الاثنين 10 ديسمبر 2018
مجتمع

عز الدين الماحي: مراسلة وزارة العدل لرؤساء كتابات النيابة العامة غير وجيهة وغير سليمة

عز الدين الماحي: مراسلة وزارة العدل لرؤساء كتابات النيابة العامة غير وجيهة وغير سليمة عز الدين الماحي، مدير مجلة "محاكم"

يبدو أن درجة التوتر بين وزارة العدل والنيابة العامة، تزداد ارتفاعا، في ظل الإقرار باستقلالية السلطة القضائية، ومما زاد من حدتها، قيام الوزارة بمراسلة رؤساء مصالح كتابات النيابة العامة على مستوى محاكم الاستئناف تطلب من خلالها تزويدها بإحصائيات تتعلق بالمساعدة القضائية، وهو ما اعتبره عز الدين الماحي، مدير مجلة "محاكم"، مراسلة خارج السياق القانوني، وتنم عن عدم احترام السلم الإداري...

- علمت جريدة "أنفاس بريس"، أن مديرية الدراسات والتعاون والتحديث بوزارة العدل راسلت رؤساء مصالح كتابات النيابة العامة على مستوى محاكم الاستئناف تطلب من خلالها تزويدها بإحصائيات تتعلق بالمساعدة القضائية دون احترام السلم الإداري، ما تفسيركم لهذا الموقف؟

الواقع أن الإجابة عن هذا السؤال يفرض علينا استحضار المنظومة القانونية ذات الصلة بجهاز كتابة النيابة العامة، لا من حيث التنظيم، ولا من حيث الاختصاص، ولا من حيث علاقة هذا الجهاز بوزارة العدل، وعلاقته بالمسؤولين القضائيين لمختلف النيابات العامة.

فالتنظيم القضائي الحالي الذي لازال ساريا - في انتظار صدور التنظيم القضائي المغربي الجديد - استحضر كتابات النيابة العامة من خلال عدة فصول، من قبيل الفصل2، وهو بصدد حديثه عن تأليف المحاكم الابتدائية، والفصل 6 كذلك، وهو يتحدث عن تأليف وتنظيم محاكم الاستئناف، والفصلان 18 و20 اللذان خولا صراحة للوكلاء العامون للملك ووكلاء الملك سلطة المراقبة كل كتابات النيابات العامة.

أما من حيث التنظيم الهيكلي لمصلحة كتابة النيابة العامة، فقد تمت الإشارة إليه بموجب المنشور رقم 858 الصادر بتاريخ 28/11/1979، حيث تتألف كتابات النيابات العامة بمحاكم الاستئناف من مكتب جنائي يضم عدة شعب، نظير شعبة الشكايات والمحاضر، وشعبة التنفيذ الزجري.. ومن مكتب مدني يضم شعبة المساعدة القضائية، وشعبة تدخل النيابة العامة في القضايا المدنية.. ومن مكتب التدبير الإداري الذي يضم شعبة الضبط والإحصائيات.

هذا المنشور تمم بموجب المنشور عدد 882 وتاريخ 20 مارس 1980 والموقع من طرف الكاتب العام للوزارة العدل أنذاك (الفاسي الفهري)، والذي جاء في سياق (وكما هو مضمن بمتن المنشور)، مؤداه أن بعض رؤساء كتابات الضبط قد أساءوا فهمه وخاصة حينما اعتقدوا أنهم أصبحوا مستقلين عن المسؤولين بالمحاكم في تدبير شؤون كتابة الضبط بصفة عامة، داعيا إياهم (رؤساء كتابة الضبط وكتابة النيابة العامة) إلى ضرورة احترام السلم الإداري لأي نشاط. كما أن مقتضيات قرار وزير العدل رقم 441.90 الصادر في 12 من محرم 1408 الموافق ل 7 سبتمبر 1987 المتعلق بتحديد اختصاصات وتنظيم كتابات الضبط وكتابات النيابة العامة بالمحاكم نص من خلال المادة 4 منه، على أنه يعهد لرؤساء كتابات الضبط وكتابات النيابة العامة بمهام التسيير والمراقبة وتنسيق أعمال كتابات الضبط تحت سلطة رئيس المحكمة أو رئيس النيابة العامة كل حسب اختصاصه.

إذن فانسجاما مع هذه الحمولة القانونية المتنوعة، والتي لم يتم نسخها بأي مقتضيات قانونية أخرى، يتبين أن كتابات النيابة العامة بمختلف المحاكم تعمل تحت إشراف ومراقبة المسؤولين القضائيين (الوكلاء العامون للملك، وكلاء الملك) هؤلاء بدورهم يخضعون لسلطة رئيس النيابة العامة بموجب القانون رقم 33.17 المتعلق بنقل اختصاصات السلطة الحكومية المكلفة بالعدل إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض لا سيما المادة الأولى منه.

 - ماهي اختصاصات جهاز كتابات النيابة العامة؟

من حيث الاختصاصات والمهام المسندة لكتابات النيابة العامة، فإن القراءة الهادئة لمختلف النصوص القانونية الإجرائية لاسيما قانون المسطرة المدنية وقانون المسطرة الجنائية وبعض النصوص القانونية الخاصة لا تتحدث إطلاقا عن المهام والاختصاصات، بخلاف الأمر بالنسبة لجهاز كتابة الضبط، حيث حظي بعناية كبرى من حيث المهام التي يقوم بها، إذ أنه ثمة نصوص قانونية صريحة تخول لكاتب الضبط القيام ببعض المهام من قبيل (حضور الجلسات تحت طائلة ترتيب الآثار، تسليم نسخ الأحكام، حضور رئيس كتابة الضبط لأشغال الهيئات العمومية...).

بيد أن هذا لا يعني أن كتابات النيابة العامة ليس لها أي دور في الجانب الإجرائي، بل على النقيض من ذلك، فإنها تساعد وكلاء الملك ونوابهم والوكلاء العامون ونوابهم في تصريف الأشغال، وبالتالي لا يمكن الاستخفاف منها.

 - يعني أن مهامهم أقرب لكتاب الضبط؟

قد يرى البعض أن عبارة كاتب الضبط المضمنة في قانون المسطرة المدنية وقانون المسطرة الجنائية تنصرف إلى كاتب الضبط الذي يشغل بالرئاسة وبكتابة النيابة العامة، نعتقد أن هذا التوجه يبقى محل نظر، على اعتبار أن كاتب الضبط من خلال النصوص الإجرائية له مفهوم وظيفي، أي أنه مرتبط بالوظائف المسندة إليه، وبالتبعية فالمتتبع لهذه النصوص الإجرائية سيتضح له لامحالة أنه كلما ذكرت عبارة كاتب الضبط في هذا الشأن، إلا وتم ربطها ببعض المهام التي تنصرف إلى مصلحة كتابة الضبط لا كتابة النيابة العامة.

 - نعود للسؤال الأول، ماهي طبيعة العلاقة القائمة بين رئاسة كتابة النيابة العامة ووزارة العدل؟

الأكيد أن العلاقة تنصرف من حيث المبدأ إلى الجانب الإداري، وذلك من حيث تتبع وضعياتهم الإدارية (الترقيات، الامتحانات المهنية، الانتقالات، التأديبات....) وكذا المالية.

بعد هذه المعطيات، أعتقد أن إقدام وزارة العدل على توجيه المراسلات الإدارية للسادة رؤساء كتابات النيابة العامة دون احترام السلم الإداري، يبقى غير وجيه وغير سليم للعلل المومأ إليها سابقا، ويمس بصلاحيات رئيس النيابة العامة وبالمسؤولين القضائيين للنيابات العامة، فضلا عن كون طلب الإحصائيات في مجال المساعدة القضائية له ارتباط بمساطر قضائية (إجراء بحث، المحامي جزء من تشكيلة مكتب المساعدة القضائية، وأن حضور كموظف كتابة النيابة العامة يتم بصفته كاتبا للمحضر).

 - ما هي قراءتك لما تعتبره "توجها غير سليم" لوزارة العدل، سيما في ظل استقلال السلطة القضائية واستقلال رئاسة النيابة العامة؟

أعتقد أنه لمن الصعوبة بمكان تحديد الخلفيات الحقيقية لمثل هذا التصرف، بيد أنه ثمة عدة فرضيات تطرح في هذا الشأن، من ذلك:

+ فرضية عدم استيعاب الظرفية الحالية القائمة على أساس استقلالية السلطة القضائية، لاسيما الفصل 107 من الدستور المغربي. واستقلالية النيابة العامة وفق القانون رقم 33.17 المتعلق بنقل اختصاصات السلطة الحكومية المتعلقة بالعدل إلى وكيل الملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة وما استتبع ذلك من صدور مناشير ودوريات صادرة عن رئيس النيابة العامة من قبيل الدورية رقم 3 وتاريخ 2 يناير 2018 المتعلقة بضرورة احترام السلم الإداري في أي طلب يوجه للنيابات العامة من جهات أخرى.

+ فرضية كون البعض لازال يحن إلى زمن ما قبل استقلالية رئاسة النيابة العامة وشغفه إلى تلك الفترة ومحاولة تبني مفهوم الإدارة القضائية لاختراق السلطة القضائية، أي مقاومة التغيير.

+ فرضية كون البعض يحاول استدراج كتابات النيابة العامة بمختلف المحاكم وجعلها تابعة مباشرة لوزارة العدل لا من حيث الوضعية الإدارية، ولا من حيث النشاط المهني. أي جعلها مستقلة عن المسؤولين القضائيين للنيابات العامة. في الوقت الذي نجد أن وزارة العدل فتحت من خلال برامجها أوراشا تسعى إلى حذف بعض السجلات من كتابات النيابات العامة، ومحاولة التخلي عن رئيس كتابة النيابة العامة، وجعل المحكمة تدبر من طرف مسؤول إداري واحد.

+ فرضية كون البعض يسعى إلى محاولة تكريس منطق غالب غالب، خاسر خاسر، بدل المنطق القائم على التعاون بما يخدم المصالح الفضلي للبلد.

فرضية كون البعض لازال عقمه الفكري يستحضر مفاهيم "دولة القضاة" "تغول النيابة العامة"، في أي وقت وفي أية مناسبة. وفي تدبيره الاستراتيجي.

- ما هي في نظركم الحلول الناجعة لتجاوز هذه الوضعية؟

في نظري المتواضع، أنه ثمة العديد من الحلول التي يتعين استحضارها في هذا الشأن، من ذلك:

 + احترام المنظومة الدستورية والقانونية والمقاصد الشرعية للسلطة القضائية بجميع مكوناتها بدون تأويل وبدون قراءة أحادية.، إذ من المفروض توجيه جميع المراسلات الموجهة لرؤساء كتابات النيابة العامة تحت إشراف المسؤولين القضائيين وتحت إشراف رئيسهم الفعلي الذي هو رئيس النيابة العامة.

+ تحديد مفهوم الإدارة القضائية، وتحديد ما يندرج ضمن الجانب الذي يرجع فيه الاختصاص لوزارة العدل، وما يندرج ضمن الاختصاص الأصيل للسلطة القضائية بجميع مكوناتها، بدل الوقوف في منطقة الغموض، وذلك في مجال سوسيولوجيا التنظيمات التي يتحدث عنها ميشال كروزي « Michel crozier »   وهي المنطقة التي تتضارب فيها مصالح مختلف الفاعلين بالتنظيمات، ويكثر حولها النزاع المتعلق بالسلطة، وكذا عدم استعمال آلية حوار التدبير للوصول إلى أهداف وغايات أخرى، كما يتعين هجر حوار المجاملة. فالحوار وكما ذهب إلى ذلك محمد حداد في كتابه "قواعد التنوير" هو تواصل يسعى إلى تحقيق بعض الوفاق بين البشر فيما يمكن أن يكون موضوع وفاق بينهم.

+ استحضار ماهية الإدارة القضائية وفق ما ذهبت إليه المحكمة الدستورية بموجب قرارها عدد 991/2016 في الملف عدد 1473/16. والذي جاء فيه ما يلي:

"وحيث إنه، لئن كانت الإدارة العمومية موضوعة، بموجب الفصل 89 من الدستور، تحت تصرف الحكومة، فإن الإدارة القضائية تتميز عن باقي الإدارات العمومية بمساهمتها المباشرة في تدبير الشؤون القضائية المندرجة بطبيعتها في مهام السلطة القضائية".

+ تبديد الخلافات الهامشية عن طريق اللجنة المشتركة المنصوص عليها في المادة 54 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية بما يخدم مصلحة المواطن، فالظرفية الراهنة تستلزم التعاون والتواصل المبني على فهم المتغيرات والمستجدات الدستورية ذات الصلة بالسلطة القضائية، وبرئاسة النيابة العامة وذلك بنوع من الاقناع و الاقتناع لا بمنطق غالب غالب، خاسر خاسر، ومن حيث إجراء توازنات وخلق شروط التعاون لجعل التحولات ممكنة وفق ما ورد بالرسالة الملكية السامية في ضوء المؤتمر الدولي الأول للعدالة الذي جاء فيه "ويتأتى في مقدمة هذه التحديات، ضمان تفعيل السلطة القضائية في الممارسة والتطبيق...".