السبت 19 أكتوبر 2019
في الصميم

لهذا السبب لا يجوز شرعا لسكان المدن دفع الضرائب؟!

لهذا السبب لا يجوز شرعا لسكان المدن دفع الضرائب؟! عبد الرحيم أريري

الآن أضحى بإمكان المرء أن يفهم لماذا ترفض الحكومة والبرلمان إعادة صياغة كناش تحملات جديد لإنجاز أي مشروع سكني اقتصادي جديد من طرف الخواص أو من طرف المؤسسات التابعة لوصاية السلطة العمومية.

الآن أصبح بإمكان المراقب أن يفك شفرة إصرار السلطات الحكومية والتشريعية على عدم تأطير إنشاء المدن الجديدة والأقطاب الحضرية الحديثة بدفاتر تحملات واضحة ومطابقة للمعايير العالمية.

فالمعايير العالمية التي سطرتها منظمة الصحة العالمية، تنص على وجوب أن تكون المدن أكثر خضرة واخضرارا. وحددت منظمة الصحة العالمية حدا أدنى من المساحة الخضراء لكل فرد  بالمدينة، بإلحاحها على أن هذا الحد لا يجب أن يقل عن 10 أمتار مربعة من المساحات الخضراء لكل مواطن بالوسط الحضري. وكل مدينة تحرص على أن تزيد من هذه النسبة لإسعاد مواطنيها لن يقربها ذلك سوى من "المدينة الفاضلة" و"المدينة المستدامة".

إذا أسقطنا معايير منظمة الصحة العالمية على مدن المغرب سيصاب المرء بالدوخة، بل وسيطالب بعدم تصنيف مدن المغرب في خانة المراكز الحضرية الآدمية.

فإذا تجاوزنا الرباط وإفران نسبيا ( اللتين تتوفران على حد أدنى من المساحات الخضراء لأسباب سياسية وتاريخية)، سنجد أن إعداد جل مدن المغرب ظل يتم بمنطق متتاليات التجزئات السكنية أو التجمعات العشوائية فيما مضى، واليوم يتم إعداد المدن والمشاريع السكنية بمنطق التفويض لشركات الإنعاش العقاري (خاصة أو تابعة للقطاع العام) بهاجس تحقيق الربح الفاحش دون الخضوع لضوابط "أنسنة المجال الحضري" أو لضوابط منظمة الصحة العالمية.

لماذا؟

الجواب يتضمن قنبلة ريعية وبيئية خطيرة جدا تزيد من تأزيم الاحتقان بالمغرب بدل أن يلعب التخطيط الحضري دور تهذيب الأفراد وتخليق السلوك العام. وهذا دليلنا على ذلك:

لنفرض أن السلطات بالمغرب ألزمت كل منعش عقاري (خاص أو عام)  بإنجاز مشروع سكني اقتصادي وفق معايير منظمة الصحة العالمية وربطت الترخيص للمشروع بوجوب إنجاز 10 أمتار مربعة من المساحات الخضراء لكل مواطن بذاك المشروع. ترى كيف ستكون عليه أحياؤنا ودروبنا؟

لكن للأسف، استسلام الحكومة والبرلمان لضغط المنعشين الكبار وضعفها أمامهم جعلها ترفض إعداد كناش تحملات بهذه المواصفات.

فالمنعش الكبير الذي يتقدم بملف لإنجاز مشروع مكون من 9000 شقة معناه أن مشروعه سيأوي على الأقل 45 ألف نسمة (نموذج مشروع المستقبل لشركة الضحى بسيدي معروف بالبيضاء، والأمثلة كثيرة). وإذا اعتمدنا ضوابط منظمة الصحة، فمعناه ضرورة إرفاق هذا المشروع بتوفير 10 أمتار من الخضرة لكل ساكن، أي الحاجة لإنجاز 450000 ألف متر مربع من المساحات الخضراء لسكان المشروع المذكور، تحت طائلة رفض الترخيص، أي ما معناه توفير 45 هكتارا من الحدائق والأشجار( أي تقريبا نفس المساحة الحالية لمشروع المستقبل السكني).

لكن اللوبي القوي للمنعشين يضغط كي لا تعتمد الحكومة والبرلمان هذا المعيار. إذ لما نقول عشرة أمتار من المساحة الخضراء لكل مواطن، فمعنى ذلك أن كل شقة مبنية من السكن الاقتصادي (حوالي 55 متر مربع) يجب أن يقابلها نفس العدد من المساحات الخضراء (أسرة تضم الزوجين وثلاث أبناء: 50 متر مربع من الخضرة).

من ذا الذي سيقامر بهذا القيد؟ فشراء 450000 متر مربع (45 هكتارا) لجعلها أشجارا وحدائق وفضاءات، تتطلب في أضعف الحالات صرف مبلغ 1200 درهم للمتر المربع، أي ما يمثل 540 مليون درهم (54 مليار سنتيم). وتجهيز هذا العقار الأخضر يتطلب في أبسط شروط التهيئة صرف 300 درهم ككلفة دنيا لتهيئة المتر المربع من المساحات الخضراء، (في المجموع: 135 مليون درهم).

وإذا جمعنا كلفة اقتناء عقار المساحات الخضراء وكلفة تهيئته كحدائق وغرس الأشجار بالمشروع السكني المذكور سنصل إلى غلاف قدره 67 مليار ونصف المليار سنتيم.

بالله عليكم، هل يوجد منعش (عام أو خاص) لديه استعداد لبرمجة هذا الاعتماد المالي المهم لأنسنة المجال السكني الذي سيبنيه؟

إذا كان توفير وتجهيز مساحة 45 هكتارا كمساحة خضراء مسألة ضرورية قبل كل ترخيص، فما الذي سيحدث لو قلبنا الآية؟ أي ماذا سيحقق"لهريف" على المساحات الخضراء التي لم تنجز بالمشروع؟

أولا: ربح صافي قدره: 67 مليار سنتيم لم ينفق لاقتناء العقار والتهيئة الخضراء.

ثانيا: ترك هامش كبير للمنعش ليشتري العقار ليبني فوقه مشروعا سكنيا ضخما يأوي  9000 شقة أخرى. وبالتالي تضخيم فوائض الربح الفاحش بشكل جنوني.على اعتبار أن كل شقة تترك ربحا خاما نفترض أنه 30 ألف درهم، مما يعني ربحا آخر قدره 270 مليون درهم (27 مليار سنتيم

ثالثا: إمساك الحكومة والبرلمان عن سن قانون ينص على ألا تتجاوز وحدات السكن الاقتصادي في الهكتار الواحد 80 أو 100 شقة، بدل الامتياز الممنوح حاليا للمنعشين المحدد في 230 شقة بالهكتار الواحد مع ما يتسبب فيه ذلك من اكتظاظ وكثافة سكانية رهيبة.

أبعد كل هذا يحق لرئيس الحكومة أن يحتفظ بوزارة الإسكان وسياسة المدينة في الهندسة المؤسساتية بعد أن بينا بالحجة والدليل كيف أن هذه الوزارة تخدم فئة قليلة جدا من المنعشين وتسمنهم على حساب ملايين السكان بالمدن الذين يفتقدون لجودة العيش الحضري؟ وهل يحق للبرلمانيين وأحزابهم أن يطوفوا بـ "الدروبة" والأحياء لالتماس التصويت عليهم من طرف الناخبين وهم لم يقوموا بأي تحرك لسن قانون ملزم يتضمن توفير 10 أمتار مربعة من المساحات الخضراء لكل مواطن حسبما تنص عليه معايير منظمة الصحة العالمية؟ هل يجوز شرعا لسكان المدن دفع الضريبة لجماعات ترخص بإنجاز مشاريع عمرانية بدون لمسة إنسانية وجمالية وبيئية؟