الجمعة 19 إبريل 2019
سياسة

هل كان لحزب بنكيران مصلحة في "تجميد" المؤسسات الدستورية؟

هل كان لحزب بنكيران مصلحة في "تجميد" المؤسسات الدستورية؟ أمينة بوعياش، و عبد الإله بنكيران

لا يخفى على المتتبع للمشهد السياسي والمؤسساتي بالمغرب أن عددا من المؤسسات "جمدت" ولم تجدد دمائها بعد نهاية ولاياتها، وعلى رأسها مجلس المنافسة والمجلس الوطني لحقوق الإنسان والهيئة المركزية للوقاية من الرشوة، مما ظل معه الجميع يتساءل عن السبب أو ينتقد استمرار عملها خارج الولاية القانونية، ويتحدث البعض عن مؤشرات تفيد أنه ربما كان لحزب العدالة والتنمية، الذي كان يقود الحكومة برئاسة عبد الإله بنكيران ويقودها الآن برئاسة سعد الدين العثماني، يدا في ذلك.
قبل الخوض في الموضوع، لابد من الإشارة أولا إلى أنه بعد دستور 2011، أصبح البرلمان المغربي هو المصدر الوحيد للتشريع، وأصبح من المفروض وفقا لذلك أن تمر القوانين المنظمة للمؤسسات الدستورية عبر البرلمان. ومن يقول البرلمان، يقول بالضرورة الأغلبية البرلمانية، والأغلبية البرلمانية تحيلنا على الحزب الذي يقود الحكومة، اي حزب العدالة والتنمية لولايتين متتاليتين، الذي كان لأعضائه محاولات ومواقف علنية ضد أدوار هذه المؤسسات.
فهل سعى حزب المصباح فعلا، ومع سبق الإصرار والترصد، إلى تعطيل (أو على الأقل تأخير) عمل المؤسسات الاستشارية المستقلة قدر الإمكان، ليركز أكثر على بروباغندا التماسيح والعفاريت ضد الأحزاب المنافسة له؟
هذا الطرح تدعمه التخبطات الإعلامية الأخيرة لقياديي حزب المصباح، وخرجات رموزه ضد مؤسسات دستورية استراتيجية، كان أولها مهاجمة لحسن الداودي لمجلس المنافسة ومحاولة تبخيسه لعمل هذه المؤسسة لمجرد أنها أصدرت رأيا يخالف توجهاته لفرض تسقيف أسعار المحروقات. الداودي حاول تصوير نفسه كأنه المنقذ والمخلص الذي يحاول تحقيق الإصلاح وتخفيف العبء على المواطنين وأن جهات أخرى وهذا المجلس يمنعه من ذلك ضدا في مصلحة المواطنين! نفس منطق العفاريت والتماسيح! والتزمت الأيديولوجي وعدم تقبل الرأي المخالف، وإن صدر من جهات عالمة لا هم لها أصلا سوى تحقيق المصلحة العامة!
بعد خرجة الداودي وتهجمه على مجلس المنافسة، وجه الحزب مدفعيته في مناسبة أخرى للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، بعد أن أدلت رئيسته في برنامج تلفزي مباشر برأي في قضية المتهم حامي الدين ضد عائلة أيت الجيد.. انتصر رأيها لاستقلالية القضاء، الذي يفتخر وزير من وزراء وصقور حزب "المصباح" بمساهمته في ورش إصلاحه (مع العلم أنه في هذه القضية بالذات، اعتبر أن القضاء أخرق! بوعياش قالت إنه يجب تجنب إثارة التوتر في كل قضية من القضايا التي تطرح أمامنا، قبل أن تضيف، "لابد أن تكون لدينا الثقة في القضاء الذي يمكن أن يحسم لصالح حامي الدين".
لكن الدفاع عن استقلالية القضاء في قضية يرفض حزب "المصباح" عرضها أمامه لم يرق لمنظريه. ليخوض الحزب حملة مسعورة داخل أسوار الحزب وبين مناصريه ضد سيدة تسبقها سمعتها في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان وحمايتها...
يبدو أن عمل المؤسسات الدستورية واستقلاليتها في إبداء آرائها ومواقفها تؤرق حزب العدالة والتنمية الذي ضاق ذرعا بها، ليخرج علينا بعد ذلك "الحيوان السياسي" (l’animal politique) بنكيران بكل "ثقله" يوم الاحتفال بالعيد الأممي للمرأة، في تسجيل صوتي، بتصريح يهاجم فيه رئيسا المؤسستين في نفس الآن، الگراوي وبوعياش. بنكيران هاجمهما وحاول مقارنتهما مع والي بنك المغرب، الذي اعتبره كبيرا! متناسيا أن إخوانه هاجموا الجواهري حد اتهامه بالتآمر ضد الحكومة بعد مراسلته لرئيسها بشأن القروض وتأثيرها على الاقتصاد في 2016، وتهجم وزير وأحد قيادي الحزب على الوالي السنة الماضية ووصفه ب "التقني الذي لا ينظر أبعد من أنفه"! لو أن الجواهري لم يعتبر في تقرير لبنك المغرب صيف العام الماضي بأن إصلاح صندوق المقاصة تجربة ناجحة.. لكان له نصيب أوفر من أصفار بنكيران!
إنه منطق ازدواجية الخطاب والمعايير ومنطق "ملي تجي مني راك زوين، ملي تجي ضدي راك خايب وغير كفء وصغير!
في تصريح مصور للرئيس السابق لمجلس المنافسة يجيب فيه على اتهامات الحكومة (الناطق الرسمي ورئيس الحكومة) بشأن عدم اطلاعه بعمله خاصة في سياق حملة المقاطعة (رغم أن المجلس جمد لأكثر من خمس سنوات)، لمح بنعمور إلى أن السلطات الحكومية لم تسع لتجديد دماء المجلس وتعيين أعضائه، كما ينص على ذلك قانون المجلس، وقال إنها كانت مسؤولة عن هذا التجميد. بنعمور كان قد التقى برئيس الحكومة السابق بنكيران والحالي العثماني لحثهما على تحمل مسؤلياتها لكن بدون جدوى! فهل كانت للحزب فعلا مصلحة في السعي لتجميد أدوار هذه المؤسسة!؟