الأربعاء 20 نوفمبر 2019
كتاب الرأي

جمال المحافظ: تحقيق أهداف التنمية المستدامة رهين بتسريع وتيرة التعاون بين الإدارات الإفريقية

جمال المحافظ: تحقيق أهداف التنمية المستدامة رهين بتسريع وتيرة التعاون بين الإدارات الإفريقية جمال المحافظ

شكل المنتدى الإفريقي الخامس عشر حول تحديث الإدارة العمومية ومؤسسات الدولة الذى احتضنته مدينة فاس الأسبوع الماضي (9 و10 يوليوز 2019) مناسبة هامة، تم خلالها فتح نقاش إفريقي/ إفريقي صريح، حول الأدوار الجديدة التي يتعين أن تضطلع بها الإدارات العمومية، من أجل تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وذلك في خضم التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم خاصة في ظل تحديات والإشكالات التي تطرحها التكنولوجيات الحديثة والثورة الرقمية.

فعلى الرغم من المجهودات المبذولة لرفع مختلف التحديات التي تواجهها الدول الإفريقية، فإنه من الملاحظ، أن نجاح بلدان القارة، يظل رهينا بقدرة بلدانها على قيادة التغيير (حكومات وفاعلين) للسير قدما على درب الإصلاح، الذى يقتضى انخراطا والتزاما جماعيا وتحقيق تحول هيكلي مستدام للحفاظ على المسار التنموي، الذى يجرى في ظل الخصاص والنقص الملحوظين على مستوى الادارة العمومية والحكامة.

فالقارة الافريقية، مطالبة في الوقت الراهن، بتسريع وتيرة التعاون البيني فيما بين بلدانها عبر تنسيق إقليمي واسع وتبادل للتجارب والمعلومات، تتظافر في ظله مجمل الجهود لوضع استراتيجيات مشتركة، تستنفر كافة الطاقات والمؤهلات، فضلا عن استنهاض الآليات المؤسساتية والتشريعية والتنظيمية الضرورية، من أجل تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

وإذا كان لأهداف التنمية المستدامة بإفريقيا، عدة أبعاد، اقتصادية واجتماعية وتكنولوجية وثقافية، تتداخل وتتفاعل فيما بينها، فإن الحاجة ملحة، لوضع استراتيجية شمولية، لمعالجة كل هذه الأبعاد، بهدف الدفع بعجلة التنمية وسط عالم تطبعه التنافسية والانفتاح، وهو ما يجعل بلوغ أهداف التنمية المستدامة في أفق سنة 2030، رهينا ومرتبطا أشد الارتباط بالدور الريادي والحاسم الذى يتعين على الحكومات الإفريقية، أن تضطلع به سواء على مستوى السياسات التي تضعها أو على مستوى الخدمات العمومية التي تقدمها للمواطنات والمواطنين.

إذاً وفق هذا التصور، فإن افريقيا في حاجة ماسة وملحة إلى إحداث نقلة نوعية والقيام بتغيير حقيقي بإداراتها العمومية، والذى يمر وجوبا عبر تغيير العقليات ودعم الموارد البشرية وتقوية القدرات بالتكوين العصري واستكمال التكوين مع ايلاء مزيد من الاهتمام بالتكنولوجيات الحديثة، ولمجال الإعلام والاتصال، وذلك حتى يكون بمستطاع  القارة الافريقية تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

وفي سياق عالم متغير وانعكاسات الثورة التكنولوجية والرقمية على الأداء الإداري الإفريقي، فإنه أصبح من المفروض على الإدارات العمومية الإفريقية، الارتقاء بمستوى مؤسسات التدريب والتكوين، واعتماد مسالك جديدة وتطوير الموجود منها أصلا، وذلك لاستجلاء ومواكبة الدينامية التي تشهدها الإدارات والمؤسسات العمومية، بغية تلبية انتظارات وحاجيات المرتفقات والمرتفقين بشكل أفضل.

كما يتطلب الأمر العمل على تنزيل وترجمة التوصيات التي تمخضت عنها أشغال مؤتمر الأمم المتحدة حول الإدارة العمومية الذى احتضنته في يونيو 2018 مدينة مراكش، والتي نصت بالخصوص على ضرورة بلورة مقترحات كفيلة بتلبية احتياجات وانتظارات الساكنة، بما يتلاءم وأهداف التنمية المستدامة التي تعتبر الإطار الرئيسي للإصلاحات والسياسات العمومية المؤطرة لتحولات الإدارات العمومية والحكامة على الصعيد العالمي.

فتحديث الإدارة العمومية، تعتبر عملية متواصلة ودائمة، وذلك بالنظر إلى أن الإشكاليات المطروحة، تتغير وتتجدد بتعاقب السنوات ومع حركية وتطور نظم وتنظيمات المجتمعات والمؤسسات وما يفرزه ذلك من أساليب عمل جديدة، على الرغم من أن تحديث الإدارة العمومية، قد تبدو للوهلة الأولى مسألة متكررة وروتينية يتم اجترارها.

غير أن المشاركين في المنتدى الذى انعقد حول موضوع "دور الإدارات العمومية في تحقيق أهداف التنمية المستدامة"، انتبهوا -وهذا يعد عنصر قوة في لحظة المنتدى- إلى أن مواكبة الإدارة لجهود تحقيق أهداف التنمية المستدامة، تصبح وبشكل بديهي، عملية مطردة ودائمة للتكيف والانخراط في رؤية مهيكلة في ظل السعي إلى تحقيق أهداف التنمية التي جعل المركز الإفريقي الإفريقي للتدريب والبحث الإداري للإنماء (كأفراد)، من تحقيقها أحد المحاور الرئيسية لسياسته المعتمدة على رؤية تكمن في استجلاء وتبين كيفية مواكبة أهداف التنمية المستدامة بصورة ناجعة.

وإن كان هذا المنتدى الذى نظمته وزارة إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية بالتعاون مع (كأفراد)، قد شكل بالفعل، فضاء لتقاسم الانشغالات والتجارب اهتمام وتبادل الرؤى والمقاربات الإفريقية حول البرامج الإصلاحية الكفيلة بمواجهة تحديات بلدان القارة، فإنه مازال مطروحا على المرفق العمومي الإفريقي، الانكباب وبعمق، على إعادة النظر في طرائق اشتغاله وعمله على مستوى التنظيم والتسيير، لكون الإدارة في عالم اليوم، لم تعد مجرد نظام لتدبير وتسيير الشأن الداخلي، في ظل التحولات المتسارعة للمرفق العمومي والخدمة العمومية وورش الحكامة، -كما جاء على لسان وزير إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية محمد بنعبد القادر-؛ بل أضحت رافعة أساسية لتحقيق التقدم والنمو الاقتصادي والاجتماعي، ومنها تحقيق أهداف التنمية المستدامة، التي جانب منها، يظل رهين تسريع وتيرة التعاون البيني المشترك بين الإدارات الإفريقية.

- د. جمال المحافظ، باحث في القانون العام والعلاقات الدولية