الجمعة 19 يوليو 2019
كتاب الرأي

عزيز المنتاج :لغات التدريس وإعادة إنتاج النخب

عزيز المنتاج :لغات التدريس وإعادة إنتاج النخب عزيز المنتاج
تجري هذه الأيام نقاشات كثيرة حول القانون الإطار، أو ما بات يعرف بلغات التدريس، خاصة بعد انفضاض التوافق حوله في البرلمان، وتراجع بعض الأحزاب عن دعمه.
سنحاول أن نشارك في هذا النقاش لعلنا ننجح في فك بعض خلفيات المواقف المعبر عنها وما يحركها.
أولا، وجب التنبيه إلى أن النقاش حول القانون الإطار، قد أفرغ من محتواه، وتم تغيير اتجاهه فعوض أن يناقش الرأي العام أخطر ما فيه، وخاصة مجانية التعليم وضرورة (أن يضرب المغاربة يدهم لجيبهم)، صاروا يناقشون لغات التدريس، وهو انزياح مقصود لبعض الأحزاب لتضليل المغاربة وايهامهم بالدفاع عن اللغة، وهو ماعبر بلافريج بوضوح وكشف ملابساته بلا مواربة.
ثانيا، يحلو للذين يدعون أنهم يدافعون عن تدريس المواد العلمية باللغة العربية، أن يعتصموا بالدستور، لدرجة أن بعضا منهم لوح باللجوء إلى الطعن أمام المحكمة الدستورية في حالة ما إذا تم إقرار القانون، لكن لماذا لا يكون هؤلاء أكثر انسجاما مع ذواتهم ويطالبون بتدريس المواد العلمية باللغة الأمازيغية، أليست دستورية؟
ثالثا، ما نصيب التلاميذ والطلبة ورجال التعليم من هذه النقاشات التي طغت عليها الانتماءات والايديولوجيات أكثر مما ينبغي؟ من استمع لهؤلاء الطلبة والتلاميذ الذين نتخذ القرارات بأسمائهم؟ من استشار الأساتذة وخاصة أساتذة الجامعات والمعاهد العليا حول ما يعانونه جراء استقبالهم لأفواج من الطلبة الذين فرض عليهم التعريب في الثانوي، والفرنسة في التعليم العالي؟ فبعيدا عن التضليل وبكثير من الواقعية، نؤكد أن على الذين يدافعون عن تدريس المواد العلمية بالعربية أن يكونوا أكثر وضوحا، ويطالبوا بفرضها في المدارس الخاصة وفي الجامعات وفي المعاهد العليا حتى يضمنوا المساواة وتكافؤ الفرص لجميع أبناء المغاربة، وإلا فإن دعواتهم بحصر تدريس المواد العلمية بالعربية في الثانوي، وسكوتهم عن ذلك في ما بعده، لا يعد إلا ضحكا واستخفافا بذكاء المغاربة واستمرارا في الرغبة في إعادة انتاج نفس النخب، أو كما يطلق عليه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو ( إعادة الانتاج reproduction). فحتى وإن فرضنا تدريس المواد العلمية بالعربية في الجامعات والمدارس الخاصة والمعاهد العليا، فإننا نكون قد ارتكبنا جرما في حق أبنائنا لأننا لم نؤهلهم للمنافسة على دخول الجامعات الأوربية أو الأمريكية أو الأسيوية خاصة أنها تعتمد اللغة الإنجليزية كلغة أولى..
رابعا، على الذين يرفضون الفرنسية ويعتبرونها لغة المستعمر ويتهمون من ينادي بها بأنهم أذياله، أن تأخذهم العزة وينتفضوا ضدها في الإدارات المغربية وفي مراسلات الوزارات وإعداد التقارير والميزانيات حتى لا يقعوا في: حلال علينا حرام على التلاميذ أبناء الشعب والفقراء..
خامسا، على المهتمين بالأمر وخاصة الذين يستعملونه لمزايدات سياسية، أن يدركوا أننا اليوم، وبفعل عولمة ثورة المعلومات والاتصال، قد أصبحنا أمام مواطنة كونية، تنتفي فيها الخصوصيات القومية، ومنها اللغة، ذلك أن العالم قد وحدته لغة عالمية وتكوين علمي عالمي مشترك، وأن تهيئ العامل البشري (الطلبة) خارج هذا يعتبر ضربا من الجنون، إذ كيف سينافس الطلبة المغاربة باقي طلبة العالم، على ولوج جامعات عالمية اعتمادا على العربية فقط؟ وبدون انجليزية أو فرنسية؟ لهذا علينا أن نترك السياسة بعيدا ونفكر في تبسيط السبل أمام أبناء المغاربة ونمكنهم من أولويات وآليات المنافسة سواء داخليا وخارجيا، وذلك باعتماد اللغة التي سينهون بها مسارهم العلمي وسينافسون بها على ولوج الجامعات والمعاهد سواء الفرنسية أو الإنجليزية، عوض أن نعتمد العربية في الثانوي والفرنسية في الجامعة والانجليزية في ما تبقى. وذلك في انتظار أن نكون مؤهلين علميا واقتصاديا وحضاريا لفرض العربية على الجامعات والمعاهد الدولية. غير هذا نعتبره ركوبا على مآسي الفقراء ومتاجرة بقضايا أبناء الشعب، فالاهتمام بالعربية كلغة دستورية يقتضي الاهتمام بها بشكل مواز مع الأمازيغية في التعليم وفي الإدارة وفي المواد الأدبية والإسلامية وفي الأدب والشعر والإعلام وباقي الأشكال الثقافية وتعزيزها داخليا، وهذا لا يختلف بشأنه أحد. أما ربط تدريس المواد العلمية بلغة اجنبية، استجابة لواقع لا مفر منها، بالدين والأمة والقدسية والقومية والمقاومة والممانعة، فلا يعد سوى استغلال فاضح وبروباغندا مكشوفة، يكذبها أن أصحابها لا يطبقونها على أبنائهم الذين لم يجدوا حرجا في تدريسهم في مدارس خاصة ومعاهد وجامعات تعتمد الفرنسية او الإنجليزية لغة للتدريس سواء داخل المغرب أو خارجه.
                                                            عزيز المنتاج، باحث في الاعلام