السبت 19 أكتوبر 2019
كتاب الرأي

أحمد بلمختار منيرة: العالم في حاجة إلى عولمة أكثر عدلا وإنسانية

أحمد بلمختار منيرة: العالم في حاجة إلى عولمة أكثر عدلا وإنسانية أحمد بلمختار منيرة

فند الواقع دعوات التبشير بعالم يغدق حرية ورخاء، والتي قام بها صناع العولمة في منتصف الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي. وأثبتت، وتثبت، تطبيقات العولمة على الأرض أن ما نعيشه هو عولمة التناقضات.

 

لقد ألح تقرير برنامج الأمم المتحدة للتنمية الصادر في يوليوز 1999 على الطبيعة غير التعادلية للتنمية، واستنكر التهميش الكبير للبلدان الفقيرة في اقتصاد تهيمن عليه تكنولوجيا الإعلام. وذكر بأن الفوارق تزداد تفاقما بين الـ 5 % الأكثر فقرا وبين الـ 5% الأكثر غنى في العالم، حيث إن ثروة 200 شخص الأكثر غنى تتجاوز دخل 43% من سكان المعمور أو ما يناهز 2.3 مليار من سكان الكرة الأرضية.

 

ومما جاء في تقرير التنمية البشرية لسنة 2016 وهو صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي كذلك، ففي العالم يعاني واحد من كل تسعة أشخاص من الجوع، وواحد من كل ثلاثة من سوء التغذية. ويقضي 18000 ألف شخص يوميا في جميع أنحاء العالم بسبب تلوث الهواء. ويتعرض 24 شخصا في المتوسط كل دقيقة للنزوح قسرا من ديارهم (...)

 

وحسب تقرير البنك الدولي الصادر مؤخرا في 17 أكتوبر 2018، فإن القضاء على الفقر يبقى تحديا ضخما رغم التراجع الكبير في معدلاته. فأكثر من 1.9 مليار شخص أو 26.2 في المئة من سكان العالم كانوا يعيشون بأقل من 3.2 دولار في اليوم سنة 2015. كما أن نحو 46 في المئة من سكان العالم يعيشون بأقل من 5.50 دولار للفرد في اليوم.

 

إننا نعيش فعلا عولمة التناقضات، التناقضات بين الخطابات الرنانة  بعبارات حقوق الإنسان، والحرية، والديمقراطية، والتضامن، وتحرير المبادلات التجارية في العالم (...) وبين الواقع الملموس في دول الجنوب حيث الجوع، والفقر، والتهجير القسري للمستضعفين (...)، والتعامل الخالي من الإنسانية مع المهاجرين الأفارقة، وتقتيل إخواننا الفلسطينيين داخل بيوتهم بالسلاح الإسرائيلي (...)

 

جراح لن تضمد بسهولة. الموت جوعا في دول الجنوب، والموت في سن متأخرة بالتخمة في دول الشمال.

 

ولنا أن نتذكر، من طبل وزمر لإزالة الحواجز الجمركية أمام السلع ورؤوس الأموال دفاعا عن العولمة، أليست أمريكا؟. واليوم، أليست هي من يعود إلى الحمائية الاقتصادية بقوة؟

 

ألا تحاول أمريكا بكل ما أوتيت من قوة، تدمير قوة الاتحاد الأوروبي؟ ألا توجد حروب بالوكالة في الشرق الأوسط؟ هل هي بداية نهاية القطب الوحيد؟ ....

 

لا غرابة، إن قانون الغاب هو السائد في العالم منذ القدم، والمصالح الاقتصادية  والجيو-استراتيجية هي التي تشكل منطق العلاقات الدولية. وما دون ذلك، فهو كذب على الشعوب.

 

أجدني ممن يعتقد أن علينا، نحن العرب والأفارقة، أن نعترف أننا نحن المسؤولون عن أوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ومن تم فالواقعية تفرض علينا اليوم العمل على ثلاث واجهات:

 

الواجهة الأولى، التطوير العام على كل المستويات لعلاقات "الجنوب-الجنوب"، وهو ما يتطلب إرادة سياسية قوية. ورحم الله المفكر المهدي المنجرة الذي دافع عن أطروحتي التعاون جنوب/ جنوب والقيم، طوال حياته.

الواجهة الثانية، الحضور الوازن في العلاقات الدولية، من خلال تكتلات قوية اقتصاديا وسياسيا وحقوقيا. وبالأخص، تقوية الاتحاد الافريقي على كل المستويات. ولنا في الاتحاد الأوروبي، بالرغم من التصدعات التي يعرفها اليوم، خير نموذج يجب الاستفادة منه. وهنا نستحضر قولة "جون موناي" المؤسس الروحي له: "إننا لا نؤلف بين دول وحكومات بهذا العمل وإنما نؤلف ونوحد بين بشر".

الواجهة الثالثة، العدالة الاجتماعية والحريات العامة الملموسة لدى أبسط المواطنين، في كل بلد افريقي وعربي. فكفى حروبا من أجل السلطة والمال والمناصب.

 

إن العالم اليوم، في حاجة إلى عولمة أخرى أكثر عدلا وإنسانية. ولنكون -نحن العرب والأفارقة- من صناعها لا بد من نماذج تنموية جديدة  وتكتلات اقتصادية قوية... وإرادة سياسية حقيقية.

 

من دون ذلك، سنبقى في أحسن الأحوال مجرد ممثلي "الكومبارس" (أصحاب الأدوار الثانوية) في السينما العالمية.

أحمد بلمختار منيرة، إعلامي وباحث