الجمعة 23 إبريل 2021
كتاب الرأي

البدالي: لماذا يظل الإنعاش الوطني خارج رادار قضاة جطو؟

البدالي: لماذا يظل الإنعاش الوطني خارج رادار قضاة جطو؟ صافي الدين البدالي
من المعلوم؛ أن قضاة ادريس جطو، الذين طافوا على أغلب القطاعات الحكومية، وغير الحكومية، التي يصرف فيها المال العام، لم يقتربوا من قطاع الإنعاش الوطني الذي ظل لأسباب غير واضحة، في منأى عن التفتيش والمراقبة، رغم وقوف المصالح المركزية لهذه المؤسسة على مجموعة إختلالات إثر عملية إفتحاص داخلي شملت جميع مندوبيات الإنعاش الوطني، خلال ثلاثة سنوات الأخيرة، لكن النتائج ظلت مبهمة والجزاءات ظلت غير معلنة، مما يؤكد استثناء قطاع الإنعاش الوطني من أي تفتيش قضائي يقوم به قضاة المجلس الأعلى للحسابات، خاصة وأن هذا القطاع يعتبر مؤسسة وطنية لها امتدادات عبر مندوبيات إقليمية.
القطاع الذي تخصص له ميزانية ضخمة سنوية تقدر بـ 800 مليون درهم، توزع عبر ربوع التراب الوطني، يشرف على صرفها ضباط سامون يتم تعيينهم في معظم العمالات والأقاليم المغربية. تصرف هذه الميزانية على شكل أيام عمل نصف شهرية أو شهرية، للعمال الذين يتم تحديد عددهم من طرف السلطات الإقليمية و المحلية ليعملوا في أوراش تحددها السلطات الإقليمية والمحلية بالوسط القروي أو الحضري أو بضواحي المدن، مثل شق طرق أو سقي الأشجار أو غرسها، إلى ذلك من الأوراش التي لها علاقة بالمصلحة العامة.
إلا أن سياسة الأوراش أخذت منحى آخر، إذ لم تكن تخضع للدراسة ولا للمراقبة والتتبع ، حتى أصبحت ميزانية الإنعاش الوطني تعرف نهبا وتبديدا واضحين .
بل أصبح الإنعاش الوطني ريعا ماليا، لدى المسئولين من سلطات ومستشارين جماعيين، وخير دليل على ذلك، هو تورط مستشارين جماعيين وموظفين بالإنعاش الوطني في التلاعب ببطاقات الإنعاش الوطني في أقاليم متعددة منهم إقليم بوجدور وإقليم العيون وغيرهما من الأقاليم .
لكن الأخطر من ذلك هو الإستغلال الذي يتعرض له عمال و عاملات الإنعاش الوطني في غياب أي تدخل للحكومة من اجل حقوقهم الشغلية بالرغم من أنهم يشكلون فئة من العمال و العاملات تقوم بأي عمل كان إداريا أو تقنيا أو نظافة أو حراسة ، وهي خدمات من مسؤولية الجماعات الترابية . فمنهم "المياومون العرضيون " الذين يشتفلون في الأوراش التي تقيمها العمالات في البناء والنجارة والحدائق، كما يشتغلون في منازل بعض المسئولين والمستشارين ويشتغلون في الصيانة والسياقة وفي عمليات النظافة. ومنهم المياومون الدائمون الذين يقومون بمهام إدارية بالجماعات الترابية وفي العمالات وفي بعض المصالح الخارجية .
إلا أن أجر هؤلاء لا يتجاوز 75,79 درهم ، في اليوم ، دون احتساب أيام السبت والأحد، رغم عملهم طيلة الأسبوع . ليس هناك تعويض عن ساعات العمل الإضافية أو عن العطل، ليس لهم الحق في التغطية الصحية أو الحق في التقاعد . فمنهم من اشتغل في هذا القطاع عشرات السنين حتى مسه الكبر ولم يعد قادرا على العمل، ومنهم من ينتظر نفس المصير. لم يصل إليهم مفتش الشغل ليطلع على معاناتهم ولم يبحث عن مدى احترام المسئولين عن القطاع للحد الأدنى للأجور .
و لم تقم المفتشية العامة لوزارة الداخلية بأي تفتيش لهذا القطاع على مستوى العمالات والأقاليم، كما أن قضاة جطو لا يقتربون منه.
في كل مسيرة من مسيرات فاتح ماي تقرأ في وجوه هؤلاء العمال و العاملات علامات الإحساس بالحكرة وبالبؤس والأمل الذي قد لا يأتي، إنها الطبقة العاملة التي تعاني من ظلم الدولة و من استغلالها لهم و التي ظلت تتناسى حقوقهم، رغم مطالبهم المتكررة .
لقد أصبح من الواجب على الحكومة و البرلمان الكشف عن مضامين العلبة السوداء للإنعاش الوطني، أولا، بتصحيح وضعية العمال والعاملات وتمكينهم من حقوقهم كاملة من إدماج في سلك الوظيفة العمومية إلى الحق في التغطية الصحية والحق في التقاعد مع مراجعة أجورهم منذ بداية عملهم .
وثانيا، العمل على وضع حد لتبديد ونهب المال العام، وذلك من خلال التشخيص الدقيق للوضعية المالية لهذا القطاع و متابعة المسئولين عن صرف أموال طائلة، هنا وهناك، على خلفية أيام العمل التي لا تخضع لأي قانون من القوانين الشغلية ولا لأي معيار من معايير المراقبة المالية والتتبع، وأيضا التحقيق في مدى واقعية الأوراش التي صرفت لها اعتمادات مهمة .
لقد أصبح من الضروري فتح هذه العلبة السوداء، والكشف عن مسارات صرف أموالها وحقوق العاملين بالقطاع للحد من ضياع أموال طائلة لا يعلم أحد عن بدايتها ولا عن نهايتها .
صافي الدين البدالي، فاعل حقوقي وسياسي