الأحد 21 يوليو 2019
مجتمع

سيرة رجل سلطة: الحسن مختبر .. من لاعب كرة قدم إلى التنظيم السري المسلح (الحلقة7)

سيرة رجل سلطة: الحسن مختبر .. من لاعب كرة قدم إلى التنظيم السري المسلح (الحلقة7) مصطفى القرشاوي يتوسط الفقيه البصري وعبد الرحيم بوعبيد
في سياق توثيق الذاكرة السياسية لمغرب الستينيات والسبعينيات، واحتفاء بالأسماء التي أدت ضريبة النضال من أجل التقدم والديمقراطية، نستعيد في هذه الصفحات مقاطع من سيرة المناضل مختبر الحسن، المحامي ورجل السلطة، الذي فرح بالحكم عليه بالمؤبد لأن قبله تناثرت أحكام الإعدام ونفذت بعد ذلك.
انطلاقا من مرحلة النشأة والتكوين بدرب الكبير بالدارالبيضاء، مرورا بالتحاقه بالدرس الجامعي، وتحديدا بخلايا الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ثم لاحقا بالعمل كقائد بمنطقة واد لاو بشمال المغرب، السيرة تبرز التفاصيل: لقاء الحسن الثاني- لقاء عمر دهكون- الفقيه البصري- اغتيال الجنرال أوفقير - زيارة الشهيد عمر بنجلون في السجن وبعد الطرد الملغوم، ويروي لنا قصة باخرة السلاح التي لم تتمكن من دخول بحر شمال المغرب لأسباب لوجيستية، وقائع الاعتقالات والمحاكمات، اغتيال الشهيد المهدي بنبركة، النقاشات داخل الحقل الطلابي وما ترتب عنه من جدل بين مكونات اليسار المغربي وتفاعلات الانقلاب العسكري وانتهاء باستراتيجية النضال الديمقراطي التي آمن بها أشد الإيمان ومازال لم يبدل تبديلا عنها داخل صفوف الاتحاد الاشتراكي بكل تواضع وإيمان ... عضو نشيط في التنظيم السري المسلح، واضع خرائط قيادة ومحيطها بالجنوب... رجل يحب الفن والثقافة ولاعب كرة القدم الذي تغير مساره للكفاح المسلح:
زرت عمر بنجلون في سجن عين البرجة مخالفا تعليمات الفقيه البصري الذي أمرني بالتزام السرية في تحركاتي.
 
وماهي انعكاسات هذه الأحداث على المغرب؟ 
في الداخل، تعاطف الشعب المغربي مع الشعب الفلسطيني، خاصة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والقوى الحية في الوطن، وبدأ التواصل مع حركات المقاومة تتصدرها حركة فتح، الجبهتان الشعبية والديمقراطية الفلسطينية وغيرها… كما تأسست في الدار البيضاء "جمعية مساندة الكفاح الفلسطيني" وإصدار "مجلة فلسطين" على يد أخينا المرحوم محمد الوديع الأسفي. وأترحم بهذه المناسبة على المناضل الفلسطيني واصف منصور الذي كان مغربيا أكثر منه فلسطينيا، وكان يمثل الثورة الفلسطينية في جميع المهرجانات التي تقام في المغرب تأييدا لها، كما لا أنسى أن عددا من المغاربة انخرطوا في المقاومة المسلحة، وكانوا حاضرين في معركة الكرامة التي أفشلت قرار موشي ديان عندما هاجمهم في الضفة الشرقية بالأردن بمساعدة الجيش الأردني. وحسب علمي، فإن بعض هؤلاء المغاربة نالوا أوسمة من ياسر عرفات رحمه الله.
كيف كانت الأجواء تنظيميا؟
على الصعيد الوطني عرفت أهم الأحداث حزبيا، باعتباري  كنت متتبعا لما يجري داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، كان الوضع مشحونا على جميع المستويات، قيادة وقاعدة، خاصة بعدما أقدمت الدولة على اعتقال الأخوين المحجوب بن الصديق، الأمين العام للاتحاد المغربي للشغل بسبب تصريحاته حول القضية الفلسطينية، وكذا عمر بنجلون.
كيف تقبلت اعتقالهما؟  
هنا لم أنضبط لقاعدة السرية التي أخبرني بها الفقيه البصري، عدم لقاء أي مناضل حزبي أو حضور التجمعات الحزبية، زرت الأخ عمر بنجلون بسجن عين البرجة المتواجد بالقرب من السجن المدني (أغبيلة) بدرب الكبير، بعد التحية والاطمئنان على صحته، سألته عن حاجياته التي يريدها هو ومن معه، ثم  طرحت عليه سؤالا سخيفا: "كيف هي حال معنويات الإخوان؟" فرد علي بعنف: "اسألني عن معنوياتكم أنتم في الخارج"، وقد ندمت على طرح سؤال كهذا على هذا القائد العظيم.
وسط هذه الأحداث كيف كان موقف عبد الرحيم بوعبيد؟ 
داخل هذه الأجواء المشحونة، سيغضب عبد الرحيم بوعبيد على مصطفى القرشاوي، هذه الغضبة لها علاقة بالخلاف بين الجناح النقابي والجناح السياسي الذي بدأ مع تأسيس نقابة الاتحاد المغربي للشغل (20 مارس 1955). الجناح النقابي يفصل السياسة عن النقابة وهمه الخبز فقط، فيما كان الجناح السياسي يعتبر الخبز سياسة وأن الطبقة العاملة قد انخرطت في الكفاح السياسي للنضال ضد المستعمر.
الجناح السياسي نزل بكل ثقله للحفاظ على الوحدة النقابية المتجسدة في الاتحاد المغربي للشغل، إذ يجب تكوين العمال نقابيا وسياسيا من داخل النقابة وليس من خارجها، باعتبارها "لوبي" ضغط قويا لتحقيق المشروع المجتمعي للحزب ذي البعد الحداثي الديمقراطي الاشتراكي.
عندما اعتقل المحجوب بن الصديق، ارتأى الحزب في شخص المرحوم عبد الرحيم بوعبيد أن يمد اليد للجناح النقابي في أفق إصلاح ذات البين معه، وهذا ما كان موضوع نقاش حاد في الحزب، تيار يرفض هذا الانفتاح يتزعمه بعض المناضلين ومن ضمنهم أخي مصطفى القرشاوي المناضل الصلب العصامي والصحفي البارع رحمه الله، الذي كان رأيه هو أخذ رأي القيادة الحزبية في الخارج، ويقصد الفقيه البصري، بعد أن لاحظ التوجه الغالب في صف بوعبيد وتأجيل البت في القضية، وقال المرحوم القرشاوي بهذا الخصوص "لقد اتصلت بالفقيه لأعلمه برفض مقترح الأخ بوعبيد، هذا الأخير بوسائله الخاصة تواصل مع البصري حول نفس النقطة"، لكنه نفى ما صرح به مصطفى القرشاوي، فاعتبر بوعبيد ما قاله القرشاوي غير صحيح وأصدر قرارا بمعاقبة هذا الأخير، وبسبب هذه الواقعة أصبح القرشاوي يمقت الفقيه البصري ويعتبره كاذبا في نظره، وبقي على هذه الحال طوال حياته إلى أن فارق الحياة رحمه الله ولكنه ترك ميراثا مشرفا تشهد عليه أعماله التي قدمها لهذا الحزب ولهذا الوطن.