الثلاثاء 16 يوليو 2019
كتاب الرأي

ماهر فرغلي: كل ما بني على باطل فهو باطل

ماهر فرغلي: كل ما بني على باطل فهو باطل ماهر فرغلي

تعيش الساحة الخليجية والإسلامية على وقع تصعيد غير مسبوق أفرز لنا مجموعة من الاصطفافات بين دول المنطقة، أدت إلى خلق وتشكّل جبهتين متعارضتين: الأولى تمثلها كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر والبحرين، وهي التي أعلنت حرباً وجوديةً ضد الجماعات الإرهابية، بمن فيهم تيارات الإسلام السياسي بشقيها السني والشيعي؛ والثانية ارتأت التحالف مع جماعات الإسلام السياسي والتنظيمات الإرهابية لإعادة تشكيل خارطة المنطقة وفق مثلث أضلاعه الرئيسية: إيران الفارسية كممثلة للكتلة الشيعية، وتركيا العثمانية كممثلة للتيار السني، والتي ضمت تحت جناحها قطر (العراب الجديد لجماعة الإخوان المسلمين)، وإسرائيل كممثلة للكتلة اليهودية في المنطقة.

هذا التقسيم، على أساس عرقي وديني، يقتضي، سياسياً واستراتيجياً، المرور عبر الصخرة السعودية التي أفشلت تحقيق حلم هذا الثلاثي المتعاون مع الإسلام السياسي، بها لما لها من ثقل ديني وروحي وسياسي وعسكري تم تعضيضه بحليف اقتصادي قوي تمثله الإمارات العربية المتحدة، بالإضافة إلى حليف عسكري متمرس تمثله جمهورية مصر العربية.

على الجانب الآخر من العالم الإسلامي، وأمام هذا المشهد المعقد، ارتأت المملكة المغربية أن تتخذ خياراً سيادياً يقضي بالبقاء على مسافة واحدة من الأطراف الخليجية، مع إرسال إشارات قوية لاستعدادها القيام بالوساطات اللازمة لتحجيم الهوة بين الأشقاء والعودة بالعلاقات الخليجية-القطرية إلى سابق عهدها في انضباط تام لمقتضيات اتفاق الرياض لعام 2013 واتفاق الرياض التكميلي لسنة 2014م.

بالموازاة مع ذلك كان تعامل المملكة المغربية صارماً في مواجهة التهديدات الجدية التي تشكلها إيران على أمن المنطقة، خصوصاً بعد تورط عناصر من تنظيم حزب الله الإرهابي في دعم جبهة البوليساريو الانفصالية مالياً وعسكرياً ولوجيستياً، وهو المعطى الذي دفع الرباط إلى قطع علاقاتها الدبلوماسية مع طهران بتاريخ فاتح ماي 2018م.

إن هذا التوجه البراغماتي للرباط قابلته المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بقبول حسن في احترام تام للخط السيادي المغربي رغم المحاولات المتكررة، سابقا، لقطر للنيل من استقرار المغرب وتقديم الدعم السياسي والمالي والإعلامي للتنظيم الإخواني في المغرب وتنظيماته الموازية سواءً الدينية أو الجمعوية قصد التمكين لهذا التنظيم سياسياً، وبالتالي خلق كيانات كرتونية تابعة إيديولوجياً للإخوان المسلمين وسياسيا للدوحة.

في مقابل ذلك، تبنى التيار الإخواني منطق الاصطفاف الكُلّي في صف الأطروحة القطرية-التركية-الإيرانية، ومحاولة الركوب على بعض التعبيرات السياسية العادية لدولة الإمارات العربية المتحدة وتوصيفها على أنها تشكّل استهدافاً للتوجه السياسي والديني للمملكة المغربية، في جهل تام لمحددات الخط الديني في البلدين، الذي يأخذ منحى التطابق، على اعتبار أن الخط المذهبي المالكي الرسمي في المغرب يبقى أحد المذاهب المهيمنة في الإمارات العربية المتحدة.

وحيث إن المناسبة شرط، فإن الطرح الذي نحن بصدد التأصيل له يأتي في سياق التفاعل مع المقالة التي نشرها موقع (موندافريك www.mondafrique.com) بعنوان “Ces mosquées françaises qui cèdent aux sirènes émiraties”، والذي لقي تفاعلاً واسعاً من طرف الأذرع الإعلامية للإخوان المسلمين في المغرب، في محاولة منهم للتشويش حول حقيقة وأحقية التحرك الإماراتي في فرنسا على خلفية حفل الإفطار الذي نظمه السيد خليل مرون، رئيس مسجد إيفري، على شرف الدكتور علي النعيمي، رئيس المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة، وهو اللقاء الذي تم تصويره على أنه محاولة من أبو ظبي لوضع يدها على المساجد التي يسيرها المغرب والتي يعتبر مسجد إيفري إحدى هاته المساجد المغربية النشأة والتأسيس والإدارة والتمويل، ومسجل وفق ذلك، بشكل قانوني لدى السلطات المختصة قانوناً، الأمر الذي دفع برئيسه الشيخ مرون بإصدار بيان يفند فيه مزاعم المحرضين ومكر المتآمرين على خط الاعتدال.

غير أن الأيادي الإخوانية التي تحاول العبث بمستقبل العلاقات التاريخية بين الرباط وأبو ظبي وقع في أيديها مجموعة من المغالطات التي يجب عدم إغفالها والمرور عليها، ولو مرور اليتيم بقوم، لنثبت بأن الهدف الحقيقي لهذا التنظيم، ومن ورائه قطر، ما هو إلا محاولة يائسة لتوسيع الهوة بين البلدين في الوقت الذي يظل فيه التحرك الإماراتي يتطابق مع التوجه الرسمي المغربي، خصوصاً في الشق المتعلق بتسيير أماكن العبادات وتحصينها من جميع التيارات المؤدلجة والمتطرفة.

بداية فإن المعلومات التي تم تجميعها حول الموقع المذكور تفيد بأن هذا المنبر الإلكتروني لا يحظى بأية مصداقية في الأوساط الإعلامية والسياسية، ومعروف بمناوراته الابتزازية وهو ما يعكسه تاريخ العمل الصحفي الأسود لمديره “نيكولا بو”، الذي سبق وأن تم طرده من جريدة “لوموند” و”ليبراسيون” و”لو كنار أنشيني”.

بالمقابل فإن خطورة تعامل بعض المواقع المغربية (المحسوبة على حزب العدالة والتنمية المغربي) تتجلى في كون هذا الموقع له علاقات مشبوهة مع فلول النظام الجزائري السابق. وهنا لا يخفى على الجميع أن مجموعة من الدعاوى القضائية المرفوعة أمام القضاء الفرنسي فضحت علاقة كل من “نيكولا بو” بالجنرال محمد مدين (الملقب بتوفيق) الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الخارجية والمعتقل حاليا في الجزائر على ذمة قضايا الفساد، ودور الجزائري صادق سلام في النيل من سمعة الفعاليات المغربية المعتدلة، والذي يحاضر في دكاكين إخوانية في باريس. وكل هذا يتم مع العقيد بناصر، مسؤول التواصل في سفارة الجزائر في باريس، حيث تعرض المركز الإسلامي في افري في صيف 1996 للاحتلال من طرف عصابة مدعومة كانت تستهدف الوجود المغربي المتميز باعتداله وانفتاحه على المجتمع الفرنسي.

وآخر تلك القضايا المعروضة على المحاكم الفرنسية الرشوة القطرية 700000 يورو لصاحب الموقع الابتزازي "نيكولا بو” لضرب الانتقال الديموقراطي في تونس، أو القضية الثانية في التحريض ضد قيادات جزائرية.

وبعد رصد بعض الجوانب المشبوهة حول الموقع المذكور وكشف حقيقة ارتباطاته مع جهات وأجهزة تعادي المصالح الكبرى للمملكة المغربية، بقي أن نشير لخارطة الجاليات المسلمة في الجزائر لتكتمل مربعات الصورة وتتضح حقيقة المخططات الإخوانية، التي تروم ضرب الاستراتيجية المغربية في مجال تحصين الشأن الديني، وكذا مجهودات دول الخليج وعلى رأسهم الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية لقطع مصادر التمويل عن التنظيمات الإرهابية وعلى رأسهم جماعة الإخوان، التي شكلت في العقود الأخيرة تهديداً جدياً للأمن القومي للرياض وأبو ظبي.

في هذا السياق، ومنذ تأسيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، تم تسجيل حضور متميز ووازن للجمعيات الإسلامية من أصول مغربية في قيادة وتسيير المجلس المذكور، حيث حصلت المؤسسات الإسلامية، التي تصنفها السلطات الفرنسية في خانة “المؤسسات المعتدلة”، في مختلف الانتخابات التي نظمها المجلس في كل فتراته (من 2003 الى 2017) على أزيد من 60% من المقاعد، في الوقت الذي تقاسمت فيه باقي الجمعيات الجزائرية والتركية والإخوانية والإفريقية والتبليغ نسبة 40% من المقاعد. وتجدر الإشارة إلى أن كل من الدكتور محمد البشاري وبعده الدكتور عبد الله بوصوف، وبعدهم الدكتور محمد الموساوي، قد تناوبوا لفترات متفاوتة على إدارة مكتب رئاسة المجلس الفرنسي للديانة الاسلامية.

إن التواجد المغربي القوي في هياكل المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية أثار حفيظة بعد الموالين للأطروحة الإخوانية، ومنهم للأسف من يتولى مراكز سيادية وينتمي إلى المربع المقرب من الرئيس الفرنسي الحالي إمانويل ماكرون.

وهنا سيطفو إلى السطح اسم المدعو حكيم القروي، الذي حاول بدهاء خبيث، دفع السلطات الفرنسية إلى تبني سياسة جديدة في تمثيل المسلمين في فرنسا، انتهت إلى التمكين للعناصر الإخوانية من قيادة مؤسسته الجديدة، وهو المعطى الذي أحدث شرخاً هيكلياً وتنظيماً أفرز لنا أزمة خانقة في تمثيلية المسلمين في فرنسا.

على هذا المستوى، وكردة فعل على هذا الواقع الجديد، ارتفعت أصوات الجاليات المسلمة في فرنسا مُطالبة بعودة القيادة المغربية للشأن الديني من خلال المركز الإسلامي بايفري، الذي يوجد على رأسه الشيخ خليل مرون، بالإضافة إلى دعوة الدكتور محمد الموساوي رئيس اتحاد المساجد في فرنسا، للدخول على خط الأزمة من أجل حماية المشترك العقدي للمسلمين وتحصينه من أية محاولة للركوب عليه من طرف تيارات سياسية/ دينية أثبتت دروس التاريخ أنها كانت العباءة التي خرج منها مارد التكفير والإرهاب.

ولعل التقاطع المعلن بين الرباط وأبو ظبي في تدبير هذا الملف يجد ما يعززه من خلال الثوابت الاستراتيجية التي سطرتها الدولتين في الحفاظ على وحدة المذهب المالكي والعقيدة الاشعرية والنهج الصوفي، وتحصينه من الاختراقات التي تمثلها باقي التيارات الدينية المؤدلجة (المغرب)، وكذا قطع خطوط الإمداد المالي عن التنظيمات الإخوانية، خصوصاً إذا كان مصدرها بشكل غير مباشر هو دول الخليج العربي (الإمارات العربية المتحدة، المملكة العربية السعودية، جمهورية مصر العربية).

في هذا الصدد، فإن البحث في ظروف وحيثيات هذا “الهيجان” الإخواني جعلنا نقف على السبب الرئيسي الذي أثار حفيظة الإخوان المسلمين في فرنسا، والمرتبط أساساً بقضية “اللحم الحلال” المصدر إلى دول الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر، والذي تبلغ قيمته المالية حوالي 8 مليار يورو سنوياً. هذا التصدير يفترض سلفاً المرور عبر الجمعيات المعتمدة في فرنسا “للمصادقة على الحلال”، وهي:

– الجمعية الشعيرية للمسجد الكبير/ ليون – فرنسا (مقربة من الجزائر)

– الجمعية الاسلامية في خدمتكم/ باريس – فرنسا (الداعمة للإخواني طارق رمضان)

– رابطة الفينستر للثقافة العربية الإسلامية/ بريست – فرنسا (تابعة للإخوان المسلمين)

– مسجد إفري كوركورون/ إفري – فرنسا (مسجد مغربي التأسيس والتدبير والتمويل)

في هذا السياق، فإن المصادقة على اللحوم الحلال التي يتم تصديرها إلى الدول الإسلامية الثلاث سالفة الذكر تتم مقابل رسوم تتجاوز في مجموعها 200 مليون يورو، وهو مبلغ ضخم تحاول التنظيمات الإخوانية احتكاره لتمويل باقي الخلايا العنقودية في العالم، وهو الدور الذي ظلت تقوم به إلى جانب كبريات المؤسسات الإخوانية التي كانت تديرها الأذرع الاقتصادية للتنظيم الإرهابي، وعلى رأسهم يوسف ندى صاحب بنك التقوى، وخيرت الشاطر التي تجاوزت استثماراته خارج مصر 70 مليار دولار، وعصام الحداد الذي يمتلك أكثر من 10 شركات خارج مصر وثروته جاوزت 10 مليار دولار، ثم حسن مالك ملياردير الجماعة الذي يتحكم في أكثر من 40 مليار دولار من أموال التنظيم، ووصولاً إلى محمد متولي، إمبراطور البورصة داخل التنظيم.

وأمام هذا التغول المالي للتنظيم الإخواني، فإن الإمارات العربية المتحدة لا يمكنها سياسياً ولا أخلاقياً القبول في استمرار عملية التمويل غير المباشر لتنظيم ناصبها العداء لعقود وكان يخطط للانقلاب على النظام السياسي، خصوصاً بعد افتضاح أمر التنظيم السري والوقوف على قرائن قوية تقطع بوجود نية إجرامية لدى تنظيم جماعة الإخوان للتحرك للاستيلاء على السلطة.

من خلال هذا التوجه الإماراتي، قامت أبو ظبي بتجميد عقود جميع الشركات في انتظار التأكد من نزاهة الجمعيات وعدم ارتباطها بالتنظيم الدولي للإخوان، وبالتالي قطع أحد أهم شرايين التمويل للتنظيمات العنقودية الإخوانية عبر العالم.

انطلاقا مما سبق فإن التحرك الإماراتي سينجح في ضرب أهداف متعددة بسهم واحد، حيث سيساهم في قطع إحدى أهم مصادر التمويل التي يعتمدها التنظيم الدولي للإخوان المسلمين من جهة، ومن جهة أخرى سيشكل ضربة موجعة للمؤامرة الإخوانية التي تستهدف إفشال مشروع تدبير الشأن الديني في فرنسا من خلال النموذج المغربي للمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية.

إن تحقيق هذه الأهداف السياسية مجتمعة، يجب أن تواكبه يقظة وذكاء في التعاطي مع محاولات التشويش المستمرة التي تقودها الأذرع الإعلامية للإخوان المسلمين وعلى رأسها:

– المواقع الإخوانية التي تمولها قطر (عرب21 والإمارات 21، بالإضافة إلى المواقع الإخوانية التي تنشط في المغرب) التي تحاول، بشكل يائس، إحداث شرخ في العلاقات المغربية–الإماراتية.

– عناصر لها أجندات مشبوهة ضد قضية الصحراء المغربية، ظلت إلى وقت قريب تأتمر بأوامر فلول النظام الجزائري، وحملتها عن طريق فيديو يظهر إحباط مخطط تأسيس “لجنة مساندة البوليساريو” في نوفمبر 2016 بفضل التحرك الذي قاده د محمد البشاري.

– عناصر لها علاقات قوية بجماعات الصحوة السعودية وتعمل، بشكل خبيث، من خلال شبكة شبابية على تعبئة الرأي العام الدولي ضد المملكة العربية السعودية، من خلال تبني ملف رموز الصحوة الذين يحاكمون في المملكة، أو الاستغلال المشبوه من طرف شبكة قاسمي سليمان في كوبنهاجن لحرب اليمن، من أجل النيل من قوات التحالف العربي التي تعمل بشكل حثيث لاستعادة الشرعية في هذا البلد الذي وقع في قبضة مليشيا الحوثي الإرهابية.

ختاماً، فإن البيئة الاستراتيجية في أوروبا تفرض على كل من الرباط وأبو ظبي الاتجاه نحو تنسيق دقيق في أفق كشف حقيقة المخططات الإخوانية، التي تهدف إلى تحصين مصادر تمويلها الأساسية في أوروبا، بالإضافة إلى تهديد وحدة الخط الديني الرسمي للمغرب (منافسة مؤسسة إمارة المؤمنين)، وكذا الضرب في متانة العلاقات التاريخية والاستراتيجية بين المغرب والإمارات خدمةً للأجندة القطرية التخريبية في المنطقتين العربية والإسلامية.