الثلاثاء 19 مارس 2019
منبر أنفاس

طه لمخير:الاسلاميون وتحضيرات "المساء الكبير"

طه لمخير:الاسلاميون وتحضيرات "المساء الكبير" طه لمخير
عند مفترق طريق طويل وصل منتهاه..فكان لزاما على التيارين الذين طالما قادا متحدين حملات بلا هوادة على حصون التنوير والمدنية منذ فجر السبعينات أن يحدد كل منهما اختياراته بخصوص مصير دعوتهم.
بين وجهة الإسلام السياسي ذي المآرب الخلافوية والباحث عن الحكم اليوتوبي المثالي على الأرض بتصوراته الكليانية وحلوله الشاملة والشمولية كما نظر لها الباكستاني أبو الأعلى المودودي وصقلها المصري سيد قطب المتأثر بالأممية العالمية والجهاد العالمي وحاكمية الشريعة في الأرض..
وبين الذهنية الوهابية العتيقة الوادعة في بلاط الدعة وترف البذخ، والمكتفية بالغزو الثقافي والدعوي..هنا ستستشعر السعودية فداحة الخطب الذي تتقلب اليوم في أتونه..السيل الأيديولوجي بدأ يجرف معقل بلاد نجد والحجاز الذي كان منذ الستينات محضن الفارين واللاجئين إليها من روع الحملة الناصرية، وفِي جامعاتها الدينية فرخ الرعيل الأول للمنظرين الاسلاميين أهم كتب الأيديولوجيا وفِي مكتباتها طبعت ملايين المؤلفات والأدبيات وملايين الأشرطة والتسجيلات ووزعت في أنحاء المعمور..
وفِي مدارج معاهدها وأثير إذاعاتها ومنابر مساجدها اشتهروا وازدهروا وأثمروا وجندوا الأتباع ونظموا الصفوف وأنشأوا الجمعيات والرباطات وانتشروا في مناكب الأرض… اليوم باتوا يشكلون تهديدا وجوديا للدولة السعودية، وتلك بضاعتهم ردت إليهم بعد أكثر من نصف قرن من النوم على سرير واحد.
لكننا إذا ما دققنا النظر في المشهد المعقد والمتشابك إلى أقصى الحدود، وافترضنا سيناريو يكون الصراع في مرحلته الحالية محسوما لصالح مشروع الخلافة العظمى،وينجح اردوغان ومشيخة قطر في تدجين الحكم السعودي وتحييده، ويتمكن الإخوان من قلب النظام في مصر والجزائر والأردن،فماذا نرى حينها؟
بذرة الصدام الحتمي الذي سينشأ بين القطريين الذين يتبنون نظرة إقامة نظم حكم دينية في الدول العربية يحكمها الإسلاميون من خلال ثوراة شعبية مع الحفاظ على درجة من الاستقلال والحكم الذاتي، وبين الطموح التركي الخلافوي القومي على منهاج السلطنة العثمانية التي سبق لها واتخذت من أقطار منطقة(مينا) باستثناء المغرب ولايات دينية تابعة إلى المركز في الأناضول.
هذا يعني وبطريقة ميكانيكية أن المشروع الإسلامي في مراحله المتقدمة سيبتلع الدويلة الخليجية التي تموله حاليا وتقويه على مناوئيه من القوى الوطنية والمدنية الرافضة لهذا مشروع شمولي فاشي.ومنشأ الخلاف في كون الاسلاميين الخلافويين لن يسمحوا حينها وقد اتخذوا مواقعهم في دولة الخلافة ببقاء مشيخة غنية بالغاز يحكمها"أغيلمة من قريش حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام" مُقرَّطون يرفلون في البذخ والترف، بل ستكون التعيينات خاضعة لقرارات الباب العالي في إسطمبول، الذي سيتولى تعيين الولات وفق الاستحقاق "الشرعي".
ولقد أشار السفير الروسي السابق في قطر إلى هذا المعنى في مقابلة على قناة روسيا اليوم في برنامج (رحلة في الذاكرة) عندما قال بأن القرضاوي صرح له بأن الإمارة القطرية سيتم التخلص من حكامها بعد انتهاء دورهم.
وكيفما دار الأمر، فعندما تحين ساعة "الحسم" فإن الاسلاميين جميعا أو أغلبهم سيأخذون صف الأتراك (أي صف الخلافة) رغم كل ما قدمته لهم قطر من أموال ووفرت لهم من دعم وأحاطتهم به من رعاية، وكما يقال: على الباغي تدور الدوائر، وقطر سوف تجني في نهاية هذه المغامرة التعيسة ثمار ما غرست تماما مثلما تجنيه السعودية اليوم، كالذي ربى في حديقته شبلا فعندما شبّ أسداً أكل صاحبه.
الإسلاميون اليوم ملوك الساحة، وسلاطين الرأي العام، وسادة الدعاية و التوجيه الايديولوجي والمؤثرون على صناع القرار السياسي، سحقت تحت أقدامهم هامات المثقفين وتهاوت على وقع ضرباتهم قلاع التنوير، فلا تحس منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزا..
تعالوا وتضخموا وفاض الغرور والكبر من أعطافهم حتى لم يعد إلا صوت إسلامي يعارضه صوت إسلامي..
فاشية على جميع الأصعد.. انحطاط فكري بلغ مداه مع مواضيع الفتوى التي تعكس انشغالات الفرد المسلم واهتماماته العقلية… الفتوى خصاء العقل، وعجزه عن الاعتراف بقدرته الذاتية على التفكير،واعترافه بعجزه عن العيش بمعزل عن الاكليروس الذي يفكر له وعنه.
هم من يتصدرون الإعلام، وهم من يديرون أشهر المواقع والقنوات، وهم من ينتجون المعرفة، وهم من يضعون مقررات التربية والتعليم ويسيرون اتحادات الطلبة، وهم من يمارسون دور والرقيب الاجتماعي ويختارون الأذواق ويحددون القيم ويُنَقّطون السلوك والأخلاق ونوع اللباس ويصدرون أحكامهم على المصنفات الأدبية والفنية وأحيانا كثيرة يجنحون إلى تشكيل شرطة دينية أو غيستابو إسلامي في الأحياء الشعبية... إن العالم الإسلامي في غالبيته يعيش فعليا تحت سلطة جمهوريات إسلامية شعبية على النسق الإيراني لا ينقصها سوى الاعتراف الرسمي لا غير.
ومن الجدير التنبيه إلى أن الدولة الوطنية (مهما كانت المآخذ عليها)إذا استمرت في غفلتها وتراخيها وعدم سعيها في تقوية مضادات ثقافية تنويرية فعالة تخلق بها موازنة قوية على مستوى الرأي العام؛ فهي أيضا ستجد نفسها في مرحلة معينة رهينة إرادة التيار الشعبوي الإسلاموي وطوع إملاءاته وابتزازه للقرار السيادي..الرأي العام هو كل ما تملكه الدولة، فإذا هي فرطت به لصالح الإسلاميين فقد ارتكبت خطأ وجوديا قاتلا و انتحارا معلنا.
سئل أحمد الريسوني في حوار على موقع إضاءات السؤال التالي: بعد 6 سنوات على الربيع العربي.. كيف ترون النتائج التي آلت إليها الثورات.. وهل ما زالت هذه النتائج غير نهائية؟
ج: "ليس في التاريخ شيء نهائي، وإنما فيه تدافع وسجال، ومد وجزر، وكمون وانفجار… هذا بصفة عامة".
هذا الحكم ليس على إطلاقه.. فمن المعلوم لدى الإسلاميين أن"نهاية التاريخ" تبدأ عندما يسيطرون سيطرة تامة على الحكم ويعدمون كل معارضيهم من العناصر الممثلة لمظاهر التعددية والاختلاف والإرادة الحرة في المجتمع.. عندها تنتهي جميع فرضيات الحكم والتناوب على السلطة وتدبير الشأن العام..تلغى مظاهر الحياة السياسية والحزبية بشتى أطيافها المعاصرة.. لا مطمع للتنافس على كسب أصوات الناخبين ولا تسامح مع الدعايات العمومية للأفكار والآراء والأساليب الحداثية..
تنتهي الرؤى السياسية والمناهج البشرية وأساليب الحياة التي لا تنهل من التصور الإسلاموي لـ"منهج الله".. لا مجال لتطور الأفكار والرؤى الفلسفية.. لا تساهل مع النظريات العلمية المناقضة لقناعات الايدولوجيا ودوغمائياتها.. لا تسامح مع الظواهر الاجتماعية الغريبة عن التقاليد والتعاليم الصارمة.. كل هرطقة ستقابل بأشد أنواع العقاب، كل خروج على الجادة المقدسة ستفرد لصاحبه المقصلة.. ولا يبقى إلا النموذج الشمولي القديم الخالد الذي سيطبقونه على محكوميهم بأدق تفاصيله البربرية المؤذية للحس الانساني والذوق المتحضر.. هذا هو أس المشروع.
وكما في إجابة الريسوني؛ فالمرحلةُ مرحلةُ كمون !!. لكنه ليس كموناً سلبياً، بل كمون تحريضي على الانفجار، أو ما يسمونه الموجة الثانية للثورة بعد فشل الموجة الأولى التي أخذوا فيها على حين غرةولم يكونوا مستعدين لها، بدؤوا اليوم في تطوير ميكانزمات جديدة لإحداث التغيير المنشود أو التحضير لمكونات الانفجار العظيم أو بتعبير فرنسي:"المساء الكبير".