات للاجتهاد وتطوير اللغة بما يخدم مسايرتها للتقدم التكنولوجي و العلمي البشري وتسهيل تداولها وترميم نقائصها، بل هي مشاعة بين عدة دول متنافرة الأهداف، إلى درجة تفسخها بغزو اللسان الدارج والسوقي لشرايينها، وبدل التطور المواكب للتقدم الحديث، أصبح اللسان المتداول أكثر حركية عليها.

 

إن اللغة العربية تحتاج لأكاديميين علميين ومتخصصين لتطويرها بما يلائم العصر وسرعة تقدمه، وإلا أصبحت تراثاً قديما لا يليق به إلا دخول متحف التاريخ، وليست مصطلحات الطبيخ باللسان الدارج من ستنقد توسع تداول اللغة العربية، بل المطلوب إغناء رصيدها اللغوي العلمي الحديث، ومعالجة تراكيبها وتخفيف صعوبة تعلمها ونطقها وطريقة إملائها، بما يضمن جماليتها وتوسعها، خصوصا أمام إكراه التخلف العلمي والاقتصادي للناطقين بها والذي يجعلها تحمل في جوفها بذور تخلفها عن ركب التقدم العلمي والتكنولوجي.

من المهم إذن إسقاط طابع القداسة عن اللغة العربية لأنها في نهاية الأمر أداة تواصل ووِعاءُ للتداول، عكس من يعتبرها أقدسُ مِنْ أن يمسها التغييرُ فقط لانها لغة القرآن، فاستعملوا عقولكم، إن المقصود بالنصوص هوِ الحكمةٌ الكامنةُ فيها لا النصوص بحد ذاتها أوِ اللغة التي كُتبت بها، فكم من ترجمة فاقت جمالية النص الأصلي.

فطوروا لغتكم بمحاكاتها بلغات قوية عكس زيادة أعطابها باللسان الدارج، فهي مهام أعمق مِنْ أن تُسْنَدَ للهواة يعبثون بها.

إذن فبعيداً عن العاطفة قريبا من العقل :

- إنني مع اللغة الأم في المراسلات الإدارية.

- إنني مع اللغة الأم في التعامل القضائي.

- إنني مع اللغة الأم في تحرير العقود التجارية. -

- إنني مع اللغة الأم في شعب تدريس العلوم الإنسانية.

- إنني ضد استعمال اللغة الأم في تدريس العلوم والتكنولوجيا الدقيقة، ولغتنا بهذا الضعف والتأخر وعدم القدرة على مسايرة التطور العلمي واصطلاحاته ودينامية البحث العلمي ومتطلبات الشغل.

يفرض الأمر تحيين مواقفنا، وحتى الموروثة عن الحركة الوطنية فيما يخص تعريب لغة تدريس التكنولوجيا الحديثة، لأننا نحتاج لمدة طويلة لتغيير بنية لغتنا لتواكب التطور العلمي، بالمقابل فتوحيد المناهج واللغة ضرورة قصوى وفق النسق أعلاه، حتى لا يستأثر أبناء علية القوم بسوق الشغل.

ملحوظة على الهامش :

حين سؤال الكاتب الجزائري الكبير «كاتب ياسين» عن موضوع اللغة، كان دقيقا في الموضوع بقوله: «إنّ اللغة الفرنسية كانت غنيمة حرب»، فاللغات الأجنبية غنائم لتطوير التكنولوجيا الحديثة ببلداننا.