الثلاثاء 29 سبتمبر 2020
فن وثقافة

باكو يحول هاندريكس الى كناوي " مسكون " يرتدي " الدربالة " ويعشق "البخور"

باكو يحول هاندريكس الى كناوي " مسكون " يرتدي " الدربالة " ويعشق  "البخور" عبدالرحمان باكو (يمينا) والمغني العالمي جيمي هاندريكس
نعود من جديد إلى حكاية المغني العالمي جيمي هاندريكس وعلاقته ب لمعلم عبدالرحمان باكو، ونرصدها كما حكاها باكو نفسه تصحيحا لبعض الادعاءات والحكايات التي تنسج من خيال البعض، ملوثين بذلك  توثيقا مهما ما أحوج الأجيال القادمة إليه ...
توقفنا في الحكاية، عند تعارف الفنان العالمي جيمي هاندريكس ب لمعلم عبدالرحمان باكو بغابة الديابات، ليدخل الثنائي في "جدبة " عزف تزاوج بين آلة السنتير وآلة القيتارة مرفوقة بالنقر على الإيقاع بواسطة " لقراقب "، ستجعل هاندريكس يندمج وينسجم ليسافر مع الموسيقى والإيقاع لكناوي عبرالرقص الممتح من ثقافة الهنود الحمر، يقول عبدالرجمان باكو: إذا رأيت جيمي في تلك الحال تشعر أنه لا يحس إلا بآلته غير مبال بكل ما يحيط به، كانت الموسيقى هي الهواء الذي يتنفس به .. أعجبت به كثيرا ومازاد من إعجابي بساطته وعفويته ، فطنت ساعتها أنه مجدوب مثلي ومثل رفاقي في عالم تاكناويت، ثارة تجده جاثيا على ركبتيه وثارة يقفز إلى فوق، يتمايل بجسده بشكل ملفت وكأنه ولج سراديب الحال، العرق يتصبب من كل أطراف جسمه، يطأطئ رأسه بشكل ملفت إلى الأسفل، المثير في الأمر أن الرجل ظل محافظا على نغمات العزف متجاوبا مع ما أعزف رغم أنه دخل في حالة اللاشعور ورغم أني أنا وهو كنا فقط نرتجل تلك المعزوفات النابعة بكل عفوية من أعماقنا ودون سابق ترتيب، وكيف سنرتب وأنا للتو تعرفت بالرجل ولم يسبق أن ربطت بيني وبينه أية علاقة ثم إني في تلك الفترة لا أجيد لغته وهو لا يعرف حرفا من لغتي، فقط كنا نعتمد على ترجمة أصدقائنا المشتركين إذا أردنا تبادل الجديث ؟ ..تيقنت أنه فنان لا مثيل له لأني خلال العزف كنت أجره إلى عالم كناوة أي عالمي، وتعرفون أن الإيقاع لكناوي من أصعب الإيقاعات حتى على أبناء البلد فكيف لأجنبي أن يندمج معه بسرعة وبدون تمرين ؟ .. عندما انتهينا  من العزف وجلس ليستريح منتشيا بجدبة جددت وأنعشت روحه أسر لي بكلام ترجمه صديق بهمس، بأنه لم يسبق أن بلغ مثل هذا الإحساس الرائع وبأنه لم يسبق أن أحس بآلة أخرى تجاوبت مع آلته مثل آلة السنتير ..كانت شهادة كبيرة في حقي وظل أصدقائي من أبناء الصويرة ممن يرافقونني للديابات يجكونها في المدينة لسنوات، وكنت أول وآخر كناوي عزف مع هذا الفنان المحبوب ...
صداقتنا ستأخذ بعدا آخر إذ أصبح هاندريكس كثير الالتصاق بي طيلة مدة إقامته بالصويرة ، في اليوم الموالي بعد لقائنا مساء، دعاني إلى منزل أحد أصدقائه كان هذا الصديق مولعا بالموسيقى الروحية لهذا أعتقد طلب مني هاندريكس أن أرافقه ، كان المنزل غاصا بالحضور، أصر هاندريكس أن يعرفني عليهم واحدا واجدا ويتعرفوا علي بالمقابل، سأكتشف أن جل الضيوف مسيقيون وصحفيون أجانب، بلإضافة الى شخصيات من عوالم وقطاعات أخرى كالطب والهندسة والأعمال وغيره ..أمر كان يثير انتباهي كلما رافقت أو جالست هذا الفنان وهو أن الصحافة معه كظله .. تتتبعه تصوره تحدثه في تلك الفترة لم أكن قد بلغت سنتي العشرين ولم يكن إسم جيمي هاندريكس يعني لي شيئا كبيرا ، فأنا ترعرعت على تاكناويت هي عالمي وما دونها لايشدني كثيرا، لكني سأعجب بالرجل رغم أني لم أكن من جمهوره أو حفظة أعماله وسيزداد إعجابي به لما ضاهدت سلوكه فهو يدكرك بسلوك بوجميع وعفويته وبساطته ، قد أقول إنك بصدد غيواني من بلد آخر..قيمته على المستوى الدولي سأعرفها لما شاهدت جيش المعجبين من كل أقطار العالم والأشخاص الذين يرافقونه أينما حل وارتحل ، وكذا صفوف الصحفيين الذين يتوافدون عليه، هنا لا بد أن أقف لأسجل أن الغيوان لودعمتها الصحافة بالشكل المعمول به في البلدان الأخرى لكانت من أشهر الفرق عالميا ...في بيت ذلك الصديق أخذ جيمي يتحدث للصحافيين الذين يتعاقبون على طرح أسئلة مسترسلة، فسألوه عن عالم كناوة بعدما قدمت معطيات لهم حول هذا اللون الفني، فكان جوابه مثيرا حينما قال إن موسيقى كناوة تعكس ألوان الروح من خلال آلة صنعت من الطبيعة  ..وبما أنه كان يمتاز بروح الدعابة سيتوجه إلي بالقول، لنقم ليلتنا ياطبيب الأشباح ..وهو اللقب الذي ظل يردده وأصدقاؤه كلما نادوني وداع اللقب بين أصدقائي ومعارفي أيضا .
كنا قد اتفقنا قبلا أن نقيم في بيت صديق هاندريكس مباشرة بعد أن عرفني عليه، أمسية على شكل حضرة كناوية ومؤثثة بكل الطقوس، حيث تم إحضار العتروس الأسود وتم ذبحه وقرعت الطبول فوقه غلى اننا لا نصل إلى المراحل التي تعرفها الحضرة الحقيقية،  تم إطلاق البخور وقام أحد افراد كناوة ليقوم بجولة في البيت ل " تبخير" الأرجاء كما هو معمول به في الطقوس الكناوية، لأفاجا بهاندريكس يقفز من مكانه ويقوم هو بعملية حمل " المجمر " الصغير و"تبخير " أرجاء المنزل وكذا تبخير الحاضرين ، اكثر من هذا وذاك فالرجل لم يتوقف هاهنا، إذ جريا على العادة الكناوية سارع إلى الإناء المملوء بالحليب وحمله وأخذ يرش الحليب بزوايا المنزل وكأننا بصدد كناوي " صحيح " ..لما دخلنا في طقوس العزف والإيقاع حسب درجات الليلة الكناوية والتراتبية التي يجب اتباعها، كان جيمي مرة يحمل قيتارته ومرة يسارع إلى حمل القراقب ولكنه لا يقرب الى السنتير وكأنه يعلم أسرار تاكناويت إذ يمنع على غير لمعلم الاقتراب من آلة السنتير، وفي الحقيقة لم أكن أنا لمعلم تلك الليلة بل كان كل أصدقاء هاندريكس " معلمية " فكل واحد منهم عزف على آلته في هذه الحضرة الفريدة لكن مع احترام الأنغام المعمول بها في الليلة الكناوية، وهو ما أضفى عليها جمالية من نوع خاص إذ كانت سبيهة بمهرجان جمع كل أجناس الكرة الأرضية اجتمعوا وتواصلوا عبر الموسيقى عشقا في الحياة وتكريما لكناوة، هذا اللون الفني الذي ظل محتقرا لعقود ون الزمان لتأتي موجة الهيبيزم عبر العالم وتعطيه المكانة الذي يستحق، وهو الأمر أيضا الذي اشتغلت عليه ناس الغيوان وساهمت في إعادة توهجه ..
أصبح جيمي هاندريكس يتردد كثيرا على غابة الديابات بحثا علينا لمشاركتنا وصلاتنا الموسيقية، المعتمدة أساسا على الإرتجال والإحساس والحدس والغريب أن هذا الارتجال كان يولد ألحانا متناسقة رائعة تشد الحاضرين وتحعل الجميع يتماوج ويتجاوب مع أنغامها، لا حظت خلال هذه الجلسات أن هاندريكس مازال متعلقا بتاكناويت وبأن الليلة التي أحييناها عند صديقه لم تشف غليل دواخله، لذا غامرت ودعوته لحضرة كانت ستقيمها إحدى المقدمات بالمدينة وكنت أنا "لمعلم "، لما أخبرته بالأمر فرح فرحا طفوليا وكأنه جقق إنجازا ما .. هذه المرة لم يحمل قيتارته معه، عرفت أنه يريد أن يعيش الطقوس الكناوية كما يجب أن تكون عليه في أصلها، بداية بفتح الرحبة إلى توالي لملوك والألوان مرورا بالطقوس التي يؤديها الجذابة والقراقبية وما يرافق ذلك من حركات والدخول في الحال وصولا الى نهاية الحضرة.
عندما فتحنا الرحبة جلس جيمي إلى جانبي وهو ينضح بالحال كما لو أنه ولد في أحضان كناوة وتشبع بعوالمها ، بعد ذلك طلب من لباسا كناويا شأنه شأن المشاركين في الحضرة  ولما أعطيناه أن يختار اللباس الذي يريد والذي يتماشى مع الطقوس المعتمدة في الليلة، ما كان منه إلا أن اختار لباس " ملك بودربالة " ؟ ولا أعلم لماذا اختارهذا اللباس بالذات ؟ فهو لباس بال وبه عدة رقع .. عندما ارتدى هذا اللباس أصبحت أراه وبسحنته السمراء، وكأنه واحد من أفراد فرقة كناوة، السعادة بادية على ملامح وجهه، عيناه مركزتان على حركات أصابع يدي وأنا أعزف على الكنبري، يجول برأسه عبر كل مايجري حوله من طقوسغريبة، لكن الذي شده أكثر هو حركات الجذابات وهن يرقصن بشكل محموم لا أعتقد أنه شاهده من قبل، خصوصا عندما يتم سفرهن اللا محدود نحو الحال ولملوك، فيشرعن في ضرب بطونهن وأيديهن بالسكاكين ومنهن من تأكل الزجاج أو نمرر نيران الشموع تحت ذقنها .. كل هذا جعل هاندريكس يحس بأن كناوة موسيقى روحية محضة، تخاطب وجدان المتعاطي معها  وتجعل الحذاب ينفصل كلية عن جسده ...قرر جيمي بعد أن أصر علي بشكل كبير أن نقوم بأعمال فنية معا ، وكذلك اتفقنا لكن الظروف شاءت غير ذلك حيث غادر إلى دارالبقاء ...
كنا لا نفترق إلا نادرا، فهو كان بمتابة توأم أنعامي، بموته فقد العالم ركيزة أساسية في مجال الأغنية الروحية ..أتدكر أنه خلال جولاتي الفنية عبر العالم كان يأتي جمهورغفير إلى مكان الحفل الذي سأكون فيه، فقط ليروا ذلك الكناوي الذي كان يعزف بمعية جيمي هاندريكس بآلة غريبة ومختلفة من الأشياء التي اثارت جيمي في شخصي، هو حركاتي وأنا أعزف على السنتير، فصراحة أحس وكأن نغمة التر استحوذت على مشاعري، أحس أنني بحاجة إطراب نفسي قبل إطراب الآحرين، هذا الأمر كان يقع حتى للعربي باطما أحيانا نخرج أنا وهو من حفل عجب الجمهور ولكني وإياه لم نرتو فنيا وموسيقا، فنقصد المكان الذي نقيم فيه وأدخل بمعيته في  العزف والغناء إلى أن نشبع دواخلنا بما يلزم من أنغام ثم نتوقف..تجدني أتصبب عرقا ورأسي لا يتوقف عن الجذبة وعينايا مغلقتان طيلة الليلة الكناوية، كان بعض الأجانب يعتقدون وهم يرون حركاتي تلك هي بمتابة تواصل بيني وبين لملوك والأرواح التي سكنتي وأنا أعزف خلال الليلة ، أنا نفسي لا أجد أي تفسير لهذه الحالات التي تنتابني كلما حملت السنتير ....
عندما مات جيمي كنت أتلقى التعازي من الكثير من سكان العالم ممن كانوا يأتون للصويرة وعاينوا أوسمعوا بالعلاقة التي كانت تربطني بهذا الفنان البسيط المتواضع وكأنهم يشعرون بالفراغ الذي تركه في نفسيتي ..بعد موته ورحيل ليفينغ تياتر وجدت نفسي مطالبا أكثر بالبحث والتنقيب عن منابع أخرى للموسيقى الروحية وكان هذا بداية لمحطة جديدة  في حياتي الفنية.