الثلاثاء 16 يوليو 2019
كتاب الرأي

المتوكل: في الحاجة إلى نخبة حية، وصالحة ومؤمنة بحقوق الشعب المقدسة

المتوكل: في الحاجة إلى نخبة حية، وصالحة ومؤمنة بحقوق الشعب المقدسة المصطفى المتوكل الساحلي
إن نخب الطبقة الحاكمة مثلها مثل كل النخب الأخرى تكون مشكلة من قوتين :
نخبة واعية وناضجة ومتفهمة ، تميل إلى العقلانية والواقعية وتجنح إلى الديمقراطية وتقوية مؤسسات دول الحق والقانون مع الدعوة إلى انتهاج سياسة اقتصادية واجتماعية تحقق الحد الأدنى من الاطمئنان والرضا والتفاؤل الإيجابي بالمزيد من التطور والتقدم المتدرج والمتحكم فيه وغير المخل بالتوازنات وفق فهمها وقراءتها لها وتدعو إلى تجنب القرارات والإجراءات المخلة بالاستقرار، وفي نفس الوقت تضع كل الضمانات والتشريعات التي تحمي وتطور قدرات البورجوازية والرأسمال الخاص ...
وجزء آخر من النخبة الحاكمة يميل إلى الجمود والمحافظة ببعدها الاقتصادي والتدبيري لكل مرافق وثروات وموارد الوطن حيث تميل إلى تقوية نخبتها بتشجيع تجمع الثروة بين يدي قلة حليفة ولا تكترث كثيرا لأوضاع الطبقات الشعبية وحتى الطبقة الوسطى التي تعتبر محورا مهما للتوازن بالمجتمع إن كانت هي الأخرى مدركة لموقعها وطبيعة انتمائها وعالمة بمصالحها الحقيقية .
وتنظر هذه النخبة الحاكمة إلى باقي النخب الخارجة عن دائرة طبقتها الحاكمة بنظرة الاحتراز والحذر حتى لا تقوم مقامها وتنهي أو تحد من دورها اعتبارا لتعارض المصالح وتناقضها أحيانا، حيث أن اغلب المنظومات الفكرية السياسية الداعية للتغيير والإصلاح تنظر بشكل مباشر أو مضمن ضرورة القطع مع توجهات النخبة المعطلة للتطور والعدالة الاقتصادية و الاجتماعية ...
إن البورجوازية والبيروقراطية والمستفيدين من ثروات الوطن بكل أشكال الملكية والتملك ومسالك وآليات تدوير الثروة يميلون إلى انتهاج سياسات ارستقراطية موغلة في التقليد بصيغته التي ترى أن الولوج للحكم والتسيير العمومي يكون من طبقتهم ومجتمعهم الخاص ومن التكنوقراط ومن الهيئات التي تقبل بسياساتهم وتتفانى في تنفيذ ما يعجزون عن تنزيله .... ويدخل في هذا السياق البعض من الأطر والموظفين المتشبعين بكل أشكال السلوك البيروقراطي التحكمي الذي يحول المسؤولية وخدمات الوظيفة العمومية إلى ريع ومورد لدخل غير مشروع يحقق الثراء والمكانة المتوهمة حيث يعتبرون أنفسهم اليد الطولي للإدارة والدولة ، بل ويتخذون قرارات تفرغ القوانين والسياسات من التزاماتها وتعهداتها ...
إن من تجبر الأغلبية الحاكمة وسوء تطبيقها لإرادة الشعب كقوة وآلة انتخابية أنها مخولة بقوة القانون لاستصدار كل القرارات والإجراءات التي تشرعن لإفراغ جيوب الكادحين و الشغيلة بإثقال أجورهم بارتفاع الأسعار وتكلفة العيش، وتجميد الأجور، وبالاقتطاعات الضريبية المختلفة المباشرة وغير المباشرة ولفائدة صناديق أو أبواب مستحدثة باسم الإصلاح أو الرعاية الاجتماعية والصحية ، لأنهم لا يمتلكون الجرأة على القيام بالمعالجات الجوهرية والديمقراطية التي تقوم على معادلة تقاسم الثروة واستفادة الشعب منها، ومعها تقاسم أعباء مصاريف الدولة والحكومة كل حسب ثروته ودخله .. أي عدالة في التوزيع وفي التضريب وفي الإسهام والبناء التنموي المستدام ...
إن التغيير والتطور وبناء مجتمع تكافؤ الفرص والعالة الشاملة ودولة المؤسسات وحقوق الإنسان والكرامة الفعلية الملموسة من طرف عامة المواطنين والمواطنات، يحتاج إلى وجود نخبة حية صالحة ومؤمنة بحقوق الشعب المقدسة والضرورية وحتى الكمالية في وطنه .. نخبة تصنع لنفسها مكانتها الريادية بمصداقيتها ووفائها وتضحياتها مع الشعب، تتنصح وترشد وتحرص على تقوية المجتمع بتوعيته بحقوقه وواجباته ، وتؤطره للدفاع عن نفسه بل وتحميه بقوتها الاعتبارية وترافعها الحكيم والصريح، وتنتج المعرفة الرافعة للتنمية الفكرية وترشيد العقل والسلوك العام وتكشف عن إيجابيات وسلبيات الحاضر وتتوجه إلى المستقبل ببرامج عملية موضوعية تفتح أبواب التجديد والتحديث والتطور، كما تسعى لبناء مجتمع متضامن متكامل يحمي ويتمن مكتسباته ويبني وينشئ أخرى له وللأجيال المقبلة ..
إن تراجع النخب الوطنية المثقفة عن أدوارها التاريخية الواجبة أخلاقيا يحولها إلى آلة تساهم بصمتها وعدم القيام بمهامها في تفكك المجتمع وتدهور أحوال الوطن واختلال التوازنات وتهديد الدول بالسكتات والأزمات السياسية والفكرية والأخلاقية التي تتسبب في الفتن التي تمزق المجتمع إلى فئات وجماعات ومرجعيات متناحرة تأتي على الأخضر واليابس لا أحد يقبل بالآخر ..
إن علامات الأزمة والتردي واضحة في العديد من الدول المتخلفة والسائرة في طريق النمو ، ويعلم بأسبابها الجميع، لكن الجرأة في اتخاذ القرارات التي تحمي الدولة بحماية قدرات الشعب الكادح وضمان حرياته ورخائه ضعيفة ومترددة إن لم نقل أنها بالغت في الاستخفاف بالمآلات والنتائج التي لا يتجاهلها إلا جاهل ومعاند مكابر.. وهذا يسري على القوى الحية والأحزاب والنقابات وهيئات المجتمع المدني.