الأحد 18 أغسطس 2019
كتاب الرأي

مصطفى المنوزي : هل تحققت القطيعة مع الماضي أم مع المستقبل ؟

مصطفى المنوزي : هل تحققت القطيعة مع الماضي أم مع المستقبل ؟ مصطفى المنوزي
ما الذي تحقق خلال عقدين من حكم الملك محمد السادس، ومالذي لم يتحقق  ؟  سؤال لابد من معالجته من زاويتين، الأولى، زاوية انتظارات  المجتمع، والثانية  زاوية اعلانات الملك والتزاماته، فمن حيث زاوية الإنتظارات، فقد تضخمت انتظارات المغاربة، الى درجة الإجماع، ما عدا طبعا « لوبيات » الإستفادة  من «دولة المصالح » على عهد سنوات الرصاص، وعلى رأس هذه الانتظارات  القطيعة مع العهد البائد ، وكان الإعتماد والرهان على الملك « الشاب » الذي  ستساعده حكومة التناوب التوافقي على التحرر من جلباب أبيه، وهي مطالب تفاعل معها مهندسو العهد الجديد، وحاولوا بلورة « دفتر تحملات » ، كانت أهم عناوينه البارزة ، « المفهوم الجديد للسلطة »، ملك « المبادرة الوطنية للتنمية البشرية » و « الفقراء » ، الإصلاح المؤسساتي  وخاصة  منظومة العدالة  ومن خلالها تطوير القضاء الإداري  والدعوة من خلال أول  دورة افتتاحية للسنة القضائية ليوم 15 دجنبر 1999 ، الى تأسيس مجلس الدولة كأعلى هيأة  قضائية  في سلم  قضاء  الشرعية والمشروعية  ضدا على  « شطط »  الدولة والمؤسسات العمومية ، بما يشبه الحنين الى  مطلب ازدواجية القضاء كمدخل لتصالح القضاء مع المجتمع والمواطنين  ، تمهيدا لدسترة  استقلالية القضاة والقضاء  واكتسابها  مكانة السلطة  بدل الجهاز  « التابع » للسلطة التنفيذية ،  وهذه الزاوية الثانية  التي  تفاعل معها الحقوقيون  وضحايا ستوات الرصاص  وأسسوا  منتداهم المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف  في خاتمة 1999 ;  وأسسوا مع حلفائهم  في الطيف الحقوقي  لإرهاصات  تعاقد جديد  بين  الملك الجديد  والمجتمع  على أساس  شرعية  تحديث الدولة  والقطيعة مع الماضي ، من خلال  دمقرطة الإنتقال السياسي  والإصلاح الدستوري والتشريعي والمؤسساتي  وجبر الضرر الفردي والجماعي  والتأسيس لضمانات عدم تكرار ما جرى من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ، فدون الحاجة الى الإستعمال المفرط للشرعية التاريخية والدينية  ، كان مطلب « الإنصاف والمصالحة » بمثابة  إلتزام من قبل الملك محمد السادس يوسس عليه شرعيته المتجددة ، وبالتالي شهد المغرب  مسلسل  معالجة انتهاكات الماضي  عبر تأسيس هيأة الإنصاف والمصالحة  ، التي شكلت توصياتها وتقريرها النهائي  اقترانا مع تقرير الخمسينية حول التنمية  نقدا ذاتيا  لممارسات الدولة  « التسلطية » ، وفي ضوئها أبرمت التسوية  السياسية  ، وانطلق ورش الإصلاح والقطيعة مع الماضي ، توج تأطيره  بوثيقة  فاتح يوليوز 2011  ، كمشروع  وتمرين  لترسيخ  صك الحقوق والحريات  ، والذي لعب فيه حراك الفبرايريين  دوا هاما في التأثير على هندسته  ، ايجابا وسلبا ، فهل تحققت انتظارات  المجتمع والمواطنين  ؟  وهل التزم  الملك  بمقتضيات  دفتر تحملاته  الذي يروم  تإكيد شرعيته من خلالها ؟
أعتقد أن  المقاربة الأمنية ظلت تتطاوس  في ثنايا إرادة « التغيير » وحالت دون تحويل إعلان النوايا إلى  التزامات نافذة ، ولعل ما جرى في  مؤامرة  16 ماي  2003  ، وتلكؤ الدولة في تنفيذ توصيات هيأة الإنصاف والمصالحة ، واحتكار الدولة لتدبير القضايا المصيرية  ، وتسليم  تدبير الشأن الحكومي  لليمين الحزبي /الإداري  ذي العلاقة المتذبذبة مع  القانون الدولي لحقوق الإنساني  والتاريخ الحقوقي للعدالة الإنتقالية ، الذي أبرم  « تسويات » خاصة مقابل  طمأنة  بعض الجهات وذلك بإصدار قانون حصانة العسكر  ، كصك يشرعن للافلات من العقاب ، بغض النظر عن  تمييع المشهد السياسي  ، وتبويء  رجال إقتصاد الريع  مواقع فوق القانون  ، بصرف النظر عن تهريب  مطلب الملكية البرلمانية  ومدنية الدولة وتأجيل  « عدالة » الإنتقال الدمقراطي   ، باعتماد  « التدرج » الذي يفرضه  المخطط التشريعي  ، ليظل  محرك تنزيل  الدستور مشتغلا ببطاريات دستور 1996 ; ولكن مع ذلك  لابد من الإقرار بأن هناك ملامح التميز  بين العهدين ، فقد رفع الخوف وانتعشت حرية التعبير  المشروطة  بمقتضيات  « كل ما من شأنه  » النائمة كالفتنة  في  ثنايا  التحول المعاق ، الذي يصور مطلب الأمن القضائي والحكامة الأمنية   خطرا يهدد  استقرار الوطن  ،  ويمس بأسطورة « الإستثناء المغربي » ،
غير ان ضمور  الحس الدمقراطي  واستغراق  النضال الانتخابي   للنضال الدمقراطي العام  ، واختزال  التشكيلات الحزبية  وصراعها  في تقاطب   ثنائي  مفتعل ، وما نتج عنه  من  انعكاس سلبي على  المسار   السياسي  والمصير  الأجتماعي للحقوق والمكتسبات  ،  جعل  المناطق والجهات  تنتفض  ضد المركز  ، ليس بالضرورة  على شاكلة   ثنائية  السيبة  والمخزن  ، ولكن   في صيغة  حروب صغيرة  داخل  المربعات  والأجهزة   التابعة  او  المتواطئة  ، حيث كل جهة تحاول دعم او توظيف الحزب الذي ينوب عنها بالوكالة او الفضالة ،    ولعل  ما يجري  في شمال  الوطن   لدليل على أن  مطلب  دولة  الجهات  يمشي على رأسه  ،  والخلل  والحل  معا لن  يخرجا  عن  ضرورة  إعادة  توضيح الأدوار   بين رأسي  السلطة  التنفيذية  ،  المقترن  بأهمية  رد الإعتبار للشرعية  الدمقراطية  الخالصة  من  أي وهم  أو إستيلاب  باسم  حصانة الشرعية الدينية  او التاريخي،  فهذا  الإشكال هو  الذي  سيعيد  التاريخ  به  ذاته  في صيغة   فوبيا  تكرار  الماضي  وانبعاث  مقتضيات  العهد البائد .
ولعل  مظاهر التشكيك الذاتي في  قوة الدولة  في العلاقة مع استباب الأمن وفرض الاستقرار  ،  واعادة طرح سؤال  استرداد الهيبة ، وما رافقه  من تغيير  الدولة لفرق  مطافئها  " الحقوقيين  "  مع بروز  ادوار  جديدة  تروم  تبييض  سجل  الانتهاكات ومحاولة تبرئة الذمة ، واستشراء الشعبوية  مقابل تفاقم المظلومية  بهدف  الجذب أو امتصاص النقمة  ، كل هذا يؤشر  لعودة فزاعة السكتة القلبية  ناهيك  عن تغول بعض رجالاتها  ، في وقت  فشل  الانتقال " العظيم  " في تدبير  لحظات  انتقال  الانتقالات  (سياسية ودمقراطية ودمغرافية ) ، وبذلك  استكملت العملية السياسية المرافقة للعهد  المحمدي دورتها  الحلزونية  دون تفعيل  وتنفيذ  لكل الوعود  المعسولة  والتسويات الناعمة .