الثلاثاء 20 أغسطس 2019
كتاب الرأي

عبد الحفيظ ادمينو: لن يتم تحرير المشاريع إلا إذا نجح المغرب في ربط الوظيفة بأداء الموظفين

عبد الحفيظ ادمينو: لن يتم تحرير المشاريع إلا إذا نجح المغرب في ربط الوظيفة بأداء الموظفين د.عبد الحفيظ ادمينو
الجيل الجديد من الإصلاحات الإدارية يركز على البعد القيمي، بمعنى أن أغلب إصلاحات وتحولات العالم الإداري اليوم انطلقت منذ نهاية التسعينيات في أوروبا وغيرها، والتي تركز على الحكامة، ليس من زاوية البعد التنظيمي، أي قواعد القانونية والشفافية، وغيرها، ولكن من زاوية بعدين أساسيين: البعد الأول يتمثل في التوجه نحو دمج البنيات الإدارية، حيث لاحظنا منذ 2002 في أوروبا، وخصوصا في الدول الإسكندنافية، توجهها نحو عملية الدمج الإداري، أي دمج مجموعة من الوحدات الإدارية للتقليص من تعدد البنيات الإدارية، لأن الحكامة تتطلب ذلك، كما اتجهت فرنسا منذ 2007 إلى تشكيل ما يعرف بالأقطاب التي لا تعير أهمية كبرى لتخصص البنيات الإدارية بقدر ما تركز على تقاطع البرامج والخدمات العمومية، حيث تم الحديث حينها عن الأقطاب الإدارية المالية، والأقطاب الإدارية الاجتماعية، وهو الأمر الذي نسميه اليوم بالتقائية الخدمات الإدارية، وهو ما يعني أن المواطن مفروض عليه لما يلج إدارة عمومية الاتصال بعدة إدارات عمومية من أجل الحصول على خدمة عمومية.
المغرب اليوم منخرط في عدة برامج للتحديث الإداري، مع البنك الدولي ومع منظمة التعاون والتنمية، ومع الاتحاد الأوروبي، وكلها برامج تحاول توحيد مفهوم الخدمة العمومية، وكل الإصلاحات التي تنهجها مختلف الإدارات عبر العالم، لكن يبقى المشكل مرتبط بالممارسة.
الإدارة المغربية كانت منخرطة في الخطاب الإداري الإصلاحي، دون أن ينعكس ذلك على الممارسة، وقد ظل هذا الخطاب يتردد مع تعاقب الحكومات.
وإذا أخذنا على سبيل المثال الحكومات المتعاقبة منذ حكومة التناوب إلى اليوم سنجد نفس الخطاب، نفس البرامج الإصلاحية (تبسيط المساطر الإدارية، تقريب الخدمة العمومية من المواطنين، تحسين الاستقبال..). ولابد من الإشارة إلى أن الإدارة تمكنت من خلق وسائل لمقاومة الإصلاحات، علما أن جزءا من الإصلاح الإداري لا يتوقف على جودة البرنامج، أو جودة التطبيقات التي سننهجها، بقدر ما هي مرتبطة بالموظف الذي يفترض فيه المساهمة في تطوير الإدارة، في حين أننا نجده خارج خطاب الإصلاح، حيث ننظر إليه فقط من زاوية كثلة الأجور فقط، بمعنى نتعامل معه بطريقة سادية، وبالتالي من الطبيعي أن لا يتفاعل هذا الموظف مع عدد من الإصلاحات، بل إنه من الممكن أن يقاومها.
ولاحظ معي أيضا أن قانون الوظيفة العمومية منذ عام 1958 إلى اليوم هو قانون يحمي الموظف ولا يحمي المواطن، فهو دائما يكرس حقوق وضمانات وواجبات الموظفين، مع غياب تام للمرتفق في النصوص القانونية. وقد حاول مشروعا القانون اللذان طرحا خلال هذا الأسبوع خلال المجلس الحكومي (ميثاق المرافق العمومية، مشروع قانون يتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية) إعادة التوازن في علاقة الإدارة بالمواطن، إذ أصبحنا اليوم نعاين تبني المقاربة الحقوقية التي تضمن حق المواطن.
ولكن لابد من إشاعة ثقافة إدارية لدى الموظفين الذين إذا استمروا في تبني المقاربة السابقة نفسها في التعاطي مع المرتفقين، رغم أهمية النصوص القانونية الصادرة. فمن المؤكد أن الحكومة القادمة ستطرح من جديد مشكل تبسيط المساطر الإدارية، فالنصوص القانونية في نهاية المطاف هي خلاصة توصيات المنظمات الدولية ومكاتب الدراسات، والتي تواجه بالفشل بمجرد صدروها بسبب رفض الموظفين تطبيقها، وأعطي مثال الدلائل المرجعية للوظائف والكفاءات، والذي انخرطت فيه جميع القطاعات الحكومية منذ نهاية التسعينيات. ولكن السؤال هل يتم تفعليها داخل الإدارات العمومية؟ لا يتم تفعليها بسبب مقاومتها، علما بأن هناك تقييما للموظفين يطبق على من يوجد خارج السلم وأيضا على «الشاوش». بمعنى أن الإدارة العمومية تفتقد لآليات لتقييم كفاءات وأداء الموظفين.
وأعتقد بأن الإدارة العمومية إذا نجحت في ربط الوظيفة بأداء الموظفين، فمن المؤكد أنها ستنجح في تحرير العديد من المشاريع.

د.عبد الحفيظ ادمينو، أستاذ القانون الدستوري بجامعة محمد الخامس بالرباط