الجمعة 5 مارس 2021
رياضة

إدريس لكريني: الرياضة والمعارك الوهمية في زمن الانكسارات والهزائم العربية

إدريس لكريني:  الرياضة والمعارك الوهمية في زمن الانكسارات والهزائم العربية إدريس لكريني
على هامش مجزرة رادس التحكيمية التي كان ضحيتها فريق الوداد البيضاوي والكأس المسروقة التي أهداها الكاف للترجي التونسي في سيناريو مرعب تابعه العالم في ليلة رمضانية سوداء أساءت إلى سمعة الكرة الإفريقية، نعيد " أنفاس بريس" نشر مقال سابق نشره؛ د.إدريس لكريني، قبل عشر سنولت بموقع "مركز الجزيرة للدراسات" بعنوان " معارك وهمية في زمن الانكسارات والهزائم العربية"، يبرز فيه التوظيف البشع للرياضة من قبل الأنظمة العربية لتكريس الجهل والأمية والتخلف واستغلال مشاعر الناس وعواطفهم لإحكام سيطرتها وتأبيد حكمها.
وفي يلي نص المقال:
في عالم متحول تسود فيه الصراعات والنزاعات المتباينة من حيث مظاهرها وخطورتها؛ أصبح من الضروري أن تلعب الرياضة أدوارا هامة على طريق ترسيخ ثقافة الحوار والسلام والتسامح وتجاوز مختلف المآزق السياسية.
وإذا كانت العديد من الدول المتقدمة قد نجحت إلى حد كبير في استثمار الشعبية العالمية التي تحظى بها الرياضة بشكل عام وكرة القدم على وجه الخصوص في إدارة عدد من القضايا التنموية والاجتماعية وترسيخ قيم تربوية وإنسانية نبيلة داخل المجتمع؛ فإن الأمر يختلف عنه في معظم الدول العربية؛ حيث توظف كرة القدم بصورة مبتذلة في كثير من الأحيان لخدمة "الزعيم" وتكريس الجهل والتخلف والصراع؛ حيث يتم اختزال القضايا الحاسمة والهوية الوطنية في حب هذه اللعبة الشعبية.. ضمن "معركة" يتجند لها الإعلام والساسة والفنانون وبعض "المثقفين".
بين نبل الرياضة ومكر السياسة
توظيف في محله وفي غير محله
معارك وهمية في زمن الانكسارات والهزائم
أين التنشئة الاجتماعية العربية؟
بين نبل الرياضة ومكر السياسة
طالما أسهمت الرياضة على اختلاف أنواعها في ترسيخ قيم التسامح والسلام والتواصل والتضامن وإشاعة الروح الرياضية بين أطراف المجتمع ذاته أو بين مختلف الشعوب والأمم.
إن أهمية الرياضة تكمن في بعدها الإنساني والأخلاقي والتربوي والصحي الذي يكرس قيم الود والتضامن والأخلاق النبيلة، بعيدا عن مقالب السياسة ومنزلقاتها.
فهي مجال يمكن النشء من إبراز مقدراته وإمكانياته في إطار من التنافس الشريف وتكافؤ الفرص وفق قواعد وضوابط واضحة.
وعلاوة عن كونها وسيلة للتفريغ والتسلية وإثبات الذات مثلما هو الأمر بالنسبة للأدوار المفترضة للأندية الثقافية والمسارح والمعاهد الفنية؛ فهي تربي الفرد على قيم الروح الرياضية والتسامح؛ التي تتجلى في مصافحة الخصم وتهنئته بالنصر؛ واعتبار الهزيمة محطة للوقوف على مختلف الأخطاء والمنزلقات ومكامن الضعف.. والسعي لتجاوزها في المستقبل.
ولذلك فقد تنامت دعوات مختلف المنظمات الدولية كالأمم المتحدة.. إلى جعلها (الرياضة) مدخلا مهما لتلطيف العلاقات بين الدول؛ ووسيلة للتقريب بين مختلف الشعوب؛ خدمة للسلام العالمي؛ في عالم يطبعه التوتر والصراع والحروب.
وأمام إشعاعها المتزايد؛ أصبحت الرياضة في شكلها الفردي والجماعي محل اهتمام متزايد من قبل رجال السياسة؛ الذين وجدوا فيها مجالا خصبا لتحقيق تطلعاتهم وطموحاتهم السياسية عبر استثمار إشعاعها ونبلها الإنساني.
فقد وظفها كل من "موسوليني" و"هتلر" بشكل مكثف في الترويح لنظاميهما الفاشي والنازي؛ كما نجحت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي(السابق) في توظيف المناسبات واللقاءات الرياضية ضمن الصراع الذي كان قائما بينهما خلال فترة الحرب الباردة؛ وعبر الزعيم الصيني "ماو تسي تونغ" عن إعجابه بكرة القدم التي تستأثر باهتمام الملايين".
فيما شكلت بطولة العالم لكرة الطاولة (البينغ البونغ) المنعقدة باليابان سنة 1971 مناسبة جيدة لتلطيف الأجواء المشحونة بين الصين الشعبية والولايات المتحدة الأمريكية وإرساء أرضية للحوار بينهما بعد قطيعة دامت أكثر من عقدين؛ ضمن ما سمي حينئذ بدبلوماسية "البينغ بونغ".
وخلال الدورة الأولمبية التي نظمت في بكين سنة 2008؛ حاولت الصين أن تستثمر نجاحها في تنظيم هذه الدورة وتقدمها ضمن ترتيب الميداليات المحصل عليها؛ لتسويق صورة بلد متطور يسير باتجاه تأكيد تفوقه في مختلف الميادين والمجالات ويتجه نحو فرض قطبيته الصاعدة في مواجهة الانفراد الأمريكي بالساحة الدولية.
فيما حاول بعض الفاعلين المحليين والغربيين في مجال حقوق الإنسان؛ استثمار هذه المناسبة الرياضية لطرح مشكلة "التبت"؛ والتنديد بما أسموه ب"انتهاكات" النظام الصيني لحقوق الإنسان.
إن نبل الرياضة يتبين بشكل جلي عندما يتم مقارنتها بالسياسة؛ فما السبب الذي يجعل الشباب في مختلف الدول العربية كما هو الشأن بالنسبة لعدد من البلدان المتخلفة؛ يقبل على الانخراط في الأندية الرياضية ويحرص على حضور مختلف المناسبات في هذا الشأن؛ في حين أنه لا يهتم إلا نادرا بالشأن السياسي وعلى مضض؛ ولا يشارك في مختلف العمليات الانتخابية؟
إن ملاعب الرياضة تستطيع جلب جمهور حاشد من مختلف المستويات العمرية والثقافية والاجتماعية.. في ظرف وجيز؛ وهو ما لا تستطيع الأحداث والمناسبات السياسية تحقيقه؛ بالنظر إلى أن الجمهور الأول لا يعرف نتيجة المباراة الرياضية ويذهب إليها بشوق وحماس كبيرين؛ عكس الجمهور السياسي المفترض؛ الذي غالبا ما ينقصه عنصر التشويق لمعرفة النتائج؛ طالما أنها محسومة وتبدو معالمها ومؤشراتها منذ البداية؛ وتتدخل فيها عوامل أخرى غير الكفاءة؛ وتتحكم فيها قواعد لعبة غير واضحة وغامضة في كثير من الأحيان.
كما أن الشخص عندما ينخرط في ناد رياضي أو عندما يمارس لعبة رياضية تكون فرصته في تأكيد حضوره وإبراز مواهبه أفضل مما لو انخرط في حزب سياسي؛ وبخاصة وأن قواعد اللعبة الرياضية تكون واضحة وتنبني على تكافؤ الفرص والشفافية؛ على عكس "اللعبة" السياسية التي لا تخضع في الغالب ببلداننا العربية لمنطق الكفاءة والتنافس الشريف.
توظيف في محله وفي غير محله
أصبحت المناسبات الرياضية في العقود الأخيرة وسيلة ناجعة لتعبئة الجماهير وتوجيههم وشحنهم وإلهائهم بصراعات ومعارك وهمية تسهم في تضخيمها وسائل الإعلام (عن قصد أو عن غير قصد).. واستثمارها في الترويج لبعض الساسة والتسويق لبرامجهم المختلفة..
وهكذا أريد للملاعب والمناسبات الرياضية أن تنخرط في إدارة معارك سياسية داخلية وأخرى خارجية وتتحول إلى ساحات حرب لتصفية حسابات ضيقة؛ الأمر الذي جعلها تشوش على عمل الأحزاب السياسية والنقابات والمكتبات.. وقدراتها من حيث التأثير والمردودية.
إن غالبية الساسة في البلدان الشمولية يوظفون كل الإمكانيات والطرق المشروعة وغير المشروعة لتحقيق غاياتهم السياسية و"الفوز" بمقاعد تمثيلية محلية أو وطنية في انتخابات "تنافسية" غالبا ما تكون صورية وينقصها عنصرا الحماس والتشويق؛ وفي حالة "الهزيمة" فالأمر لا يفسر بتقصير "المنهزم" أو بقوة الخصم ونجاعة برنامجه ومشروعه السياسي.. كما هو الشأن بالنسبة لغالبية الرياضيين؛ وإنما يبرر بفساد الخصم وتوظيفه للسلطة أو المال.. في تحقيق الفوز.
إن ما يعطي الأهمية للرياضة كون منافساتها تتم على المكشوف وأمام الجماهير وفق قواعد محددة يعرفها الجميع؛ بالصورة التي تسمح بإطلاق الانتقادات والاحتجاجات على المتنافسين وعلى حكم المباراة؛ وتتيح لهم أيضا إصدار انطباعات وارتسامات حول المباريات والمتنافسين بصورة موضوعية وغالبا ما تغيب فيها المجاملات.. وهو ما تفتقر إليه المنافسات السياسية وضوابطها في مختلف بلداننا العربية.
ولهذا؛ فلا يمكن نفي العلاقة الوطيدة التي تربط الرياضة بالسياسة؛ غير أن هذه العلاقة لا تتخذ بعدا أو منحى واحدا؛ فلا يخفى دور القيم النبيلة التي ترسخها الرياضة من حيث قدرتها على تلطيف الأجواء السياسية داخل المجتمعات وتفريغ الطاقات وتربية الفرد على التعايش داخل المجتمع؛ وإصلاح وترميم المشاكل التي تخلفها السياسة إن على الصعيد الداخلي أو الدولي.
وإذا كان بعض الزعماء السياسيين في الأنظمة الديمقراطية يقدمون خدمات جليلة للرياضة من خلال دعم قطاعاتها بكل الإمكانيات المادية والتقنية وجعلها بوابة لجلب الاستثمارات ودعم السياحة وقطاع المقاولات والخدمات (نشير في هذا السياق إلى دور الزعيم دور نلسون مانديلا في تنظيم استضافة كأس العالم 2010 بجنوب إفريقيا رغم أهمية الملف المغربي المنافس) مثلما يستفيدون منها في إطار معقول.. فإن عددا من الأنظمة السياسية في الأقطار العربية كما هو الشأن بالنسبة لعدد من الدول المتخلفة يستثمرونها بشكل مبالغ فيه؛ سواء على مستوى حشد التأييد للزعيم وإلهاء الجماهير عن قضاياها الحقيقية والملحة.
ويبدو هذا الاستغلال جليا مع اقتراب تنظيم الانتخابات المحلية أو الوطنية حيث يتسابق عدد من الساسة إلى دعم الفرق والأندية الرياضية وحضور فعالياتها ومبارياتها أو السعي إلى الانخراط في تنظيماتها الإدارية.
بل أكثر من ذلك؛ فإن عددا من الزعماء السياسيين في بعض الدول الشمولية لا يترددون في التدخل بتعليماتهم في تحديد تشكيلة الفرق الرياضية؛ ويقومون في بعض الأحيان بتوبيخ ومعاقبة اللاعبين بصور مبالغ فيها عند حدوث الهزيمة.
وهو الأمر الذي يؤثر بالسلب على مسار هذه الرياضة ويحيدها عن أهدافها النبيلة ويجعل منها وسيلة للإلهاء وتمرير المواقف السياسية واستغلال مشاعر الجماهير لخدمة السياسة.
وقد نجح كثير من القادة السياسيين في عالمنا الراهن في توظيف الرياضة لخدمة مصالحهم السياسية عبر الاستفادة من الإمكانات المذهلة التي تتيحها هذه الأخيرة في تحقيق مكاسب سياسية.
فخلال الانتخابات المحلية أو التشريعية أو الرئاسية يتهافت المرشحون على ترويج صور تجمعهم بأبطال رياضيين يحملون شهرة واسعة؛ بل ويحرصون على حضورهم في الحملات التي ينظمها هؤلاء المرشحون لضمان حضور وتعاطف أكبر عدد من الجماهير.
فالرئيس الفرنسي السابق "جاك شيراك" لم يتردد في الاعتماد على دعم لاعب كرة القدم الشهير "زين الدين زيدان" خلال معركته الانتخابية الرئاسية لسنة 2002 في مواجهة زعيم الحزب اليميني "جان ماري لوبين".
أما رئيس الوزراء الإيطالي "سيلفيو برلوسكوني" فقد ارتبط اسمه بنادي "ميلان" الإيطالي لكرة القدم؛ قبل أن يبادر إلى تأسيس حزب "فورصا إيطاليا" (إيطاليا إلى الأمام) ويحقق في إطاره نجاحات سياسية كبرى.
كما أن الرئيس الأرجنتيني السابق "كارلوس منعم" اعتمد في كثير من حملاته الانتخابية على شعبية اللاعب "ديوكو مارادونا".. وفي المغرب؛ تمكنت لاعبة القوى "نوال المتوكل" والفائزة بالميدالية الذهبية في الدورة الأولمبية المنعقدة في لوس أنجلوس سنة 1984 أن تستثمر نجاحاتها الرياضة في الوصول إلى منصب وزيرة للشبيبة والرياضة مرتين (الأولي في عهد الحسن الثاني والثانية خلال حكم الملك محمد السادس).
معارك وهمية في زمن الانكسارات والهزائم العربية.
أضحت كرة القدم من أكثر الألعاب شعبية وانتشارا؛ وأصبحت تستقطب اهتمام مختلف الفئات داخل المجتمع نساء ورجالا؛ فقراء وأغنياء؛ كبارا وصغارا.. وتستأثر باهتمام كبير ومتابعة واسعة من قبل وسائل الإعلام المحلية والدولية بمختلف أشكالها.. مما وفر لها قدرة فائقة على التأثير في المجتمع.
وإذا كان توظيف الرياضة وكرة القدم على وجه الخصوص يتم على نطاق واسع في مختلف أنحاء العالم؛ فإن هذا التوظيف يكتسي طابعا من الخصوصية والمبالغة في كثير من الأقطار العربية. سواء على مستوى تعزيز وتجديد شرعية الأنظمة في أوساط فئة الشباب باعتبارهم الأكثر اهتماما بالرياضة. وتحويل أنظار الشعوب عن قضاياها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وصرفهم عن الاهتمام بأمورهم اليومية الملحة والحقيقية.
ففي كثير من الأحيان؛ تتحول ملاعب الكرة إلى ساحة لحسم المعارك السياسية؛ وتغيب الروح الرياضية وقيم المنافسة الشريفة؛ في مظاهر تبدو الوطنية فيها وكأنها قد اختزلت في حب هذه اللعبة؛ ويصير الفوز نصرا للشعب وللوطن؛ ويسوق له كما لو أن الأمر يتعلق بإنجاز تاريخي يفوق في أهميته الإنجازات العلمية والفكرية والاقتصادية والسياسية.
وهي "انتصارات" يجيد كثير من الزعماء السياسيين العرب توظيفها لصالحهم؛ بالصورة التي تعطي الانطباع بحرصهم على مشاركة الجماهير في اهتماماتهم وأفراحهم؛ وهو استثمار يبدأ بالمبادرة إلى بعث برقية إلى اللاعبين أو إجراء اتصال هاتفي معهم لتقديم النصح والتحفيز أو لتقديم التهاني بمناسبة الفوز؛ قبل تخصيص استقبال جماهيري يليق بإنجازاتهم ينقل بشكل مباشر عبر مختلف القنوات التلفزية المحلية والدولية؛ ويتابع من قبل عدد من الجرائد والمجلات؛ قبل أن يحظى اللاعبون باستقبال رسمي يقيمه الزعيم بصفته الرياضي الأول؛ تسمح له بالتقاط صور مع اللاعبين الفائزين وتقديم الهدايا والأوسمة إليهم.
إنها وسيلة لتلميع صورة النظام المفلس وتجديد شرعيته من خلال الترويج للانتصارات الرياضية؛ تلك الانتصارات التي تتجاوب وتتفاعل معها الجماهير بصورة مبالغ فيها؛ بالشكل الذي يسمح بممارسة التعتيم على عدد من الإخفاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. التي تتخبط فيها هذه الدول وشعوبها.
ويلعب الإعلام دورا محوريا في هذا الشأن؛ فهو يروج للاعبين الرياضيين وبعض الفنانين.. ويجعل منهم أبطال وطنيين في ظرف قياسي في مقابل التهميش الممنهج ضد العلماء والمثقفين والباحثين والتعتيم ضد إنجازاتهم ونجاحاتهم.
وتلعب بعض وسائل الإعلام والاتصال بكل ألوانها وأشكالها المرئية والمسموعة والمقروءة.. وسواء تلك التي تملكها الدولة أو الأحزاب أو الخواص.. دورا محوريا في هذا الشأن.
ومعلوم أن انتشار الفقر والأمية والبطالة في أوساط عدد من المجتمعات العربية؛ تجعل من المواطن لقمة سائغة في يد وسائل الإعلام التي تحسن استثمار هذه العوامل لتكريس ثقافة مبتذلة تنبني على السطحية والتعتيم.. ففي غياب تنشئة واضحة حول قيم المواطنة؛ تصبح كرة القدم عاملا للتجييش وحشد الجماهير والهمم.
ولذلك فالسلوكات المنحرفة والشاذة التي تعقب المقابلات أو تسبقها هي نتيجة فعلية للمقاربة الإعلامية المنحرفة ولدخول الساسة على الخط أيضا.
وفي هذا السياق شهد اللقاء الأخير (2009) الذي جمع المنتخب المصري لكرة القدم بنظيره الجزائري في السودان برسم الإقصائيات المؤهلة لكأس العالم بجنوب إفريقيا (2010)؛ استثمارا سياسيا على نطاق واسع؛ فالنظام السوداني وجد في استضافته لهذا اللقاء فرصة لتلميع صورته أمام العالم؛ وإبراز إمكانيات البلد على مستوى التنظيم؛ بعد الصورة القاتمة التي روجها الإعلام الغربي عن الأوضاع في إقليم دارفور واستدعاء المحكمة الجنائية الدولية للرئيس عمر البشير؛ وتقديم صورة مشرقة عن بلد حظي بثقة تنظيم لقاء رياضي دولي من هذا الحجم؛ وهكذا سوقت صورة الرئيس البشير على قمصان الأطفال داخل الملعب أثناء المباراة التي تابعها جمهور كبير في الملعب أو عبر مختلف القنوات المحلية والعربية والدولية.
فيما اعتبر البعض أن تفاعل الساسة في الجزائر ومصر مع المقابلة بتصريحاتهم المستفزة وكأن الأمر يتعلق بمعركة حاسمة؛ يبرز رغبتهم في التغطية على إخفاقاتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
أضحت كرة القدم من أكثر الألعاب شعبية وانتشارا؛ وأصبحت تستقطب اهتمام مختلف الفئات داخل المجتمع نساء ورجالا؛ فقراء وأغنياء؛ كبارا وصغارا.. وتستأثر باهتمام كبير ومتابعة واسعة من قبل وسائل الإعلام المحلية والدولية بمختلف أشكالها.. مما وفر لها قدرة فائقة على التأثير في المجتمع.
وإذا كان توظيف الرياضة وكرة القدم على وجه الخصوص يتم على نطاق واسع في مختلف أنحاء العالم؛ فإن هذا التوظيف يكتسي طابعا من الخصوصية والمبالغة في كثير من الأقطار العربية. سواء على مستوى تعزيز وتجديد شرعية الأنظمة في أوساط فئة الشباب باعتبارهم الأكثر اهتماما بالرياضة. وتحويل أنظار الشعوب عن قضاياها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وصرفهم عن الاهتمام بأمورهم اليومية الملحة والحقيقية.
ففي كثير من الأحيان؛ تتحول ملاعب الكرة إلى ساحة لحسم المعارك السياسية؛ وتغيب الروح الرياضية وقيم المنافسة الشريفة؛ في مظاهر تبدو الوطنية فيها وكأنها قد اختزلت في حب هذه اللعبة؛ ويصير الفوز نصرا للشعب وللوطن؛ ويسوق له كما لو أن الأمر يتعلق بإنجاز تاريخي يفوق في أهميته الإنجازات العلمية والفكرية والاقتصادية والسياسية.
وهي "انتصارات" يجيد كثير من الزعماء السياسيين العرب توظيفها لصالحهم؛ بالصورة التي تعطي الانطباع بحرصهم على مشاركة الجماهير في اهتماماتهم وأفراحهم؛ وهو استثمار يبدأ بالمبادرة إلى بعث برقية إلى اللاعبين أو إجراء اتصال هاتفي معهم لتقديم النصح والتحفيز أو لتقديم التهاني بمناسبة الفوز؛ قبل تخصيص استقبال جماهيري يليق بإنجازاتهم ينقل بشكل مباشر عبر مختلف القنوات التلفزية المحلية والدولية؛ ويتابع من قبل عدد من الجرائد والمجلات؛ قبل أن يحظى اللاعبون باستقبال رسمي يقيمه الزعيم بصفته الرياضي الأول؛ تسمح له بالتقاط صور مع اللاعبين الفائزين وتقديم الهدايا والأوسمة إليهم.
إنها وسيلة لتلميع صورة النظام المفلس وتجديد شرعيته من خلال الترويج للانتصارات الرياضية؛ تلك الانتصارات التي تتجاوب وتتفاعل معها الجماهير بصورة مبالغ فيها؛ بالشكل الذي يسمح بممارسة التعتيم على عدد من الإخفاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. التي تتخبط فيها هذه الدول وشعوبها.
ويلعب الإعلام دورا محوريا في هذا الشأن؛ فهو يروج للاعبين الرياضيين وبعض الفنانين.. ويجعل منهم أبطال وطنيين في ظرف قياسي في مقابل التهميش الممنهج ضد العلماء والمثقفين والباحثين والتعتيم ضد إنجازاتهم ونجاحاتهم.
وتلعب بعض وسائل الإعلام والاتصال بكل ألوانها وأشكالها المرئية والمسموعة والمقروءة.. وسواء تلك التي تملكها الدولة أو الأحزاب أو الخواص.. دورا محوريا في هذا الشأن.
ومعلوم أن انتشار الفقر والأمية والبطالة في أوساط عدد من المجتمعات العربية؛ تجعل من المواطن لقمة سائغة في يد وسائل الإعلام التي تحسن استثمار هذه العوامل لتكريس ثقافة مبتذلة تنبني على السطحية والتعتيم.. ففي غياب تنشئة واضحة حول قيم المواطنة؛ تصبح كرة القدم عاملا للتجييش وحشد الجماهير والهمم.
ولذلك فالسلوكات المنحرفة والشاذة التي تعقب المقابلات أو تسبقها هي نتيجة فعلية للمقاربة الإعلامية المنحرفة ولدخول الساسة على الخط أيضا.
وفي هذا السياق شهد اللقاء الأخير (2009) الذي جمع المنتخب المصري لكرة القدم بنظيره الجزائري في السودان برسم الإقصائيات المؤهلة لكأس العالم بجنوب إفريقيا (2010)؛ استثمارا سياسيا على نطاق واسع؛ فالنظام السوداني وجد في استضافته لهذا اللقاء فرصة لتلميع صورته أمام العالم؛ وإبراز إمكانيات البلد على مستوى التنظيم؛ بعد الصورة القاتمة التي روجها الإعلام الغربي عن الأوضاع في إقليم دارفور واستدعاء المحكمة الجنائية الدولية للرئيس عمر البشير؛ وتقديم صورة مشرقة عن بلد حظي بثقة تنظيم لقاء رياضي دولي من هذا الحجم؛ وهكذا سوقت صورة الرئيس البشير على قمصان الأطفال داخل الملعب أثناء المباراة التي تابعها جمهور كبير في الملعب أو عبر مختلف القنوات المحلية والعربية والدولية.
فيما اعتبر البعض أن تفاعل الساسة في الجزائر ومصر مع المقابلة بتصريحاتهم المستفزة وكأن الأمر يتعلق بمعركة حاسمة؛ يبرز رغبتهم في التغطية على إخفاقاتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
بل إن كثيرا من المحللين والمتابعين اعتبروا بأن النظام السياسي المصري كان يطمح في توظيف الفوز في هذه المباراة لتلميع الوريث المرتقب لحكم مصر والترويج له على نطاق واسع.
لقد مرت المقابلة في جو من التحريض والتوتر نتيجة المقاربات الإعلامية المستفزة ضمن حملة استهدفت تشويه صورة البلدين وشعبيهما معا؛ تعززت بتصريحات عدد من الساسة و"المثقفين" و"الفنانين"؛ بشكل يصور المباراة وكأنها معركة حاسمة ضد عدو حقيقي أو خطر داهم؛ وبلغت تداعياتها إلى حد أن مصر استدعت سفيرها للتشاور والجزائر استدعت سفيرها للاحتجاج؛ مما أفرز نقاشات وسجالات واهية كان من الأفضل توظيفها في مناقشة قضايا المجتمع الحقيقية.
ولعل تطور الأمور إلى هذا الحد السيئ كان يفرض على القيادات السياسية بالبلدين إصدار تصريحات ودية تسهم في رأب الصدع وإصدار تعليمات إلى مختلف وسائل الإعلام للحد من استغلال مشاعر الشعوب والتحريض على الكراهية.
أين التنشئة الاجتماعية العربية؟
إن تفاعل الجماهير مع هذه المقابلة وبهذا الشكل من المبالغة؛ يشير إلى وجود خلل واضح في التنشئة الاجتماعية والسياسية في معظم الأقطار العربية وانحراف واضح في بعض قنواتها من حيث الوظائف والحضور في عمق المجتمع؛ فالعديد من وسائل الإعلام ورغم خطورة وظائفها المرتبطة بالتنوير وتوجيه الرأي العام وتشكيل الثقافة الاجتماعية والسياسية والتنشئة الاجتماعية.. من خلال نشر المعلومات ونقل الأخبار والأفكار.. تسهم في كثير من الأحيان في تكريس ثقافة التعتيم والابتذال والترويج للطروحات الرسمية؛ كما أن الأحزاب السياسية في عدد من الأقطار العربية تعيش في غالبيتها أزمة مستشرية؛ بفعل افتقارها إلى مشاريع مجتمعية واضحة المعالم؛ وتقصيرها الواضح في القيام بوظائفها المفترضة فيما يتعلق بالتأطير السياسي والتنشئة الاجتماعية وبلورة المطالب.
وإذا كان التعليم يعد أحد أهم المداخل الرئيسية لتحقيق تنمية حقيقية محورها الإنسان؛ وبوابة لإعمال تنشئة اجتماعية بناءة؛ فإن عددا من التقارير المحلية والدولية تشير إلى المأزق الذي تعرفه منظومة التعليم في مختلف الأقطار العربية؛ نتيجة لعجز المؤسسات التعليمية عن مسايرة مختلف التطورات العلمية؛ وعدم انفتاحها على المجتمع؛ بالإضافة إلى اعتمادها مناهج وطرق تعليمية جامدة ومتجاوزة؛ ترتكز إلى الحفظ والتلقين والشحن؛ عوض الفهم والمناقشة والإبداع والتحفيز على طرح السؤال؛ وفي ظل نظم تعليمية وتربوية عقيمة؛ أغلبها ينحو للماضي أكثر منه إلى الحاضر والمستقبل؛ ويكرس التقليد والتبعية بدل الاجتهاد والإبداع. وهو ما يسهم في إعداد أجيال غير محصنة ضد ثقافة التعتيم والابتذال؛ وعاجزة عن التأمل والنقد وأخذ زمام المبادرة.
إن التوظيف البشع للرياضة يبرز كيف أن الأنظمة العربية تتجه إلى تكريس الجهل والأمية والتخلف واستغلال مشاعر الناس وعواطفهم من أجل إحكام سيطرتها وتأبيد حكمها.
فالأنظمة الشمولية غالبا ما تسعى إلى نشر الفرقة والتمزق بين أفراد المجتمع أو الشعوب التي تجمعها روابط مشتركة أساسها الثقافة أو العرق أو الدين أو التاريخ والمصير؛ لعلمها المسبق بأن الشعوب إذا وعت وتوحدت وتواصلت فإنها ستسعى إلى المطالبة بالتغيير.
وأمام هذه الوضعية المأزومة؛ يطرح السؤال حول ما إذا انتهت المعارك والقضايا الملحة في الأقطار العربية واختزلت في هذه اللعبة؛ ولم تعد هناك أولويات توحد الشعوب العربية غير كرة القدم؟
إن الأمر يتطلب انخراط مختلف القنوات المجتمعية العربية في اعتماد تنشئة اجتماعية بناءة قادرة على صقل سلوك الفرد؛ من حيث تربيته على قيم المواطنة والحرية ونبذ ثقافة التعتيم.
وهي عملية يفترض أن تتم وفقا لمناهج وأساليب واعية بعيدة عن الارتجال والعشوائية؛ وتقوم على التعلم وبناء مواطن منفتح مستقل في قراراته؛ واثق في نفسه وقدراته.. وهي تنشئة ينبغي أن ترفق وتعزز أيضا بتأهيل اقتصادي واجتماعي يكفل العيش الكريم للمواطن؛ بما يحصنه ضد كل فكر مبتذل، ويسمح له بمواجهة التحديات والانكسارات الحقيقية التي تتخبط فيها مختلف الأقطار العربية؛ عوض الانشغال بمعارك وهمية تستنزف الجهد والوقت والمشاعر، وتظل هذه المهمة معقدة وصعبة المنال طالما لم تتجند لها مختلف القنوات بحزم وإرادة أكيدة.