الاثنين 18 نوفمبر 2019
كتاب الرأي

محمد الشمسي : بلجيكيات كشفن عن سوءاتنا والسؤال هو " شكون فينا خاصو يحشم ؟ "

محمد الشمسي : بلجيكيات كشفن عن سوءاتنا والسؤال هو " شكون فينا خاصو يحشم  ؟ " محمد الشمسي
قطع عدد من الفتيات البلجيكيات آلاف الكيلومترات لتصلن إلى قرية نائية يجهل منتخبوها والمسؤولون عنها مكانها في الخريطة ، وقررت الفتيات أن تتكلفن بتبليط مسلك من مسالك القرية المنسية ، لجعله صالحا يعبر عليه آدميون لا يراهم رئيس جماعتهم القروية هناك كذلك ، هؤلاء الفتيات "النصرانيات" رقت قلوبهن لحال أهل تلك القرية ، فاقتطعن من مالهن وحملن "البالات" ودفعن "البراوط"، وخلطن الحجر والرمل والإسمنت، فصنعن "البغلي" وقمن بأشغال شاقة فو ق طاقاتهن، حتى إذا ما أمطرت مياه الخير ذات فصل شتاء، مشى المارة على المسلك بلا وحل ولا ماء، لعلها تجربة إنسانية رفيعة، لكن الذي صدر عن بعض الغربان أنها نعقت نشازا ، فمنهم من لم يثره في العملية غير لباس الفتيات، وآخر رأى في فعلهن الخيري والتطوعي "إهانة للدين"، وقد صدمت شخصيا للمنحدر الذي انحدر إليه النقاش ، حين تفادى "المتعالمون" حجم الإهمال الذي تعيشه تلك القرية، وتفادوا القيمة الحضارية النبيلة لردة فعل فتيات آثرن العمل تحت قيظ حار، وصوّب "المتعالمون" أعينهم صوب لباس الفتيات، واعتبروه "مسيئا للإسلام " و" تغريبا لمنطقة محافظة" ولم يبق لهم غير وصف الفتيات بأنهن "مدعومات من طرف جهات خارجية"، وإذا كان البرلماني قد لبس ثوب الحرباء حين حاول التخفي برأيه المتطرف خلف خوفه المزيف على بشرة وجلد الفتيات من لسعات الإسمنت، فإن المعلم الذي تستأمنه الأسر على تربية فلذات أكبادها "خرج ليها نيشان"، وأفتى فيهن بما أفتى .
من أساء للإسلام يا "عولاما" ؟ أهن فتيات حاولن بالمال واليد والسواعد تغيير شيء من "منكر تهميش قرية" أم منتخبوها الذين لم يكلفوا أنفسهم حتى حمل "بالة " أو دفع "برويطة" من باب "لعوين"، وقعدوا بعد ذلك يلسعون الفتيات بألسنتهم المسومة ؟ من يستحق نعت "التعري"، هل هن الفتيات اللواتي وصلن إلى تلك القرية بشق الأنفس، وعرين على واقعها ، ورغبن في إصلاح ما يمكن إصلاحه فيها وبـ"القليل الممكن"، أم هم القوم الذين عروا أهل القرية وسرقوا أصواتهم وتركوا مسالك القرية كما كانت؟ من الذي يحاول خدش حياء القرية المحافظة؟ أهن فتيات قررن العمل بأنفسهن في أعمال البناء المنهكة، ولم تستقدمن عمالا ولا أجراء أم الكسالى من المسؤولين الذين لم يشدهم شيء في الخطوة المثالية غير سيقان الفتيات ؟ ... ثم على ماذا يبقى الدوار "محافظا" ؟ هل على الإقصاء والتهميش والتناسي ؟ لنخلص إلى سؤال "شكون فينا خاصو يحشم فعلا ؟".
نشعر فعلا بكثير من المرارة وفينا وبيننا من يرد الجميل بالعار والقبح، ونشعر بكثير من الخجل من التاريخ ومن الحضارة ومن الإنسانية ونحن نرى كيف أننا نبصق في وجه من يفعل فينا خيرا، ونحس بكثير من الخوف على حجم التطرف الذي بات بعضنا يجاهر به، والأخطر في ذلك حين نرى من كاد يكون رسولا يتحول إلى متطرف، ومن اختارته الأمة ليمثلها في سن وتشريع قوانين تحارب الغلو بات يقود حملة الغلو تلك ، فلو جاءتنا من أحد "العامة " لهانت، لكن أن يصدر التطرف عن ممثل للعلم والمعرفة من جهة، وعن ممثل لسلطة دستورية مرتبطة بصناديق الاقتراع التي تحيل على الإرادة الشعبية، فذلك يستحق فتح دراسات موضوعية وأكاديمية للبحث في مكامن الخلل والعطب، كيف تسللت إلى دمائنا صفائح "الدعشنة" وهاهي تقودنا إلى الإساءة إلى تاريخنا وأمتنا وإنسانيتنا، فبالأمس ذبح رهط منا سائحتين مسالمتين اختارتا المغرب للاستضافة و للراحة والاستجمام من دون دول العلم ، فغدرنا ب"ضيفتي الله" في جريمة مقيتة مقززة بشعة وحشية ولا تنفع كل مصطلحات اللغة في وصفها وإدانتها، حد المطالبة بتنفيذ عقوبة الإعدام في حق المذنبين علنا وفي ساحة عمومية، واليوم ننعش "الدعشنة" في دواخلنا من جديد بخطاب كريه بغيض حقير، يجعل غيرنا محق في تصنيفنا في قوائم خارج الإنسانية .
ليت رسالتي هذه تجد طريقها إلى الفتيات المعنيات، أشكركن بعدد حبات حصى الرمال والحجر، وذرات الإسمنت، وجزيئات الماء، التي استعملتموها في عملكن البطولي ، فلا يعنينا طول المسلك الذي بلطتموه، بل تعنينا الفكرة والخطوة والمحاولة، وحُبّكُن للمغرب الذي لم تدخلنه مجرد سائحات متفرجات أو منتقدات، بل دخلتُهن عاشقات لترابه، فعلا تستحققن وساما وتشريفا وتحية تقدير واحترام، ومن يعيركن بلباس أو مظهر،فنخبركن أن كثيرا من أهل "اللباس الشرعي" عندنا تورطوا في الاحتيال على الخلق، ومنهم من ضبط في قارعة شاطئ يمارس الرذيلة علنا، ثم إن الله لا ينظر إلى الأجسام ولا إلى الصور بل ينظر إلى القلوب، وأنتن صاحبات قلوب فسيحة تتسع لكل هذا العالم بما فيه الفتانون المغالون، فنحن المغاربة أهل الكرم والجود وضيوفنا تيجان فوق رؤوسنا، ومن له مشاكل مع سراويل نسائية قصيرة فليزر أقرب طبيب نفساني، يعالج قصوره وكبته، ويقينا شر قلمه ولسانه، ومن لم يواجه الخير بالخير فليرحمنا بسكوته.