الأربعاء 26 يونيو 2019
كتاب الرأي

عبد القادر زاوي: الريع الأنيق.. الدبلوماسية الموازية في المغرب

عبد القادر زاوي: الريع الأنيق.. الدبلوماسية الموازية في المغرب عبد القادر زاوي

مع تشعب وتعقد العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، وتناسل المنظمات الدولية والإقليمية الحكومية وغير الحكومية وتعدد مجالات اهتماماتها، وبروز فاعلين جدد على الساحة الدولية شرعيين وغير شرعيين بعيدين عن الأطر التقليدية المعروفة، غدت الدبلوماسية التقليدية بأشكالها ومستوياتها الرسمية المختلفة قاصرة لوحدها عن مواكبة التطورات والمستجدات الكونية؛ الأمر الذي انبثقت معه أنشطة ذات طبيعة دبلوماسية يقوم بها أفراد بخلفيات ثقافية وفكرية متعددة، ومؤسسات وجمعيات غير حكومية، وكذا جهات محلية وإقليمية ومجالس منتخبة جرى التوافق على تسميتها بالدبلوماسية الموازية.

ورغم أن هذا المفهوم قد استخدم لأول مرة من طرف باحثين كنديين وأمريكيين لتمييز الاتصالات الدولية المنفردة لكل ولاية من الولايات المشكلة للدولة الفدرالية الأمريكية والكندية، فإنه سرعان ما انتشر في أرجاء المعمورة بسبب تضاعف عدد الفاعلين ضمن هذا النوع المستجد من الدبلوماسية، مما سمح  بتطور سريع للتنظير للظاهرة أكاديميا وإعلاميا أيضا بشكل برزت معه أنواع شتى من التسميات لهذه الدبلوماسية. فلم يعد غريبا أن نسمع بدبلوماسية شعبية، وأخرى برلمانية، وثالثة ثقافية ورياضية وغيرها.

وفي سياق كهذا كان من الطبيعي أن تعمد الدول والمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية إلى تشجيع هذا النوع من الدبلوماسية ومحاولة استغلاله في خدمة مصالحها، وجعله مكملا ورافدا لتحركاتها الدبلوماسية التقليدية، وأحيانا مفتاحا سريا لحل أو حلحلة بعض القضايا التي تستعصي على الاتصالات العلنية في مختلف مستوياتها.

ولم يشذ المغرب عن هذه القاعدة، بل كان سباقا إلى تبني هذا النوع المستجد من الدبلوماسية والعمل على تأطيره. ويمكن القول بأن أول إشارة رسمية في هذا الاتجاه هي الكلمة التي ألقاها جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله لدى إنشاء المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان حين طلب من أعضائه آنذاك الدفاع عما سماه وجه المغرب الحقوقي والتصدي لافتراءات منظمة العفو الدولية التي قال إنها "تأتي... وتمارس علينا الرقابة وكأننا تحت الحماية.."

وفي مستهل توجيهاته الدبلوماسية فور اعتلائه العرش أكد جلالة الملك محمد السادس على ضرورة "تقوية الدبلوماسية غير الحكومية الجمعوية والبرلمانية والاقتصادية والثقافية والإعلامية...". ويعود ذلك إلى قناعة ترسخت لدى جلالته بأن "الدبلوماسية التقليدية بمفهومها الكلاسيكي... باتت تواجه تحديات كبيرة بسبب التقدم الهائل لوسائل الاتصال والإعلام والنقل والتوسع المطرد للتعاون الدولي وانفتاح المجتمعات على بعضها البعض ضم عولمة شمولية وتداخل الداخلي بالخارجي..." وأن "الآليات التقليدية للتعاون الثنائي والمتعدد الأطراف... قد استنفذت غرضها وبلغت حدود فاعليتها"، ولذلك "..هي في حاجة لقفزة نوعية مطبوعة بالإقدام والابتكار والتجديد في الآليات والأدوات والغايات".

وتجسيدا لهذه التوجيهات الملكية تطورت أشكال وأنواع الدبلوماسية الموازية في المغرب وبرزت العديد من الوجوه ضمنها، كما تناسلت مؤسساتها ليصل بعضها إلى أن يصبح مؤسسة دستورية، كما هو حال المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ومجلس الجالية المغربية بالخارج. وقد خصصت لمعظم تنظيمات الدبلوماسية الموازية ميزانيات ووفرت لها إمكانيات لعلها تؤدي دورها بفعالية وتقدم دعما للأجهزة الدبلوماسية التقليدية الرسمية ولأدواتها.

غير أن نظرة على أزيد من عقدين من الدعم لكل أجهزة ومؤسسات وشخصيات هذا النشاط الدبلوماسي بأشكاله المختلفة التي ارتداها تشير إلى أن النتائج المتوصل إليها كانت ضئيلة للغاية، بل وارتدت سلبية على بعض القضايا، وذلك كما يلي على سبيل المثال لا الحصر :

- أولا استقطبت قضية الوحدة الترابية للمملكة الاهتمام الأكبر لدى معظم المؤسسات الرسمية وغير الرسمية التي نشطت وتنشط في إطار الدبلوماسية الموازية لكأن هذه القضية هي الملف الوحيد في السياسة الخارجية للبلاد. والأدهى والأمر أن كثيرين ممن يتصدون للملف يجهلون أبسط حيثياته.

لهذا، فإن مبادرات محدودة هي من نجحت في تحقيق نتائج إيجابية من قبيل سحب بعض الدول لاعترافها بـ "جمهورية المخيمات" أو طرد ممثليها من بعض المؤتمرات البرلمانية أو الحزبية. ولكنها نتائج غير ذات تأثير حاسم في جوهر القضية، لأنها لم تستطع الدفع في اتجاه إقرار المجتمع الدولي بحتمية حل القضية من خلال الأطروحة المغربية وحدها المتمثلة في منح سكان الأقاليم الجنوبية للمملكة حكما ذاتيا تحت السيادة المغربية. وكما يعرف القاصي والداني فإن الملف ما يزال مفتوحا والكعكة المرصودة للدفاع عنه دسمة؛ الأمر الذي يعني أن المتدخلين فيه أو من يحومون حوله سوف يتكاثرون ويتناسلون، وكل يبحث عن نصيبه من ريع الكعكة.

- ثانيا لم تستطع كل المؤسسات الممارسة للدبلوماسية الموازية رسمية كانت أم غير رسمية المعنية بقضايا حقوق الإنسان والانتقال الديمقراطي من تجنيب البلاد تضاعف الانتقادات في هذا الموضوع سواء تلك الصادرة عن مؤسسات دولية حكومية وغير حكومية أو التي تتبناها جمعيات محلية في عدد من دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية.

في هذا الصدد يتعرض المغرب في الآونة الخيرة إلى انتقادات وهجمات عديدة تركز كلها على ما تسميه منابر إعلامية وسياسية وقانونية بالردة الحقوقية التي تعرفها البلاد من جراء تزايد الاعتقالات والتضييق على بعض الحريات والمقاربة الأمنية الصرفة تجاه الحراكات الاجتماعية والنقابية.

لقد شكل إلغاء زيارة المقرر الأممي المعني باستقلال القضاء والمحاماة للمغرب مؤخرا صدمة قوية للسلطات الحكومية، خاصة وأن المعني بالأمر قد برر موقفه هذا بما أسماه غياب الضمانات الحكومية لنجاح زيارته. ولا شك أن حدثا كهذا يعطي مادة خصبة لخصوم المغرب ومناوئيه للضغط أكثر في هذا المجال في غياب أي رد فعل من مؤسسات الدبلوماسية الموازية التي يفترض أن تكون فعالة في قضايا كهذه أكثر من مؤسسات الدبلوماسية التقليدية.

- ثالثا يلاحظ غياب شبه كامل عند التنظيمات التي تدعي ممارسة الدبلوماسية الموازية للملفات المتعلقة بتسويق البلاد استثماريا وتجاريا واقتصاديا وسياحيا، والبحث عن رؤوس أموال اجنبية لاستقطابها أو أسواق يمكن ولوجها في هذا المجال باستثناء ما يقوم به بشكل موسمي الاتحاد العام لمقاولات المغرب وبعض الغرف المهنية المحلية والجهوية وفي أغلب الأحوال لفائدة أعضائها فقط.

إن هزالة النتائج المسجلة في سياق الأنشطة المختلفة لكل الفاعلين في إطار الدبلوماسية الموازية ومنهم من سبب مشاكل كانت الدولة المغربية في غنى عنها لا تعني أبدا التخلي عن آلياتها، وإنما تستوجب إعادة النظر في تأطيرها وترشيد مؤسساتها وتكوين الراغبين بشكل تطوعي في خوضها، ناهيك عن أولوية بلورة استراتيجية وطنية عامة تشارك في صياغتها جميع القوى الحية تكون بوصلتها ضرورة تأهيل المغرب "... لينهض بالدور الريادي الذي يؤهله له رصيد علاقاته التاريخية وإشعاعه الروحي وموقعه الجيو استراتيجي ومشرعه المجتمعي الديمقراطي الحداثي.."، وذلك بعيدا عن أي وصاية من أي جهة كانت، وإلا سيظل تمويل معظم الأنشطة في هذا السياق مجرد ريع يعطى على أساس الولاءات لا الكفاءات.

الرهان صعب، ولكنه غير مستحيل...