الخميس 27 يونيو 2019
كتاب الرأي

عبد القادر زاوي: حصر تداعيات اغتيال جمال خاشقجي من خلال تحرك جماعي عربي.. للمغرب دور فعال في ذلك

عبد القادر زاوي: حصر تداعيات اغتيال جمال خاشقجي من خلال تحرك جماعي عربي.. للمغرب دور فعال في ذلك عبد القادر زاوي

وضعت عملية اغتيال الصحفي جمال خاشقجي سلطات المملكة العربية السعودية في مأزق كبير، وجعلتها عرضة لانتقادات حادة وابتزاز غير مسبوق من طرف قوى دولية وإقليمية عديدة عرفت كيف توظف العملية وتستغلها بالتركيز والربط بينها وبين وضعية حقوق الإنسان في المملكة.

وقد اتضح من التطورات والمستجدات التي عرفتها هذه العملية منذ أن وقعت يوم 2 أكتوبر 2018 أن السلطات في المملكة العربية السعودية لم تكن لديها أي فكرة مسبقة عن كيفية التعامل مع تداعيات العملية وانعكاساتها على علاقاتها الدولية والإقليمية.

كان الاعتقاد السائد أن العملية ستكون محور اهتمام إعلامي لمدة محدودة، ثم سرعان ما تنسى. ولذلك مع تطور التعامل الدبلوماسي والإعلامي مع القضية بدت الرياض مرتبكة للغاية في مواقفها التي تأرجحت بين الإنكار في البداية، وتطورت إلى تقبل تحمل مسؤولية ما وقع من خلال الإقرار سياسيا وقضائيا بارتكابها من طرف عناصر أمنية غير منضبطة تجاوزت حدود التعليمات التي كانت صادرة لها.

ولا شك أن حالة ارتباك السلطات السعودية ازدادت وستزداد مع تنامي الضغوط التي مورست وما تزال تمارس عليها، وعمليات الابتزاز التي تخضع لها والهادفة إلى حشرها بشكل تدريجي في الزاوية، سيما وأن بعض الأطراف المنغمسة في أطوار العملية تحاول أن تقوم بالربط بينها وبين ما تقوم به المملكة من تدخل عسكري في اليمن، والسعي إلى تحميل التحالف الذي تقوده هناك كل المآسي الإنسانية التي تحصل للشعب اليمني لتصل إلى اعتبار كل تلك الممارسات نموذجا لإرهاب الدولة مع ما يترتب عن تلك التهمة من إجراءات عقابية لوحت العديد من الدول باتخاذها.

وخلافا لموجة الانتقادات الشرسة التي تتعرض لها المملكة العربية السعودية، وللتهم التي توجه إليها بتنسيق ولو في الكواليس بين عدد من العواصم العالمية والإقليمية، فإن رد الفعل السعودي رغم توعده بإجراءات مضادة إزاء كل من يتهدد أعلى السلطات في الرياض بالعقوبات لم يفلح في تخفيف حدة الانتقادات، ولا في حصرها في مستوى سياسي محدود. كما أن حملة التضامن مع الرياض عبر بيانات رسمية وتصريحات صحفية تصدر من هنا وهناك بدت باهتة ومحتشمة، وغير فعالة لم تفد سوى في رفع العتب عمن يصدرها.

إن كل صيغ المواقف التضامنية الداعمة لما صدر عن الرياض من بيانات حول عملية الاغتيال والتعهد بمحاكمة مرتكبيها تشي بأن بعض المتضامنين يحاولون درء الانعكاسات السلبية للعملية عليهم في ضوء إدراكهم وجود أطراف دولية عديدة تريد تغيير قواعد اللعبة في المنطقة انطلاقا من استغلال هذه الفاجعة لإعادة خلط الأوراق وبلورة اصطفافات جديدة، ناهيك عن السعي لتحقيق مغانم ومكاسب مالية وتجارية وسياسية قدر المستطاع، وبقدر قوة كل طرف ومدى تجذر نفوذه في المنطقة.

ومع ذلك، فإن هذه الأزمة يمكن أن تمثل فرصة فريدة لإعادة النظر في ترتيب كامل وشامل للبيت العربي، خاصة وأن موقفا عربيا جامعا وموحدا وحده الكفيل بتحصين الرياض من الوقوع في براثين الفخ الذي وجدت نفسها فيه، ومساعدتها في الخروج من متاهة الابتزاز والاستنزاف التي يجري الإيقاع بها فيها.

وأيا تكن مواقف الدول العربية من المملكة العربية السعودية في ظل سياساتها الراهنة، فإن المصلحة الآن في الحفاظ على هيبتها ومنع تلطيخ سمعتها أو التجرؤ على زرع بوادر الفتنة داخلها. فالملاحظ أن جهات كثيرة تريد وربما تسعى لأن ترى في المرحوم جمال خاشقجي بوعزيزي جديد لإشعال موجة ثانية من ثورات الربيع العربي واحتجاجاته تطال نيرانها هذه المرة كل الأنظمة الوراثية العربية التي لم يعد الكثير منها محصنا كما يجب، وكما كان عند اندلاع الموجة الأولى من هذا الربيع.

والواضح من خلال ما يصدر عن البيت الأبيض أن الإدارة الأمريكية تريد تقديم مساعدة جزئية للمملكة في هذا السياق من خلال تكثيف حديثها عن إطلاق عملية سلمية فعالة في اليمن. ولكن من شأن هذا الأمر أن يزيد من توجه الاستفراد بالرياض بعيدا عن محيطها، والاستمرار أكثر في ابتزازها، خصوصا وأن جهات في الكونغرس الأمريكي تتربص بالمملكة، وتسعى لإجهاض المبادرات الرئاسية لفائدة الرياض.

لهذا، فإن التحصين الأمثل للمملكة العربية السعودية بتخفيف حدة الانتقادات الموجهة إليها، وفرملة محاولات عزلها يتمثل في موقف عربي جماعي يتخذ على أعلى مستوى من خلال قمة للقادة وحدهم تخصص للمصارحة والمكاشفة ومحاولة تبديد الشكوك المتبادلة القائمة بين أكثر من طرف.

وبالنظر إلى خريطة الأوضاع في الساحة العربية الآن، فإن المملكة المغربية هي الدولة العربية الوحيدة المؤهلة أكثر من غيرها في الوقت الراهن للعب دور إيجابي في هذا الاتجاه بما لها من أواصر اتصال مسترسلة مع كل الدول العربية، وما لها قنوات سياسية ودبلوماسية قادرة على تسهيل وتقريب وجهات النظر، وعلى كسب تأييد العديد من العواصم العالمية الكبرى، وبما لديها أيضا من تجربة تاريخية جديرة بالتقدير في هذا الإطار.

لقد سبق للمغرب أن لعب ادوارا رائدة في جمع الشمل العربي وتقريب المواقف ورص الصفوف في أزمات عصيبة من التاريخ المعاصر للأمة العربية، واستطاع الخروج بالعديد من القمم العربية إلى بر الأمان وبالحد الأدنى من التضامن الذي يوقف النزيف.

يكفي أن نتذكر في هذا الصدد كيف استطاع إقناع العديد من الدول بأهمية اعتبار منظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني في قمة الرباط سنة 1974، وكيف تمكن من إقرار مشروع المير فهد للسلام بعد قمتين متواليتين في فاس سنة 1982، ناهيك عن إعادة مصر إلى جامعة الدول العربية وبلورة مسيرة سلمية لوضع حد للحرب الأهلية اللبنانية في قمة الدار البيضاء سنة 1989.

إن عملا كهذا ليس هينا على الإطلاق، ولكنه غير مستحيل كما تحاول العديد من الأقلام المأجورة أو المتشائمة الترويج لذلك، إذ من الممكن الشروع فيه عبر إرسال مبعوثين على دراية كبيرة بكافة تطورات الساحة العربية إلى مختلف القادة العرب لشرح فكرة الالتئام في قمة على أعلى مستوى، وأهميتها في الوقت الراهن للجميع لمنع الاستفراد بالأطراف العربية معزولة بعضها عن بعض.

ومن المؤكد أن وجود موقف سعودي رسمي ومعلن عن تحمل المسؤولية الجنائية لما حصل للصحفي المغتال يسهل كثيرا بلورة موقف عربي جماعي وموحد ينطلق من إبداء التنويه أو الترحيب بهذا الموقف المسؤول، واستخدامه في حصر القضية في بعدها التقني لوقف الابتزاز للمملكة العربية السعودية، وفرض احترام نظامها وسيادتها الداخلية.