الثلاثاء 21 مايو 2019
كتاب الرأي

المرابط: الوساطة المدنية في ملف حراك الريف،عنوان التطور الديمقراطي للمغرب!

المرابط: الوساطة المدنية في ملف حراك الريف،عنوان التطور الديمقراطي للمغرب! محمد المرابط
الحديث عن "الوساطة " المدنية في موضوع حراك الريف،هو من صميم مقتضى التطور المؤسساتي للبلاد،خصوصا في ظل وجود مؤسسة"المجلس الوطني لحقوق الإنسان".
وأمام التعثر الذي يعرفه المخاض المدني في الحسيمة في هذا الاتجاه، وتحفيزا لهذه اللحظة بما يطابق إرادة اقتحام هذه العقبة،سأقف على ثلاث محطات:
1-في أعقاب انتفاضة الريف في أكتوبر 1958، شكل المغفور له محمد الخامس لجنة تقصي الحقائق بالريف،في24 نوفمبر 58.وفي كتاب الأستاذة حسناء داود:"على رأس الثمانين"، وهو "الجزء المكمل لمذكرات الأستاذ محمد داود:على رأس الأربعين"، تلخيص لعمل اللجة التي كان المؤرخ داود أحد أعضائها الخمس.في حين تحتفظ الخزانة الداودية بوثائق وتقييدات جلسات الاستماع،بتازة والحسيمة والناظور.وقد استقبل الملك هذه اللجنة في 8 دجنبر58..وفي 5 يناير 59 وجه خطابا إلى الشعب،لكن المهلة التي حددها لاستئناف الحياة الطبيعية، كانت مفتوحة على أفق مغاير.
بعد ذلك سيتم التدخل العسكري،بكل فظاعاته،وبالقصف بالطائرات، لتخمد الانتفاضة في مارس 59.ليتم إخلاء سبيل المتابعين بمناسبة زيارة الملك في يونيو 59 للريف.وليعفو بعد ذلك المرحوم الحسن الثاني عن اللاجئين السياسيين والمغتربين سنة 1962.
وثائق الأستاذ داود غنية،بحيث لم يتم استثمارها بعد، في الإحاطة بظروف هذه الانتفاضة ومطالبها ،إلى جانب ما سطره قائد الانتفاضة محمد سلام أمزيان.
وإجمالا فرجال الشمال، سواء تعلق الأمر بالفقيه داود أو العامل محمد العربي الفحصي،أو مدير الديوان الملكي عبد الرحمان أنجاي، كانوا موضوعيين في التعاطي مع الانتفاضة.و من الأخطاء الرسمية في التعاطي مع الأمر،كان ترجيح استعمال العنف بدل الحوار،لأهداف ترتيبات السلطة في بداية الاستقلال،كنتيجة طبيعية لاعتبار الحسيمة منطقة عسكرية.
2-في انتفاضة الخبز بالشمال في يناير 1984،والتي انطلقت شرارتها من تطوان في دجنبر 83 من خلال الحركة التلاميذية،والتي اتسعت مجالا،استعمل لإخمادها الرصاص الحي والدبابات.ولاستيعاب غضب الراحل الحسن الثاني وتطييب خاطره-الذي وصف أهل الشمال بالأوباش، وهددهم بأنه من الأحسن لهم ألا يعرفوه كملك بعد أن عرفوه كولي للعهد في أحداث الريف،فكان في موقع التبني الرسمي لفظاعة أفقير في الريف-كان هناك وفد الشمال برئاسة الشيخ محمد حدو أمزيان، رئيس المجلس العلمي وعميد كلية أصول الدين بتطوان(ابن عم قائد انتفاضة الريف محمد سلام أمزيان)،حيث رفض أن يلقي بين يدي الملك الرسالة التي أعدها إدريس البصري،بل تلا رسالته لإصلاح ذات البين،التي لقيت استحسانا في الشمال.لكن العفو عن المعتقلين تأخر لعقد من الزمن.
3-في أواخر أكتوبر 2016،ستعلن فظاعة مقتل الشهيد محسن فكري في حاوية للأزبال بالحسيمة،عن ميلاد الحراك الشعبي/الشبابي في الريف.وقد أطاح هذا الحدث، بكل المجهودات التي بذلها الملك محمد السادس على طريق المصالحة في الريف.وقد أفرز هذا الحراك ملفا مطلبيا في غاية الأهمية،لكن "زفزفة" الحراك أدخلته وما زالت ،في متاهات العلاقة الملتبسة مع تعبيرات المجتمع والدولة.لكن تغاضي التعاطي الرسمي،عن إعمال المساءلة القانونية في إبانها في حق أخطاء الحراك الماسة برموز الدولة ومؤسساتها،جعل التدخلات الأمنية بحكم تراكم هذه الأخطاء،تتسم بالكثير من التجاوز.وكانت هناك أحكام قاسية لا تتناسب مع أفق العهد الجديد في الإنصاف والمصالحة،فتمت العودة إلى نقطة الصفر في علاقة الريف بالمركز.
في مسرد هذه الأحداث يمكن المقارنة بين تعامل الملوك الثلاث،والقوات العمومية،والنخب،مع محطات هذه الاحتجاجات الاجتماعية.وما يهمني الوقوف عليه هنا،هو تعامل الملك محمد السادس المتجرد مع الحراك،إذ لم يخضع للاستفزاز،وتبنى شعارات الحراك،فانصفه .كما قام بالتحقيق في تعثر مشاريع منارة المتوسط،فاعفى بعض المسؤولين.
وانتقد تقصير الأحزاب والإدارة،والنموذج التنموي القائم. وعفا عن عدد مهم من معتقلي الحراك،بالإضافة إلى التودد إلى أهل الحسيمة بالإقامة فيها،وإشارة ما بات يعرف "أهلا الحسيمة".
وأعتقد أن خطاب الذكرى العشرين لعيد العرش،سيكون علامة فارقة في مسار التطور السياسي للمغرب،سيساعد بالتأكيد على تجاوز الكثير من العقد الموضعية في هذا الملف.
ومع الانسداد في أفق الحل الذي يحرص عليه ناصر الزفزافي ووالده -حيث بالمقابل يتهم نوفل المتوكل جهارا الزفزافي الأب بالمتاجرة في معاناة المعتقلين وعائلاتهم-لا بد من التنويه بإصرار المبادرات المدنية للحل السياسي، على التبلور ميدانيا،وهو ما يستوجب التمكين لها كملمح للانتصار لخيار الوساطة المجتمعية في حل النزاعات.وهنا يبرز عمق الرهان على دور النخبة الريفية في نحت عمل جماعي قادر على تجاوز هذا الوضع بإيجابية.
وفي هذا الصدد على ناصر ووالده،استشعار حس"التقوى"، بالكف عن ممارسة الوصاية على نخبة الريف في القيام بمسؤولياتها لإيجاد حل متوافق عليه،لمصلحة المعتقلين والريف والبناء الديموقراطي للدولة،في مناخ من الثقة المتبادلة.