الأربعاء 17 يوليو 2019
كتاب الرأي

عبد الحكيم قرمان : إنه زمن العبث السياسي للإخوان في ملحمة عنوانها "الريع والتمييع"

عبد الحكيم قرمان : إنه زمن العبث السياسي للإخوان في ملحمة عنوانها "الريع والتمييع" عبد الحكيم قرمان: كاتب، محلل وباحث في العلوم السياسية
إن المتأمل الموضوعي لما يعتمل في بلدنا من وقائع اجتماعية وسياسية وسوسيوثقافية بليغة الدلالات والآثار في راهننا المقلق، لينتابه التوجس والهلع لما ستؤول إليه هذه الوضعية عواقب بالغة الكلفة والتأثير في حياتنا ومستقبل أجيال بكاملها من أبناء هذا الوطن المثخن بالاحباطات والاختلالات التدبيرية  وانحدار المؤشرات في مجمل قطاعات التنمية البشرية.
والواقع أن اجتياح كتائب جماعة الإخوان وأذرعها الدعوية "المعلنة" بأسماء"جمعياتية" من قبيل "التقية"و"الإفصاح"، وفلول "التفطاح"و"التبليد"،ومرابد"الجماح" و"التوليد" وقس على ذلك من عشرات الكيانات الطحلبية "الظاهرة والمستترة والمبنية للمجهول"، كلها آليات وضعت بمكر ودهاء مع سبق تخطيط وترصد، وفقا لمخطط محكم التوجيه والبنيان، خطته وتحركه الأجهزة الدولية عبر خيوط التنظيم العالمي للإخوان، بغية السطو على مقاليد الحكم، بعد التغلغل المتدرج في دواليب الدولة ومؤسساتها والتمكين الاقتصادي والسلطوي لأبنائها في جل المؤسسات الحكومية والترابية وغيرها، في أفق خلق دولة موازية قادرة على تيسير المرور إلى "القومة الكبرى" كما وقع ذلك في كل الأمصار التي اجتاحتها النيوليبرالية المتوحشة تقودها جحافل" الإخوان"...

لعبة خطط لها الأمريكان في "أطروحاتهم" الهيمنيةالاستعمارية الجديدة بمسميات شتى من قبيل "النظام العالمي الجديد، الشرق أوسطية والشرق الأوسط الكبير، تحرير العراق وغرس الديمقراطية والحريات عبر القضاء على الأنظمة الديكتاتورية، محاربة الإرهاب وكان أهمها نظرية الفوضى الخلاقة التي نعيش مشاهدها الدامية اليوم في مجمل الأقطار التي تقع ضمن المجال المرسوم للتدمير والتخريب والنهب والسلب  :الشرق الأوسط الكبير"...وليس من باب الصدفة، أن  يكون التنظيم العالمي للإخوان هو الأداة الناجعة التي أنجزت بكفاءة واقتدار "مخطط" جورج بوش الصغير وحلفائه من لوبيات السلاح والنفط والابناك والعقار، في الركوب على أمواج "ثورات الشعوب العربية المتعطشة للديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية، نعم لقد أوكلت للاخوان مهمات كثيرة ظاهرة ومستترة، وأهمها تحريف مسارات "الربيع العربي" من حركات احتجاجية تروم تثبيت الدولة الديمقراطية والانتقال من السلطوية إلى الحداثة،  إلى زرع التدمير والخراب في الدول وتبذير مقدراتها وتمييع مؤسساتها وسلب خيراتها ونهب ثرواتها والتمكين "للإقطاع والفيودالية الليبرالية الجديدة" في البلدان والعباد، من سطو على الأرض وما تحتها واسترقاق من يعيشون فوقها، وسلب البحار وما بها، مقابل إطلاق دوائر القرار العالمي، لأيدي الجماعات الظلامية كي يعيثوا في الأرض فسادا وإفسادا باسم "الدعوة"والمتاجرة بالدين في هموم وبؤس وفقر وجهل الشعوب...

هكذا، وضبت في بداية الأمر، سيناريوهات الفتك بالدول والشعوب الرازحة تحت أنظمة سلطوية هجينة ومصطنعة عبر الانقلابات، لكن نجاح التحالف الامبريالي النيولبرالي المتوحش في تدمير معظم الدول المركزية المؤثرة في المجال "الشرق أوسطي وجزء من شمال إفريقيا"، جعل أطماع هذا التحالف الهجين يجتهد ويطور "نماذج خادعة" لما يسمى بحركات الإسلام السياسي القابلة للتأقلم مع متطلبات اللعبة "الديمقراطية"، لتسويقها سياسيا وإعلاميا مع دعمها ماديا ولوجستيكيا في الخفاء، حتى تمكنت من اقتناص الفرصة إبان "مخاضات الحراك الاجتماعي والسياسي" بالمنطقة المغاربية، تونس والمغرب نموذجا. لقد استثمرت الجماعات الإخوانية رصيد شبكاتها "الدعوية" وعموم المحبطين من عقود من الأزمات الاقتصادية والخيبات السياسية والفرص الضائعة، واستفادت من إنهاك الأحزاب الوطنية الديمقراطية التي استنفدت عنفوانها النضالي لشيخوختها وعدم قدرتها على التجديد والتداول الديمقراطي الداخلي، مع انجرافها في منزلقات البحث عن "المواقع الانتخابية وانسلاخها عن وظائفها الأصيلة في التكوين والتأطير والتنشئة"، وانسياقها وراء " المصالح والمغانم والامتيازات التي يوفرها الارتكان إلى التطبيل للسلطة والتهليل "لأصحاب الشكارة والنفوذ" فتحولت إلى دكاكين انتخابية موسمية، هجرتها النخب والطاقات المجتمعية الحية والمؤثرة، فضاع منها الرصيد وبهت حضورها في المجتمع وتحولت إلى "منشط للعبة السياسية بعدما كانت فاعلة ومؤثرة وموجهة لمواقعها ومساراتها السياسية والمؤسسية.

في هذا الخضم، وفي صخب وتوجسات مخاضات الحراك المجتمعي الذي عرفه المغرب، وأمام ديناميات التغيير وزخم الأحداث التي صنعتها حركة 20 فبراير بكل ما رافق ذلك من تجاوب ذكي للمؤسسة الملكية مع تطلعات المجتمع المغربي نحو أفق انتقال ديمقراطي كبير وواعد بالآمال المنشودة لبناء دولة عصرية ديمقراطية قائمة على القانون والمؤسسات وقوامها العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات، نعم في هذا الخضم المتلاطم الأمواج، انقض الإخوان وتسللوا مندسين في صخب وشجون وتطلعات المواطنين إلى التغيير، فاجتاحوا الأرض طولا وعرضا ويسرت لهم المسالك وفتحت أمامهم المنافذ والأبواب التي ظلت لعقود موصدة في وجه أجيال من المناضلات والمناضلين في سبيل الدمقرطة والتحديث وبناء مغرب الحداثة والديمقراطية المؤسسات...نعم، لقد نجح الإخوان بدعم ممن مكنوا لهم من الخارج ومن الداخل، وتسللوا في نشوة أمل وتطلع واهم للمواطنين بأن "هذه المخلوقات" لربما استطاعت، ولو من باب إعمال الديمقراطية، منحهم الفرصة وحق المشاركة في التسيير، حتى نجنب البلاد والعباد مآسي تجارب مأساوية عرفتها دول بالجوار...وقعت الفأس في الرأس، وكان ما كان...؟؟؟

جاء بن زيدان، فاطمة، أمينة، الشوهاني، الكبيدة، بنحماد، دودي، والآخرون...بلا عدد، رافعين شعارات خادعة مفادها "محاربة الفساد والاستبداد"...؟؟؟ فكانت الخدعة والخديعة الكبرى لأبناء هذا الوطن...شعب طيب الأعراق، مؤمن بالأقدار خيرها وشرها، شهم الخصال، صبور على القهر، متسامح الخلق، كريم الطباع، قنوع متفائل حتى السذاجة بالأمل الموعود...فجاءنا بن زيدان وأنصار جماعته المتعطشين للسلطة والجاه والملذات والنزوات و"تبليص" الأهل والأقارب والمقربين والأبناء والزوجات والأزواج والأصهار...شاهرين سيوف الكتائب في وجوه كل من هو مختلف عن تخلفهم، وكل من تمايز عن انحدارهم الفكري والأخلاقي، فعمدوا إلى تشويه ومعاداة والتحريض على كل مواطن أو مجموعة من المواطنين لا تسايرهم في مخططاتهم الجهنمية الرامية إلى تنميط المجتمع وتحنيط الفكر وإتباع أساليب "التهريج والفهلوة والتهديد والترغيب" التي ميزت 7 سنوات عجاف من التخريب الممنهج لكل الرصيد والمكتسبات الاجتماعية التي تحققت بفضل نضالات وتضحيات أجيال من المناضلات والمناضلين حتى كادت أن تحقق النقلة السلمية المنشودة نحو الدولة الديمقراطية الحق، مع تأسيس حكومة التناوب التوافقي التي ترأسها الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي والى غاية التجربة الحكومية التي قادها الأستاذ عباس الفاسي، ليتم عكس عقارب الساعة في الاتجاه المعاكس لكل ما هو اجتماعي ديمقراطي تقدمي حداثي، ليعود بن زيدان وطائفته النيولبرالية الظلامية المتوحشة، بالبلاد إلى مراحل البؤس والهشاشة والظلم الاجتماعي وسيادة المحسوبية والزبونية والرشوة و مأسسة الريع والفساد بكل تجلياته السياسية والاقتصادية والجمعوية والترابية ...

إنها خديعة القرن بامتياز، بن زيدان الذي قضى سنوات يقتص من جيوب المواطنين ويغرقهم بوابل من أنواع الضرائب والزيادات في قفة وكلفة العيش ويقتطع من أجورهم المهترئة والبئيسة أمام الارتفاع الصاروخي للأسعار، بل عمل بمعية "شلة" الفاشلين من جماعته، المتعطشين للهو والبذخ والنزوات ومراكمة المنافع والرواتب والتعويضات والتهافت على الإكراميات واقتناء الباذخ من العقارات والسيارات وتمكين الأبناء والمقربين من المناصب والمسؤوليات، نعم لقد قاد بن زيدان أكبر عملية "فدائية" شنت على الطبقة الوسطى حتى اضمحلت وذابت كليا وخفتت أدوارها التأطيرية والتنويرية في المجتمع، بل أصبحت طبقة فقيرة وتكاد تكون معوزة في دائرة الهشاشة الاجتماعية...

لم يسبق لحكومة في تاريخ المغرب أن مررت هذا الكم من القوانين المصيرية المجحفة في حق شعب فقد الآمل في الخروج من قاعة انتظار الغد الأفضل، ضربت مجانية التعليم والصحة وانهارت المدرسة الوطنية، ومعها انحدرت القيم، مع ارتفاع مؤشرات الفقر والهشاشة ومعدلات البطالة والجريمة والاكتئاب، وتنامي وتائر الهجرة سواء منها هجرة المعطلين أو هجرة الأدمغة، نعم لم يسبق في التاريخ أن عذبت حكومة ما، شعبها وسامت أهله، ممن هو خارج عن دائرة حزبها الحاكم وشركائه، سوء العذاب بالتفقير والتضريب والإقصاء والتهميش والازدراء إلى درجة أنها وصفت هذا الشعب العظيم الأبي الشهم، بأبشع التسميات والنعوت من قبيل "المداويخ " و"جيل القوادس"، كما شنت حرب إبادة على المثقفين والمفكرين والمناضلين العقلانيين وجندت الأموال والكتائب ونسجت المكائد والمؤامرات للإيقاع بهم وتشويههم وتسفيههم بل هناك من أفتى من أبناء" جماعات الكبت والدجل" بقطع الرؤوس وتعليقها في الأماكن العامة ....؟؟؟

أي نعم، بنزيدان ، فاطمة، أمينة الشوهاني، الكبيدة، بنحماد، دودي، والآخرون، كلهم سدنة "معبد" اللذة والسلطة والمتع ومراكمة التعويضات والرواتب والامتيازات وإكراميات الريع بالملايين، وحرمان الأرامل والمطلقات، من الجمع بين دراهم "بئيسة معدودات" ...إنه حكم "الفتوات" على "الحرافيش"، بل عهد "الكذابين المنافقين الأفاقين " المتاجرين بالقيم السامية للمجتمع في غياب أي منطق أو معنى للأشياء من حولنا، إنه زمن العبث السياسي للإخوان ...إنه زمن الريع والفساد الممهور بالفهلوة والبلطجة والاستهتار بالقيم والمبادىء والعقول...زمن الروبيضة في ملحمة عنوانها "الريع والتمييع"، أبطالها جماعة من الناطحة والمتردية وما ترك السبع.