الأربعاء 24 يوليو 2019
كتاب الرأي

بوبكري: زعامات المجتمعات العربية الإسلامية تفرغ القِيَم النبيلة من معانيها

بوبكري: زعامات المجتمعات العربية الإسلامية تفرغ القِيَم النبيلة من معانيها محمد بوبكري

عندما نتأمل ثقافة الشرق الأوسط نجد أن مجتمعات هذه المنطقة وزعاماتها مأخوذة بالأسماء دون أن تعير أدنى اهتمام للمسميات، حيث تهتم بالمظاهر والأشكال دون سواها، ما نجم عنه إفراغ المفاهيم والنظريات من معانيها إلى أن أصبحت مجرد أصوات جوفاء..

 تتحدث هذه المجتمعات وزعاماتها عن الحداثة والديمقراطية والثورة، لكن هذه المفاهيم عندها مجرد ألفاظ يتم تداولها في ذاتها، بمعزل عن سياقاتها وتاريخيتها ونسبيتها... كما تتصارع هذه المجتمعات وزعاماتها وتخوض حروبا ضد بعضها البعض باسم تلك المقولات، إن بعضها يقتل البعض الآخر باسمها كذلك.

من ثمة، فهي تدعي تبني قيم ومفاهيم، في حين تتعامل معها كما تتعامل مع أجهزة التلفاز والسيارات المستوردة: تقبل استعمال الأدوات وترفض العقل الذي أنتجها والقيم الملازمة لها... فليس لهذه المجتمعات علاقة تاريخية بها، إذ لم يسبق لها أن عرفتها في تاريخها..

الديمقراطية بمعناها البسيط هي الاعتراف بالآخر المختلف، بوصفه عضوا في المجتمع ومواطنا فيه، له نفس الحقوق التي يتمتع بها باقي المواطنين، بقطع النظر عن انتمائه الديني أو الإثني أو النوعي. لكن ثقافة هذه المجتمعات وزعاماتها تنظر إلى المختلف عنها باعتباره "كافرا"، لأنه خرج عن "الإجماع" و"الجماعة"، وبالتالي لا يمكن قبوله عضوا في "الأمة"، ولا تمتيعه بحقوق باقي أفرادها، بل هو، في نظر تلك المجتمعات والزعامات، لا يستحق الحياة أصلا، جزاؤه القتل أو النفي خارج المجتمع، ولا يغفر له ذلك أن يكون قاض أو فقيه، أو رجل فكر على غرار ما حدث لابن رُشد، إبان محنته، عندما نُفي خارج المغرب...

وتجدر الإشارة إلى أن الديمقراطية في اعتقاد جماعات الإسلام السياسي هي مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة، وبعد ذلك تلجأ هذه الجماعات إلى نسف الديمقراطية من الأساس، وتقويضها وضرب قيمها ومبادئها، حيث تمنح ذاتها وأعضاءها حقوقا لممارسة الظلم والاستبداد.... لقد أثبتت دروس التاريخ أن "الأصولية الطائفية" تؤدي حتما إلى نتاجها الآلي، وهو "الأصولية السلطوية"، وما يرافقها من استبداد وعنف وحروب وخراب... فالأصولي له فكر خرافي يعتقد أنه يمتلك قدرات خارقة لإنجاز كل شيء، ولا يتردد في حملاته الانتخابية في وعد الناس بإنجاز ما لا عين رأت ولا خطر على بال. لكنه عندما يتولى تدبير الشأن العام ينقلب على وعوده وتعهداته، فلا يتردد في تفقير الناس وتجهيلهم، فضلا عن انقلابه على طهرانيته وأخلاقه المزعومين. وهذا منتهى التحايل والكذب!!!.

على هذا النحو، تفرغ جماعات الإسلام السياسي المفاهيم والقِيم النبيلة من معناها الأصلي في مجتمعاتها، وتحرِّفها، فلا تستخدمها باعتبارها طريقا مفتوحة، بل بوصفها وسيلة تمكن من تحقيق أهداف الزعامات ومصالحها الخاصة وكل ما يعزز سلطتها.

لم يسلم مفهوم "الثورة" من التشويه والمسخ في مجتمعات الشرق الأوسط؛ ففي حين تشير الثورة بمعناها البسيط إلى الانتقال من حالة سيئة إلى حالة جيدة، أصبحت هذه "الثورة" مع ما سمي بـ "الربيع العربي" نكوصا إلى الخلف أفضى إلى إغراق بعض بلدان الشرق الأوسط في جحيم حروب وتطاحنات أدت إلى تلاشي بعضها، ودخول بعضها الآخر في دوامة اقتتال وعنف خطيرين، بل إن بعض جماعات الإسلام السياسي لم تتردد في طلب تدخلات أجنبية من أجل فرض سيطرتها وهزم خصومها، ما جعلها تشكل امتدادا للاحتلال الأجنبي ضد أوطانها...

يبدو أن العرب المسلمين صاروا اليوم ضد أنفسهم؛ ضد ذواتهم، وضد بعضهم البعض، كما يبدو أن الأجنبي أصبح يقاتل العرب المسلمين بالعرب المسلمين موظفا سلاح الطائفية والقَبَلِية، مستغلا في ذلك كون مجتمعات الشرق الأوسط لم تؤسس بعد مجتمعا مدنيا واحدا، بفعل رسوخ سلطة القبائل والطوائف الدينية. نتيجة لذلك، لم يعد الإسلام في الممارسة السياسية حاليا في الشرق الأوسط "دينا" ورسالة، بل أصبح شبه حزب يعمل ضد الوطن واستقراره...

يتسم التاريخ العربي الإسلامي، عموما، بالعنف، ولا يزال هذا التاريخ مستمرا إلى اليوم،مثقلا بمشكلات عديدة وأمراض شتى إلى أن أصبحنا نلاحظ أن الخلف لا يرث عن السلف إلا العنف والتدمير.                

وهذا ما يتطلب الخلاص من النزعات التقليدية وبناء مجتمع جديد يشكل كلا واحدا لا يتجزأ: مجتمع مدني تحكمه الرابطة الإنسانية المتغلبة على جميع الروابط الأخرى. بتحقيق ذلك، وتحقيقه فقط، يبدأ التحديث والبناء الديمقراطي.

تنهض الديمقراطية على ثقافة نفتقر إليها هي ثقافة اعتراف المجتمع الواحد بالآخر المختلف، ليس بالمعنى الأخلاقي التسامحي، بل بالمعنى العضوي الاجتماعي، وهي ثقافة تهدم الواحدية الطائفية والقَبَلِية، وتبني التعدُّدية والديمقراطية. وهذا يتطلب عملا طويلا وشاقا على واجهات متعددة، أخلاقية واجتماعية، ثقافية وإنسانية، وغيرها، لكن أيضا مواجهة الخوف؛ لا يجب الخوف من الحركة والتغيير، بل من الجمود والثبات والتكلس والسّبات، والاستسلام للنزعات التقليدية المؤدية إلى الموت.

تمكن ثقافة التغيير من التخلص من قبضة الماضي، والقبض على الحاضر والسير نحو المستقبل. فقد أصبح جليا أن ما يحول دون الحرية في مجتمعات الشرق الأوسط لا يتمثل أساسا في عوائق سياسية، وإنما في رسوخ البنية الذهنية التقليدية، قيما وعلاقات اجتماعية وثقافية...