الأربعاء 18 سبتمبر 2019
سياسة

عبد الرحيم عنبي: الإدارة بالنسبة للمغربي هي مؤسسة تمثل المخزن

عبد الرحيم عنبي: الإدارة بالنسبة للمغربي هي مؤسسة تمثل المخزن الأستاذ عبد الرحيم عنبي مع مشهد من داخل إدارة عمومية

لما نتحدث عن المجتمع المغربي، فنحن نستورد مقاربات نشأت في سياقات مختلفة، فهناك أولا تفاوت تاريخي بيننا وبين الغرب، فلا يكفي أن نرتدي البدلة وربطة العنق لكي نقول إننا نفكر مثل الفرنسيين أو مثل الغرب.. فالمركز يفكر في تحديث الإدارة وتنمية مجموعة من الهوامش ولكننا لا نستحضر طبيعة هذا المجتمع، ما معنى الإدارة بالنسبة للمغربي؟ فالإدارة بالنسبة للمغربي هي مؤسسة تمثل المخزن ولا تمثله هو، وللوصول إلى الاستفادة من هذه المؤسسة يلجأ إلى توظيف منظومة العلاقات التقليدية، وقد تحدث عن هذه القضايا بول باسكون منذ السبعينيات من القرن الماضي، حينما أشار إلى أن القروي حينما يريد أن يذهب إلى المستشفى أو القرض الفلاحي أو أي مؤسسة، فهو لا يذهب إليها مباشرة ولكن يبحث عن ابن القبيلة أو ابن الدوار الذي يسكن في المدينة ويشتغل في تلك المؤسسة أو لديه معارف في تلك المؤسسة.. إذاً الناس لا ينظرون إلى القوانين.. هناك مقاومة. وأعتقد أن منطلقات الذين يعملون على صياغة هذه التصورات خاطئة، فهم ينطلقون من الغرب ويشرعون في تطبيق إصلاحات معينة في المغرب.. لا نريد أن ننطلق من المغرب، ينبغي أن ننطلق من المجتمع، من ثقافة المجتمع. فكما قلت، فالإدارة بالنسبة لجزء كبير من المغاربة تمثل الآخر، والمرتفق لا يشعر بالانتماء إلى الدولة، بل إلى جزء آخر من هذا البلد، وبالتالي فهناك عقلية انتقامية من الإدارة، وهناك مقاومة.. وأعتقد أن المسألة تتطلب تنشئة اجتماعية، ينبغي أن نعيد النظر في طرق التربية، لأن مشكل المغرب اليوم ليس هو القوانين، مشكل المغرب اليوم هو غياب مشروع تربوي، مشروع تنشئوي. فلما نتحدث عن تحديث الإدارة فنحن نتحدث عن قيم جديدة، وهذا المغربي لم يتلق هذه القيم، وبالتالي فلما يلجأ المواطن إلى الإدارة يبدأ في البحث عن الاستفادة عبر ثلاثة مستويات: المستوى الأول هو تسخير المخزون العلائقي والثقافي والاجتماعي، والمستوى الثاني هو أن يستفيد عبر الرشوة، والمستوى الثالث هو اللجوء إلى العنف.

وأعطي نموذج عدد من الباعة المتجولين في كل المدن المغربية، والذين أصبحوا الآن يحتلون الفضاء العمومي، فلما يواجه بتدخل السلطات يلجأ إلى تهديد السلطات بخنق نفسه أو إحراق ذاته. إذاً نحن لسنا في مجتمع المدينة، والمدينة ليست هي التجمعات الإسمنتية، والمدينة هي ثقافة.. وهنا أستحضر ما قاله السوسيولوجي توك فيل، حيث أشار أنه لما جاءت الثورة الصناعية وقع انتقال في الغرب أي أن المجتمع مر من نظام ارستقراطي إلى نظام ديمقراطي، وهذا المرور صاحبته الأسرة. وبالتالي فالأسرة هي كذلك خرجت من نظام الأسرة الأرستقراطية إلى نظام الأسرة الديمقراطية، حيث لم يعد للأبوين أي سلطة على أبنائهم، مقابل خضوع الأبناء لسلطة الدولة. وبالتالي فهم يتموقعون في المجتمع كمواطنين ويستفيدون من جميع الحقوق ويخضعون للقوانين ويساهمون في التحديث.. هذا المعطى، غير موجود في المغرب، فعمر الدولة الوطنية لا يتعدى 63 سنة، ولا يمكن مقارنتها مع 4 قرون في الغرب، كما لا يمكن مقارنتها مع دولة لعبت فيها المدرسة دورا كبيرا في التنشئة الاجتماعية.

أما بالنسبة لمن يمثلون الإدارة فهم ينقسمون إلى فئات، فهناك فئة بالنسبة لها الإدارة هي «همزة» تعني وجود أجرة مضمونة غير مرتبطة بالعمل، وبالموازاة مع ذلك تجده يعمل كسمسار أو تاجر، وهناك فئة ثانية وهي فئة كسولة تكتفي بولوج الإدارة في ساعة مبكرة في الصباح ثم الخروج بعد ذلك إلى المقهى، وهناك فئة أخرى تعمل وفي الوقت نفسه تلجأ إلى الدراسة للبحث عن مسارات أخرى، ولا تظهر إلا في أوقات معينة في وظيفتها، وهناك فئة رابعة غير حاضرة بتاتا.. وحتى بالنسبة لمن يحضرون فهم يعتبرون الوظيفة مجرد «عضة من الفكرون». وأعطيك مثال من الجامعة مع احترامي لزملائي الأساتذة والموظفين، فهناك أساتذة لا يظهرون طوال السنة، وهناك أساتذة يكتفون بالعمل يوم واحد في الأسبوع أو ربما لا يعملون حتى في هذا اليوم.. هناك تسيب رغم وجود قانون جيد لهيئة التدريس والذي يضبط ساعات عمل الأساتذة وواجباتهم بشكل مفصل، لكن عند ولوج الجامعة يتم تبرير عدد من التصرفات بالعرف، فهم يستندون إلى الأعراف ويبدعون أعرافا جديدة، ولاحظ معي أن الجامعة التي يفترض فيها بناء النخب يجري الحديث داخلها عن وجود الأعراف للتملص من تطبيق القانون.

- د. عبد الرحيم عنبي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة ابن زهر بأكادير