الاثنين 16 ديسمبر 2019
كتاب الرأي

يوسف لهلالي:هل تحالف "النورمندي الأطلسي" مازال قائما في ظل خلافات باريس وواشنطن؟

يوسف لهلالي:هل تحالف "النورمندي الأطلسي" مازال قائما في ظل خلافات باريس وواشنطن؟ يوسف لهلالي
شهدت فرنسا في الأسبوع الماضي احتفالات بالذكرى 75 لإنزال الحلفاء وبداية تحريرها من الاحتلال النازي في 6 من يونيو من سنة 1944، وبهذه المناسبة شهدت منطقة النورماندي في الشمال الغربي لفرنسا، نشاطا دبلوماسيا مكثفا بحضور عدة قادة ممن شاركت بلدانهم في الحرب العالمية الثانية وشكلوا فيما بعد نواة الحلف الأطلسي. كبريطانيا وكندا، وتوجهت الأنظار على الخصوص الى اللقاء الذي جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الفرنسي ايمانييل ماكرون بالمقبرة العسكرية الأمريكية بتوكفيل. وذلك للجدل الكبير الذي طبع العلاقات بين البلدين في الأسابيع الأخيرة ومازال طبعها بعد تهديد ترامب هذا الأسبوع بفرض رسوم جمركية على بعض الصادرات الفرنسية.
ورغم أن كل الأنظار ركزت على الإنزال بالنورمندي، فان إنزال الجنوب الفرنسي الذي كان في 15 من غشت 1944 له أيضا أهميته، و الذي شارك فيه إلى جانب الحلفاء فرق عسكرية مغربية وافريقية بعشرات الآلاف وكان لها دور أساسي في تحرير كامل التراب الفرنسي وأوربا من خلال المعارك بايطاليا من خلال معارك حاسمة في جزيرة كورسيكا، وبمدينة مرسيليا وبالجنوب الإيطالي وفوق الأراضي الألمانية. هذا دون نسيان الجبهة الشرقية بروسيا ، والتي خلفت خسائر بشرية كبيرة في الجانب السوفياتي وهي جبهات كلها كانت أساسية في هزم الجيش النازي وحلفائه وتحقيق النصر على النازية.
تكريم بعض قدماء المحاربين من الجيش الأمريكي بحضور الرئيس الأمريكي والرئيس الفرنسي كانت فرصة من اجل ان يضع البلدان خلافاتهم الكثيرة على الجانب وذلك من خلال تحية قدماء المحاربين الذين شاركوا في إنزال النورماندي شمال غرب فرنسا، حيث لم يتردد الرئيس الفرنسي في التوجه إليهم في حفل بالمقبرة الأمريكية بتوكفيل بالقول " أيها المحاربون القدمى، نحن نعرف ما نحن مدينون به لكم،انها الحرية،". ترامب بهذه المناسبة التاريخية ذكر الأخر أكثر بالروابط التي تجمع الجانبين بقوله " تحالفنا الغالي تم بناؤه أثناء المعركة، وتجاوز كل الصعوبات وتمكن من الاستمرار بعد الحرب، وكان دائما في خدمة السلام، والروابط التي تجمعنا غير قابلة للانحلال. لكن في نفس الوقت، ذكر دونالد ترامب بقوة أمريكا على الآخرين، "أمريكا اليوم هي أقوى من أي وقت مضى في التاريخ"، هذه الإشارة من ترامب تعني ان أمريكا ستراعي مصالحها أولا.
كما انه اغتنم فرصة هذا الحفل ليذكر الامريكيين بالقيم المشتركة وبدين امريكيا تجاه فرنسا مند قرنين عندما ساندتها في حرب استقلالها، وقال ماكرون بهذا الصدد " بالنسبة لشعب الفرنسي، هذه طريقة لنقول بعد 75 سنة، نعرف ما ندين به لأمريكا، أمريكا، عزيزي الرئيس دونالد ترامب، ليست عظيمة إلا عندما تحارب من أجل الآخرين، أمريكا ليست عظيمة إلا عندما تكون وفية للقيم الكونية التي دافع عنها مؤسسوها والذين، مند قرنين ونصف، دعمت فرنسا مطلبهم بالاستقلال." والتذكير باستقلال أمريكا هي ،أيضا، للقول ان أمريكا لها دين أيضا تجاه فرنسا التي ساعدتها في الاستقلال.
وعلى هامش هذه الاحتفالات عقد الرئيسين محادثات تمس الملفات الخلافية خاصة ملف الأزمة الإيرانية، والتي أثمرت على توقف الجانبين على قدر من الوحدة في الموقف بين الجانبين، والتعبير عن أملهما في استئناف المفاوضات حول هذا الملف. وبهذه المناسبة عرض الرئيس الفرنسي سلسلة من الأهداف أهمها تقليص النشاط الباليستي لإيران، الحد من نفوذها الإقليمي، وأضاف إليها هدفا مشتراكا مع الولايات المتحدة الأمريكية وهو " السلام في المنطقة". ويسعى الرئيس الفرنسي مند مدة إلى تسويق اتفاق جديد، الذي يكون قاعدته توسيع اتقاق فيينا لسنة ،2015 وإضافة قضية الحد من الأنشطة الباليستية لطهران. طبعا في هذه الأجواء التي طبعها الاحتفال بإنزال الحلفاء كانت فرصة لتذكير بما هو مشترك، وبروح الوحدة التي طبعت الحلفاء والتي مكنت من الانتصار على النازية، وتأسيس العالم ما بعد الحرب.
اليوم الخلافات تراكمت بين الولايات المتحدة الامركية وبين حلفائها، وترامب لم يتردد في مطالبة حلفائه بالأداء من اجل الاستمرار في الاستفادة من خدمات الحلف الأطلسي والمظلة الأمنية التي يوفرها لهم، بالإضافة إلى التهديد بتطبيق عقوبات على قطاع السيارات الأوربي خاصة السيارات الألمانية، والتملص من الاتفاق النووي مع إيران والحرب التجارية المفتوحة مع الصين وما يترتب عليها من حروب جانبية وعقوبات وعقوبات مضادة، هو ما يؤذي إلى عدم الاستقرار التجاري والاقتصادي بالعالم. لكن السؤال المطروح حول تعامل الولايات المتحدة الامريكية مع حلفائها خاصة فرنسا واربا هو مرتبط فقط بمزاج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أم انه تغير جوهري في السياسة الخارجية الامريكية وفي استراتيجيتها تجاه باقي العالم. خاصة ان منطق ومبدأ التجارة الحرة هو الذي كان يحرك أمريكا في العقود الأخيرة، اليوم أصبحت واشنطن هي اول من ينتهك قواعد التجارة الحرة و تنتهك مواثيقها وتمارس سياسة انتقائية في تعاملها مع هذه الاتفاقيات باسم الأمن القومي.
والعديد من المتتبعين للوضع في واشنطن لهم تفسير آخر، وهو أن الخلافات التي برزت بين الجانبين خاصة الأمريكي والأوربي، يعبر عن تحول كبير في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه فرنسا وأوربا، وهو تحول لا يرتبط بالرئيس الحالي للولايات المتحدة بمزاجه المتقلب ، وطريقته الشخصية في التفاوض بل هو تحول في الاستراتيجية الامريكية في تعاملها مع باقي العالم، وتحول في اهتماماتها الإقليمية نحو الاهتمام الكبير بآسيا، التي تضم اليوم اكبر القوى الاقتصادية في العالم، الصين التي أصبحت المنافس الأول لأمريكا على مستوى التجارة وهي ثاني اكبر اقتصاد في العالم، ويبدو أنها تسير نحو المرتبة الأولى، بالإضافة الى اليابان احد اكبر الاقتصاديات في العالم، وكوريا الجنوبية، بالإضافة إلى الاقتصاديات الصاعدة في العالم والتي توجد بآسيا سواء في الهند، ماليزيا، وسنغفورة، وهي اقتصادات وازنة عل على مستوى العالم، هذا إلى تحقيق الولايات المتحدة الأمريكية للاكتفاء الذاتي في حاجياتها من الطاقة خاصة من البترول حيث دخلت واشنطن لأول مرة في تاريخها إلى نادي البلدان المصدرة مند سنة 2016 .وهو ما يجعل من واشنطن مستغنية عن بترول الشرق الأوسط . هذا التحول في الاهتمام و الأولويات الأمريكية بدأ مع الرئيس الأمريكي باراك أوبما، رغم اختلاف طرق العمل بين الرئيسين، وطرق التعبير عن نفس السياسة، الجميع كان يعرف تراجع اهتمام إدارة أوبما بأوربا، لكن الرئيس السابق حافظ دائما في التعامل مع حلفائه القدماء بلياقة واحترام، وهو ما يغيب عن الإدارة الحالية التي تطالب الأوربيين بالأداء مقابل توفير الحماية الأطلسية لهم، والتهديد بمعاقبة قطاع السيارات الألماني، وتأييده المفتوح للبركزيت ببريطانيا وتأييد الأحزاب الأوربية التي تسعى إلى تفتيت أوربا. وهي أهداف يكشفها الرئيس الحالي بشكل مباشر وأحيانا فض.
لكن التحول في السياسة الأمريكية تجاه اوربا يعود إلى إدارة باراك أوباما، التي رسمت الأسس الجديدة لمصالح أمريكا وتحالفاتها في العالم وهو ما يحتم على الأوربيين التفكير في سياسة تجارية جديدة، وكذلك سياسة دفاعية غير مرتبطة بالتحالف الأطلسي القديم وهو ما عبر عنه الرئيس الفرنسي ايمانييل ماكرون أكثر من مرة. لكن لم يجد بعد التجاوب المطلوب حتى الآن لعدم قدرة العديد من البلدان الاوربية القبول بهذا التحول في السياسة الخارجية لوشنطن.