الخميس 20 يونيو 2019
كتاب الرأي

إبراهيم سبع الليل: من أجل نقاش علمي حول الهندسة اللغوية في المغرب

إبراهيم سبع الليل: من أجل نقاش علمي حول الهندسة اللغوية في المغرب إبراهيم سبع الليل، باحث في السياسات التربوية
ما يخفيه الجدل الحالي الذي يعرفه المغرب حول لغة تدريس العلوم في المدرسة العمومية المغربية أكثر مما يجلّيه. فظاهريا، يبدو أنه مجرد "نقاش" حول خيارات متعددة متاحة أمام بلد يتلمسّ طريقه نحو النهوض تدفع به أطراف من هنا وهناك همّها الوحيد مصلحة الوطن ومستقبل أبنائه. وهي بناء عليه تجتهد ما وسِعَها المجال لكي تُضفي على خطابها طابعا علميّا صعب المنال، يتّخذ أشكالا شعاراتية هي أقرب إلى الشيء المقرّر بمقتضى كونه مسلّمة غير قابلة للنقاش أو من قبيل الواقع الذي لا يرتفع. الحقيقة التي أدافع عنها من خلال وجهة نظري هذه هي أننا إزاء جدل إيديولوجي قديم-جديد يشكل سلسلة من السجالات والمعارك بين تيارين لم يحسم أمرهما منذ عقود بين محسوبين على ما يسمى ب"التيار الحداثي" من جهة و"التيار المحافظ" من جهة أخرى بما يرهن مستقبل البلاد وأمنها واستقرارها رغم أن كثيرين لا يرون إمكانية حدوث ما تخشى عواقبه لأسباب مختلفة لا يتيح المجال التفصيل فيها.  
خلاصة ما نريد أن نصل إليه من خلال هذه المقدمة أننا أمام "جدل إيديولوجي" خالص لا مكان فيه للعلمية البتة والقرار بشأنه- كما هو حال جل القرارات الاستراتيجية للبلاد- سيتّخذ بعيداً عن ما تقتضيه مصلحة المغرب على المدى المتوسط والبعيد، المُقدّرة بناء على المعطيات العلمية وأنه حتما سيخضع لواقع الأمر في مغرب اليوم والمتمثل حتما في كون القرار الاستراتيجي ليس مستقلا تماما عن فرنسا ومصالحها الاستراتيجية في المغرب، خاصة إذا علمنا أن الرهان اللغوي بالنسبة لفرنسا ليس رهانا سهلاً فهو حصان طروادة التي تخوض به "فتوحاتها" الاقتصادية عبر العديد من المؤسسات العالمية تحت مسميات الفرنكوفونية في مواجهة الهيمنة الأنجلوسكسونية في العديد من القارات. وحتى نكون منصفين، فمن حقّ فرنسا أن تدافع عن مصالحها الاستراتيجية وأن توظف من أجل ذلك ما تشاء من الآليات لضمان نصيبها من كعكة خيرات الدول العاجزة عن استكمال استقلالها، ولكنّي أعتقد أنه من حقنا كذلك كمغاربة أن نفكّر في مصالحنا الاستراتيجية كما يفعل كل إنسان وطني يريد الخير لبلده. ولئن كنّا عاجزين عن تحقيق وضع أفضل لبلدنا من خلال المساهمة الفعلية في اتخاذ نفس القرارات الجريئة التي اتخذتها مجموعة من الدولة الأفريقية مثلا، فليس أقل من أن ندافع عن نقاش علمي حول الرهانات المختلفة ومنها الرهان اللغوي اليوم كما يقتضي ذلك القيام بدور المثقف كما يصفه إدوارد سعيد والذي يفيد بالجهر بما يعتقده حقا بصرف النظر عن ضغط وحسابات الوضع السلطوي الذي يعيش في سياقه.      
الرهان خطير حقيقة، لأنه يؤكد عن حجم التجزئة  fragmentation التي يعرفها الوضع السياسي المغربي في ظل الصراع  المحتدم بين أطراف عديدة لها حساباتها الإيديولوجية والسياسية الحزبية والاقتصادية "الحقيرة" أحيانا و متمثلة في مجرد انتعاش الاستثمار في التعليم الخصوصي بأسلاكه المختلفة بما فيه الجامعية.
من نتائج هذا الجدل أنه تقريبا حسم في مستقبل اللغتين الوطنيتين حسب مقتضيات الدستور، مكرّساً عجزنا كبلد على خلق توافقات استراتيجية تنتصر للإنتماء لوطن واحد تتعايش داخله إثنيات ولغات مختلفة وتقدم فيه الولاءات لمصالحه على أية ولاءات أخرى، خاصة عندما تكون هذه الولاءات مرتهنة للخارج. عندما ترى أن جل المثقفين، حتى أولئك المحسوبين على التيار الأمازيغي مثلا ومع أنهم غالبا ما دافعوا باستماته على حتمية التعليم باللغة الأم، تجدهم اليوم في موقف حازم حاسم يقضي بضرورة الانتقال إلى اللغة الفرنسية باعتبارها " لغة البحث العلمي في المغرب منذ عقود" – حسب الأستاذ أحمد عصيد - أو باعتبارها خياراً استراتيجيا "يفرضه الواقع السيوسيولوجي الذي لا يرتفع" حسب الأستاذ حسن أوريد، فلا شك أنك أمام مفارقة كبيرة تتعاظم بتعاظم استنادها إلى مبررات قد يبدو ظاهريا أنها علمية. الحال أنه، في كلتا الحالتين، لا أرى حقيقة أية مقاربة علمية في هذا الطرح أو ذاك، مع احترامي للجميع، كلما أراه هو دفاع عن واقع قديم نعتقد أنه الأفضل بناء على مقارنة لا تصح. عندما نقارن وضع اللغة العربية والتدريس بها في المدرسة العمومية مع واقع اللغة الفرنسية فنحن نتعسف من جهتين: نقارن ما لا يقارن بمقتضى السياق التاريخي والثقافي والسياسي للمغرب الذي لم يستكمل قط استقلاله السياسي والذي ظل القرار الاستراتيجي فيه مرهونا بحسابات فرنسا. لهذا السبب بالذات، تجد المثقف المغربي المدافع على خيار الفرنسية كلغة لتدريس العلوم منضبط بشكل كبير لهذا السقف لأنه يدرك تماما ما يتيحه السياق الذي يتحرك فيه ويحسبها في نهاية المطاف بحساب الربح والخسارة لا للوطن بشكل عام ولكن للحزب أو للتيار أو أحيانا لحساباته الشخصية كفاعل ضمن هذا النسق له طموحات وحساباته المختلفة ومن ضمنها "الخبزية" المشروعة على كل حال.
من جهة ثانية، نتعسف على اللغة العربية من خلال قولنا هكذا وبكل بساطة أنه "لا يمكن أن تكون لغة علوم أو بحث علمي". وهذا موقف متهافت- حقيقة- لأنه لا يقوم على أي أساس علمي. الحال أن كل لغات الدنيا ومن ضمنها العربية والأمازيغية قادرة أساسا على استيعاب العلوم المختلفة من خلال المنظومة المعروفة للبحث العلمي القائمة على: البحث وفق مناهج متعارف عليها، نشر المنتوج العلمي باللغة الأم وترجمته إلى لغات أجنبية أهمها وعلى رأسها الإنجليزية باعتبارها اليوم اللغة العالمية الأولى المستوعبة للبحث العلمي من حيث الإنتاج أو النشر أو الترجمة. المشكل لا يمكن في اللغات ولكن في الناطقين بها، عجز اللغة عن استيعاب العلوم والبحث العلمي ناتج حصراً عن عجز الناطقين بها عن تقديم شيء يذكر ضمن دينامية البحث التي وصفت سلفا إنتاجا ونشر أو ترجمة في الاتجاهين هذا راجع بالأساس بضعف الجامعات وسياسات دعم وتطوير البحث العلمي في البلد. العودة إلى الفرنسية كلغة لتدريس العلوم، حسب تصوري خيار عبثي لأننا كبلد استنفذناه، في الحقيقة، دون نتائج تذكر إذا حسبناه بناء على مصلحة الوطن ككل لا بناء على حسابات مصالح ضيقة لأجيال محدودة- كنت ضمنها- فتح لها تعلم العلوم بالفرنسية أبواب "التفوق" نسبيا على أجيال التعريب التي أريد لها أن تفشل بناء على الاختيارات الاستراتيجية والقرارات المُملات والمفروضة على المغرب فرضا. الأمور-حسب تصوري- لا تقاس بمصلحة جيل أو جيلين ولكن بمصلحة كل أبناء الوطن بالنظر للخيارات المتاحة موضوعيا وعلميا وبناء على نقاش علمي هادف لا مكان فيه لحسابات الإيديولوجيا ولا المنافسة السياسية ويحتكم للمعطيات العلمية.   
إذا لم يكن هناك بُدٌّ من تجاوز اللغة العربية كلغة لتدريس العلوم والبحث العلمي كخيار، فالخيار الأفضل الذي قد يشكّل مخرجا للمغرب ويتيح له أفاقا جديدة ومعتبرة هو خيار اللغة الإنجليزية لأن الحقيقة العلمية التي يقفز عليها القوم هي أن الهوّة بين ما تنتجه فرنسا ومجموع الدول الفرنكوفونية وما ينتج باللغة الإنجليزية كبيرة جدا. شخصيا أنتمي إلى أكبر جامعة فرنكوفونية في شمال أمريكا (جامعة مونتريال) وواحدة من أكبر الجامعات الكندية والعالمية التي تحتلّ على الدوام مركزا ضمن المائة جامعة الأفضل في العالم وأؤكد أن الهوة بينها وبين الجامعات الانكلوفونية المنتمية لنفس البلد مثلا كجامعة ميكيل وكنكورديا مثلا كبير جدا و أن سرّ قوتها كجامعة في الحقيقة، ليس هو خيار اللغة الفرنسية ولكن هو بالذات أنها منفتحة على كبريات الجامعات الأمريكية على الخصوص و على قاعدات معطياتها Bases de données الغنية بشكل لا يمكن أن يتصوره سوى من خاض تجربة البحث العلمي في هذا البلد أو في بلد مشابه له من حيث الانفتاح على اللغة الإنجليزية. فجل الباحثين المنتمين للجامعة ينهلون من إنتاجات كبريات الجامعات الأمريكية والعالمية الناطقة بالإنجليزية ويصنعون أمجادها وأمجادهم في الحقيقة من ترجمة واستنساخ ما تنتجه هذه المؤسسات من مناهج البحث المختلفة. هذا الزخم العلمي الهائل هو بالذات ما نحرم نفسنا منه كبلد يبحث عن مخرج لأزماته وأجزم أن إصلاحاتنا المختلفة ومنها إصلاحاتنا التربوية والجامعية تسير غير هدى لأنها لا تستند على أساس علمي معتبر وأنها ظلت خاضعة لحسابات لوبيات وأجندات خارجية ومحكومة بزواج كاثوليكي مع منظومة لغوية متأخرة بشكل كبير في ساحة البحث العلمي العالمي.
هذا الخيار ومن جهة أخرى لن يضر باللغة العربية- كما يعتقد الطرف الثاني من الجدل الحالي، لأن دينامية تطوير اللغة العربية مرتبطة بالسياسات المتبعة في تعليمها وتحبيبها كلغة ضمن لغات وفي الآفاق التي تتيحها للمقبلين على تعلمها في إطار مقاربة وظيفية تشكّل الحافز للإنسان في تعلم اللغة سواء من أجل الدين أو من أجل الاستثمار في أسواق عربية لها سمعة عالمية اليوم، وهو ما يجعل عددا معتبرا من الكنديين يقبلون على تعلم اللغة العربية. الحال أن الناس سيقبلون على تعلم لغتك إقبالا ليس بقوة القانون ولكن عندما يروا فيها مصلحة معينة وهنا يكمن الرهان الحقيقي بالنسبة للغتين الوطنيتين العربية والأمازيغية.